المسألة القبلية و إشكالية التخلف في المجتمع الأهوازي( الجزء و الکل )-[1]-[2]

خالد الکعبی-موقع بروال الأهواز

          إن العقائد لا تموت بمجرد شن هجوم علیها  وإنما تموت العقائد بإثبات عدم صلاحیتها    ( اوغست کونت)

القبیلة و القبلیة…. موضوعٌ شائکٌ متعدد الجوانب ، فهو لیس من جنس تلک المواضیع الوحیدة الجانب القائمة بذاتها ، و التي تُطرح کمشکلةٍ یمکن دراسة مکوناتها و تفکیک بنیتها و تحلیل عناصرها ، و التحاور معها و حولها أو الإختلاف فیها و علیها ، من أجل تحقیق معرفةٍ علمیةٍ موضوعیةٍ قادرةً علی کشف حقیقة کنهها و التعرف علی جذور منبتها و فهم أ سباب ما تبدو علیه من تجلیات و قراءة ما تنحوه من مسارات ، فی سبیل الوصول إلی حلٍ لها یؤدي إلی تجاوزها و طیّها ، و تحویلها من ثم إلی جزءٍ من الذاکرة الجمعیة التي تشکل محل تراکم خبرات المجتمع و خلاصة تجربته الحضاریة .

کلا…. إنه بالتأکید لیس کذلک ، إنه من ذلک النوع الذي یطرح نفسه کجزءٍ من إشکالیةٍ عامةٍ متعددةِ المسائل ، کلٌ منها عبارةٌ عن مشکلةٍ تستجوب الحل ، إلا أنها مع ذلک لا تقبله بشکلٍ منفردٍ بمعزلٍ عن المشاکل الأخری المرتبطة معها في منظومةٍ واحدةٍ من العلاقات المشترکة فیما بینها و هذا ما یعطیها طابع الإشکالیة التي یعرفها الدکتور محمد عابد الجابري – رحمه الله – بأنها ( منظومة العلاقات التي تنسجها داخل فکر معین ، مشاکل عدیدة مترابطة لا تتوفر إمکانیة حلها منفردة و لا تقبل الحل – من الناحیة النظریة- إلا في إطارحلٍ ٍعام یشملها جمیعا )1 ….

و موضوع القبیلة و القبلیة من هذا المنطلق هو جزءٌ من إشکالیةٍ عامة ، هي إشکالیة التخلف الشامل ، حیث تشکل لب وضع الأزمة المزمن الذي نتخبط فیه تیهاً . فهو لا یشکل سوی مسألةً واحدةً من عدة مسائل مترابطة متداخلة ، تجبر الفکر علی استدعائها و النظر فیها کلما فکر في أيٍ منها ، کما تفرض حضورها علی مسار البحث و الدراسة واحدةً تلوَ الأخری لتعذر إمکانیة الفصل فیما بینها، و ذلک إذا ما أُرید للبحث من أن یخرج بنتائج سلیمةٍ تحقق معرفةً خالیةً من عقد التفکیر  الرغائبي ، و من منفعیة عملیات التمویه الإدیولوجي المزیفة للوعي . ذلک أن مسائل أیة إشکالیةٍ أشبه ما تکون بسلسلةٍ دائریةٍ متصلة الحلقات ، کل حلقةٍ من حلقاتها مرتبطةٌ بالأخری و مرتهنةٌ بها ، ما یعني عدم إمکانیة البحث في أيٍ من قضایاها بشکلٍ منفرد بسبب ترابطها البنیوی الذي یجعلها لا تقبل التعاطي معها إلا بمنهجٍ یستطیع الکشف عن وحدة العوامل المشترکة المنتجة لها و المغذیة لاستمرارها، مبلوراً صیغةً تضمن إمکانیة فهمها و بالتالي معرفة کیفیة التوصل إلی حلٍ عامٍ یشملها جمیعاً یؤدي إلی حل الإشکالیة و تجاوزها نظریاً کخطوةٍ أولی ، باعتباره شرطاً موضوعیاً سابقاً لأي حلٍ علميٍ ملموس . إذ لا بد من تصفیتها علی مستوی الفکر أولاً لکي یتسنی بعد ذلک الإنتقال إلی أرض الواقع و تفکیک البنیة المشترکة للمسائل المکونة لها ، و التخلص من مجمل العوامل المؤدیة إلی استمرارها ، و تحقیق النقلة الفعلیة من وضع الأزمة المشل للحرکة و المقید للفعل و المبادرة ، إلی أفق الحل و فضاء التجاوز .

المسألة القبلیة إذن لیست إشکالیةٌ بحد ذاتها ، و إنما هي جزءٌ من إشکالیةٍ عامةٍ هي إشکالیة التخلف المزمن الذي ینخر جسدنا المجتمعي بکل جوانبه و مختلف أجزائه ، و لا بد من الوعي بهذه النحایة المفصلیة من الموضوع أثناء التفکیر بالمسألة القبلیة و تحلیلها و نقدها بروحٍ عقلانیةٍ و نظرةٍ موضوعیة ، و لا بد للنقد من أن یکون نقداً بنّاءً یستوفي الشروط التي تجعله یهدف إلی تحقیق المعرفة و التوصل إلی إدراک الحقیقة ، و تبتعد به عن السقوط في متاهات الجدل الذي

لا یُوَصِلُ إلی معرفة و لا یثبت حقیقة ، کونه لا یهدف إلی ذلک أساساً . إذ أن همّه الأول هو الدفاع عن مواقف ایدیولوجیة و الحفاظ علی مواقع و مکاسب معینة ، و لمّا کان منطلقه کذلک فإنه یجعل جُلَّ أهدافه الترکیز علی إبطال آراء و حجج من یعتبرهم خصومه عامداً هکذا إلی  التشویش علی لب القضیة و الإبتعاد بها عن جوهرها ، و خلق أجواءٍ تهدف إلی تحویل الأنظارعنها . إن أهم شروط النقد الهادف هو الفصل بین الذات و الموضوع2 ، أي بین المفکر أو الباحث أو الدارس ، و بین المسألة موضوع البحث و النظر بحیث تتحول في البدایة إلی شيءٍ لا یمت لباحثه بأي صلةٍ غیر الرغبة في فک رموزه و الإحاطة به و التعرف علیه ، هذا الأمر هو وحده الکفیل بحمایة الموضوع من أی سلطََةٍ قد تمارس هیمنتها تجاهه وتملی شروطها علیه، ومن أي شکلٍ من اشکال التوجیه التی قد یتعرض لها ( الأمر الذي ینطبق علی الباحث أیضاً علی حدٍ سواء ) ، مما یؤدی فی المحصلة إلی نتائج مزیفة ومعرفة مغلوطة تکون أساساً فاسدًا لکل ما یُبنی علیها من آراء ومواقف وتوجهات.  غیر أن هذا لا یعنی أن عملیة الفصل هذه خالیة ً من أي موقفٍ ایدیولوجی، بل هو یعنی أنها واعیةٌ لما یحرکها من مواقف ایدیولوجیة کانت الباعث أساسا ً فی عملیة البحث، ووعیها هذا هو الذی حررها من منطلقاتها مسبقا ً، و حررها کذلک من توجیهات التفکیر الرغائبی وإسقاطاته الذاتیة، لکی تتمکن من إستثمار ما تتوصل الیه نتائج البحث  فی خدمة مواقفها تلک و تثمیرها فی ما تطمح إلیه من مشاریع تهدف إلی إنجازها. و تجدر الإشارة هنا إلی أن معظمنا یغفل هذا الشرط النقدی الهام، لذلک دائما ما نشهد ودون الحاجة إلی عناء الترکیز أو التدقیق أن ما نظنه نقداً نوجهه لمختلف القضایا و المسائل التی نتناولها لیس سوی تفکیراً رغائبیاً یفکر فی الأموربالطریقة التی یریدها هو أن تکون علیه لاماهیة ما هی علیه، ولیس إلا إسقاطاً لمعطیات واقع ذواتنا علی تلک القضایا بعد تغلیفه بغطاء شعاراتٍ تکون رائجة ًفی حینها بهدف التمویه علی ممارساتنا الإسقاطیة فی التفکیر و مناهجنا التلفیقیة فی تبریر اخفاقاتنا وتراجعاتنا، بالإضافة إلی ما یصحب هذا و ذاک من مواقف دوغمائیةٍ وقحة. دوغمائیةٌ لأنها تدعی إمتلاک الحقیقة و استئثارها بالمعرفة وتُجَرّمُ کل مَن و ما یُخالفها، مستغلة ً غیاب الروح النقدیة فی ثقافةٍ قائمة ً علی التقلید کلیة ًوالإستلاب عموماً ، لکي تعمم ماتصدره من أحکام ٍ جازمةٍ علی کل شيء ، وهی وقحةٌ لأنها تعتمد علی تشویه الحقائق عامدةً بالأخذ بعددٍ قلیلٍ من المبادیء و الأصول العامة و تعمیمها عبرقیاس الأمور علی بعضها دون مراعاةٍ للفوارق و لاالإختلاف فی الطبیعة.

إن فهم المسألة القبلیة یستوجب النظر فیها ضمن الإطار العام لإشکالیة التخلف، وکواحدةٍ من مسائل أخری یشکل مجموعها هذه الإشکالیة ، فالمسائل الإقتصادیة و الإجتماعیة و السیاسیة و الدینیة والثقافیة هی مسائل مرتبطة ٌ ببعضها البعض، بحیث أن کل واحدةٍ تستدعي الأخری عند البحث فی أي منها  مهما  حاولنا الفصل فیما بینها، و تجاهل هذا الجانب المنهجي الهام یساوي التخبط الحاد و التبسیط الساذج الغالبان علی تفکیرنا کلما أردنا النظر فی أي قضیةٍ و دراستها ومنها المسألة القبلیة بطبیعة الحال . إذ غدی البحث فیها منصبٌ علی نقد المظاهر السطحیة المتجلیة فیها و التی هی لیست أکثر من إفرازاتٍ منطقیةٍ لها، دونما الغوص فی عمق هذه المسألة و تتبع جذورها من جمیع النواحی التاریخیة و السیاسیة والإجتماعیة ، ودراسة منطقها الخاص و عقلانیتها الناتجة عنه ومعقولیتها المفسرة لها، وهو ما یساعد علی تحقیق فهمٍ لها یمکن من امتصاص افرازتها السلبیة ومن ثم إستثمارها وتحویلها إلی رافدٍ إیجابي یخدم طموح التغییر الذی یهدف إلیه أی مشروعٍ ثقافي یسعی إلی إنجاز نهضةٍ ثقافیةٍ إجتماعیة وبناء مجتمع مدیني مدنی. غیر أن ذلک یجب أن یُسبق أولا ً بمنحی جاد وتوجهٍ حقیقی یطلب فهم الذات، فیجب أن نفهم ونتفهم ذاتنا الجماعیة قبل کل شیء، وذلک بمساءلتها و محاورتها ومراجعة تاریخها ونقده وإعادة اکتشافه(فالأمم التی لاتقرأ تاریخها معرضة ٌ لإعادة إنتاجه لغیر صالحها کما یری الفیلسوف جورج سانتایانا)، یجب عدم الخشیة أو الخجل من تعریتها و نقدها نقداً موضوعیاً بنَّاءً، نقدٌ لا یهدم قبل أن یمهد ویؤسس، نقدٌ یبني أولاً وإن کان إلی جوار البناء القدیم، حیث أن الجدید إذا تم فإنه سوف یسقط القدیم لامحالة بسبب سلبه إیاه لدوره و إثباته لانتهاء صلاحیته وبرهنته علی زوال مشروعیته. أما إذا کان النقد لا یملک أدوات البناء وآلیاته، وجب علیهالإصلاح من الداخل ، یرقع ویُرمم ، یحاور القدیم وقواه المقاومة للتغییر، یتفاوض معها تارةً ویصارعها تارةً أخری ، یخوض نضاله معها وضدها بنفس أدواتها ولکن بعد إعادة تأهیلها وبلورتها ، وصیاغتها بما یحقق له فضح هذه القوی التی تدافع عن مصالحها حقیقةً ، و لیس عن معاني وقیم و رموز و تاریخ و عادات و تقالید کما تبدو و تدعِّي ، و بما یحقق له أیضاً تأکید أصالة طرحه و مشروعیة أهدافه المعبرة عن مصالح و آمال و تطلعات جمیع الفئات الإجتماعیة . یجب قراءة الظروف المحیطة بهذه الذات و الوعي بالأخطار المهددة لکینونتها و دیمومتها ، للتمکن من الدفاع عن کیانها و هویتها ، و تهیئة أسباب حمایتها و استغلال السبل الکفیلة بحفظها و استمرارها . و کما یقول الدکتور محمد جابرالأنصاري: ( إن النهضات الحقیقیة في حیاة الأمم لا تبدأ إلا بثورة معرفیة علمیةٍ موجهةٍ – قبل کل شيء – إلی فهم الذات ” الذات الجماعیة للأمة ” و إعادة اکتشافها و نقدها . و إذا کانت معرفة الذات في تاریخ الوعي الإنساني قد بدأت بالقاعدة الذهبیة ” إعرف نفسک ” فإنها قاعدةٌ تنطبق علی الأمم إنطباقها علی الأفراد ، و خاصةً تلک الأمم التي تعاني صعوبة التصالح مع النفس و النفاذ إلی حقیقتها )3 .

علی ضوء ذلک و بناءً علی معطیاته یتوجب علینا النظر و التفکیرفي المسألة القبلیة . یجب علینا أن نبحث في ما لها و ما علیها ، في ارتباطها مع المسائل الأخری ، في عوامل استمرارها و مُعَوِقات تجاوزها ، في الوظیفة المنوطة بها و الدور المُعَوَّلِ علیها خلال المرحلة الراهنة من تاریخنا ، في کیفیة استثمارها و التقلیل قدر الإمکان من انعکاساتها السلبیة ، في کیفیة تجاوزها إلی المدنیة الحقة المترسخة بفکر و سلوک الأفراد ، و المتجسدة بثقافة و قیم و قوانین المجتمع .

 فالقبیلة کما هو معروف ، نظامٌ منشأه التاریخي صراع الإنسان من أجل البقاء ، دفع به إلی الإنتظام علی شکل جماعاتٍ و تکوین مجموعاتٍ آمنةٍ تستطیع تلبیة حاجاته الوجودیة في المعاش و الحمایة . فهي نظامٌ إجتماعيٌ و ثقافيٌ نشأ لضرورة معاشیةٍ و بیئیةٍ ینظم علاقات الجماعة القبلیة و یعقلنها و یبلور عقیدتها الإجتماعیة المکونة لأواصر لحمتها و نسیج ترابطها و تضامنها و یوجه سلوک أفرادها و یشکل مرجعیتهم القیمیة التي یتعرفون من خلالها إلی أنفسهم و ینظرون عبرها إلی العالم ، و یضمن بالدرجة نفسها تنظیم معاشهم و یکفل شرط تواجدهم و حمایتهم ، و یُوَفِّرُ لهم المعاني و الرموز التي تُشبعُ حاجة الإنسان النفسیة إلی إحساسه بقیمة ذاته و وجوده ، و حاجته کذلک إلی الشعور بالإنتماء . الإنتماء إلی جماعةٍ تنبثق عنها هویته و یعود إلیها تاریخه و تتشکل منها تربة جذوره و منبة أصوله ، یحتمي بها و یتوجه بالولاء نحوها و یضحي من أجلها .  بهذا المعنی فهي نظامٌ لمجتمع ما قبل الدولة ، مجتمعٌ کان یکفل لأفراده سبل العیش و یحقق لهم الحمایة و الهویة و الإنتماء ، و یعبر عن ثقافتهم و یجسد منظومتهم القیمیة و الأخلاقیة ، الأمر الذي تکفلت به الدولة لاحقاً بعد ظهورها عبر مسیرتها التاریخیة الطویلة ، إذ أن ظهورها کان یعنی الإنتقال من مجتمع القبیلة إلی مجتمع المدینة و إعادة صیاغة العقیدة الإجتماعیة الموجهة لبنیة المجتمع و تحویله الرابط الذي یجمع فیما بین الأفراد من رابطٍ یعتمد القرابة المباشرة و وحدة الدم و النسب أساساً ، إلی رابطٍ یقوم علی أساس الإنتماء إلی المدینة و الدولة ، و إلی جماعةٍ أکبر تتمثل بالشعب ذي الأصل الواحد المشترک أو ما یعتقد علی أنه کذلک علی صعید وعي أفراده .

و لقد ظلت الجماعات الإنسانیة علی مدی تاریخ البشریة تعید صیاغة علاقاتها و وجودها ، و بناء تشکیلاتها و تجمعاتها کلّما تعرضت لمخاطر تهدد وجودها المادي و المعنوي . فالملاحظ في تاریخ الدول أن الشعوب دائماً ما کانت تعید بنینة تکتلاتها من خلال عملیةٍ نکوصیةٍ تتخذ من اللجوء إلی التمحور حول الذات و الإنغلاق علیها قاعدةً لاستعادة أنماط تجمعاتها العصبویة الأولی الضیقة ، و التحصن فیها کآلیةٍ للدفاع عن الوجود ، متخذةً هیئاتٍ تکون علیها ترتبط تارخیاً بجذورها و أصولها ، و یستوي في ذلک مضمون بواعث تجمعاتها إن بدت علی هیئة روابط قبلیة أو طائفیة أو عرقیة ، حیث أن المهم هو ما تؤدیه من دورٍ عُصبَوِيٍ أُستُدعِیَت من أجله . و یحدث ذلک کلما لاقت الدول مصیر التفکک و الإنهیار ، أو کلما واجهت تصدعاتٍ عنیفةٍ تفقدها القدرة علی القیام بدورها في تحقیق الأمن و الحمایة و المعاش ، أو عندما تفقد ثقة شعوبها بالحالة التي تصبح عندها غیر قادرةٍ علی تمثیل ذلک الصمام الذي ینظم وجودهم و یمدهم بإحساس الطمأنینة و الشعور بالأمان نتیجة ظروفٍ سیاسیةٍ أو اقتصادیةٍ أو اجتماعیة ، أو نتیجة ممارساتٍ سیاسیةٍ خاطئةٍ علی صعید نظام الحکم و ممارسة السلطة ، و کذلک نتیجةً لثقافةٍ تمییزیةٍ سائدةٍ تقوم علی تمییز عرقٍ أو طائفةٍ أو طبقةٍ أو فئةٍ علی حساب أخری .

و حیث أن مطلب الطمأنینة و الحمایة و الأمان هو مطلبٌ للإنسان قائمٌ دوماً باعتباره جزءً من شرطه الوجودي ، فإن العودة إلی أشکال تجمعاته العصبویة الأولی یظل قائماً کذلک کلما استدعته الظروف . إد أن هذه الأنماط العصبویة لا تختفي تماماً و لکنها تأخذ مکاناً لها بین ثنایا اللاشعور الجمعي ، فتضمرو تکمن لدرجةٍ یمکن الإعتقاد معها في مرحلةٍ ما بأنها انتهت و غادرت مصبحةً جزءً من الماضي ، إلا أنها تنبعث مجدداً و تظهر فجأةً و علی غفلةٍ من الفکر حالما تنشأ الظروف المناسبة لانطلاق عقالها و البیئة الملائمة لتواجدها واحتضانها ، بیئةٌ ینعدم فیها الأمان و تنفقد خلالها الثقة و الطمأنینة بالحاضروالمستقبل . و لعل هذا هو السبب الجوهري في بقاء النظام القبلي و کافة التجمعات العصبویة الأخری کإطارٍ لبنیة الصیغ العلائقیة في المجتمعات المتخلفة ، و هو ما یفسر استمرار النظام القبلي في مجتمعنا کنظامٍ تنتظم خلاله علاقات الأفراد ضمن إطاره ، و ینظم شؤونهم و یقدم لهم ما یحتاجون إلیه في حفظ توازنهم و تحقیق استمرارهم عبر استجابته لتلبیة أهم شرطٍ في ذلک و المتمثل بقدرته علی توفیر الحمایة و الطمأنینة لأفراده من جهة ، و الحفاظ علی هویتهم و تعزیز شعورهم بالإنتماء نحوها من جهةٍ أخری . و هذا بالتحدید ما جعل القبیلة محل استقطابٍ لانتماءاتهم و ولاءاتهم و إسقاطاتهم القیمیة و الرمزیة و اللاشعوریة ، بسبب حاجتهم إلی تحویلها لقیمةٍ علیا و رمزٍ قائمٍ بذاته یتناسب و حجم الدور الذي تقوم به في حیاتهم . و هذا ما یفسر ما نراه من مبالغةٍ في قیمة القبیلة داخل مجتمعنا لدرجةٍ تصل إلی حد التماهی المطلق مع التاریخ و الهویة و المعتقد حتی أن کل تلک الأمور تصبح متجسدةً في کیان القبیلة .

من هذا المنطلق لنا أن نتصور مدی صعوبة الإنطلاق من هکذا نظام في ظل هکذا وضعیة إلی نظام المجتمع المدیني ، و مدی حجم العمل المضني و مشقة الجهد الذي یجب بذله بصبرٍ و إصرارٍ و عزیمة ، و بفکرٍ یعي حقیقة المسألة و یعي کافة أبعادها . إن نظام القبیلة و القبلیة مستمرٌ في توجیه بوصلتنا المجتمعیة مادامت أسبابه الموضوعیة مستمرة ، و هو مستمرٌ مادمنا لا نملک آلیات تجاوزه في المرحلة الراهنة و إقامة البدیل المدیني محله ، و علی هذا الأساس یجب النظر إلیه و التعامل معه من خلال نقده من الداخل لا من خلال رفضه رفضاً مطلقاً4 ، آخذین بعین الإعتبار دوره الحالي الحیوي و المؤثر في الحفاظ علی مقومات هویتنا . و في موازات عملیة النقد هذه لا بد من عملیة بناءٍ تکون في الإتجاه المقابل تتمحور حول بعث الوعي برابطةٍ أعم و أشمل توحد الطبیعة التشرذمیة للمجتمع القبلي و تجمع شتاته ضمن وعيٍ واحد ، و تحول ولاء الأفراد و انتماءاتهم و توجهها إلی ما یجمعهم من لغةٍ و ثقافةٍ و تاریخٍ و مصیرٍ واحدٍ مشترک ، لتحل محل الرابطة القبلیة و تقوم بدورها ، لیس کأبناءٍ لقبائل متعددة و إنما کأبناءٍ لشعبٍ واحد . عند إذن یمکننا التخلص من عقدة الفشل في العمل الجماعي کلما أردنا القیام بعملٍ مشترکٍ سرعان ما یتحطم أمام صخرة الفرز القبلي و المناطقي ، و عند إذن یمکننا إنشاء مؤسساتٍ مدینیةٍ تحل محل البنیات القبلیة التقلیدیة السائدة في العمل الإجتماعي و الثقافي ، و عند إذن یمکن أن یتقبل بعضنا البعض مهما کان التباین فی الرؤی و الأفکار و التوجهات ، و عند إذن یمکن لنا أن نتعلم کیف نتحاور و نتناقش و کیف نختلف و کیف نُدیر اختلافاتنا و کیف نحول دون تحولها إلی خلافاتٍ فیما بیننا .

لقد کنا ننظر إلی القبیلة علی أنها سبب تخلفنا مُتوهمین بأن تقدمنا مرهونٌ بالتخلص منها و الإنعتاق من أسرها ، في دلالةٍ واضحةٍ علی أن نظرةٍ کهذه ما هي إلا امتدادٌ لبنیةٍ ذهنیةٍ مازالت قائمةً منذ انطلاق مشروع النهضة العربیة منتصف القرن التاسع عشر عندما کان التیار التقلیدي المحافظ یعلل سبب تخلف العرب و المسلمین بابتعادهم عن تعالیم الإسلام و قیمه و مبادئه ، لیأتي قاسم أمین فیما بعد و یعید ترکیب المعادلة و یغیر من زاویة الرؤیة بقوله أن ابتعاد العرب و المسلمین عن القیم الإسلامیة ناشیءٌ بالأحری عن جهلهم و تخلفهم5 . و الیوم و بعد أکثر من قرنٍ و نصف من الزمان ، و علی الرغم من أن کل شیءٍ من حولنا قد تغیر إلا أننا لم ننفک نقیس الأمور بذات المنطق و نظن بأن سبب تخلفنا یعود إلی القبلیة و یکمن في مسألتها ، و في ذلک ما یجسد جسامة الأزمة و یلخصها .

إن استمرار قبلیتنا هو نتیجةٌ لتخلفنا الحضاري و جهلنا العلمي و المعرفي و الدیني و لیس العکس ، و تحمیل القبلیة کل مشاکلنا و أخطائنا و کأنها معضلتنا الوحیدة ، أو کأنها علة العلل هو أمرٌ یتجاهل و لا شک حقیقة الواقع ، و ینزلق إلی أخطاءٍ منهجیةٍ و معرفیةٍ عدة ، و یصدر عن تفکیرٍ ذرائعيٍ إختزاليٍ إسقاطيٍ یبحث عن ذریعةٍ یعلق علیها فشله و یختزل بها إشکالیته و یسقط علیها إخفاقاته و عقده و یهرب بواسطتها من واقعه ، و ما یثیر الدهشة حقاً أن کل ذلک یبرر باسم الواقعیة و البراغماتیة ، في دلالةٍ صارخةٍ علی عمق أزمة المفاهیم التي نعاني منها ، إذ تتحول الواقعیة بالإضافة إلی البراغماتیة تحت ضغط هذه الأزمة و في ظل هذا الفهم الخاطیء لها إلی وسیلةٍ لتبریر مواقف سلبیة و سلوکیاتٍ إنهزامیةٍ و و أفکارٍ تلفیقیة . و لنا أن نتساءل في هذا السیاق عن معنی الواقعیة و مفهومها ؟ هل أنها تعني الإستسلام للواقع و الرضوخ له ؟! هل تعني عطالة التفکیر و تحکم الواقع به ؟! هل ینبغي علینا لکي نکون واقعیین أن نفقد زمام المبادرة کلیاً بالدرجة التي تجعلنا نضحي معها بقیمنا و نتراجع عندها عن ثوابتنا ؟! هل تعني الواقعیة إسقاط الحاضر علی الماضي و تعمیم الواقع الآني المرحلي علی المستقبل من أجل إقناع الذات أولاً بقبول هذا الواقع کحقیقةٍ تاریخیةٍ و من ثم الخروج من مأزق اختلال التوازن النفسي و الوجودي الذي یفرضه واقعٌ فقدنا السیطرة علیه مرحلیاً ، و بالتالي تحقیق نوعٍ من الإعتبار الذاتي من خلال إیهام الذات بأنها جزءٌ من هذا الواقع ، و أن نجاح استمرارها یکمن في مدی قدرتها علی التکیف معه و الإنصهار في بوتقته ؟! هل تعني الواقعیة أیضاً تجاهل الحقائق التاریخیة و الظروف الموضوعیة التي أفضت إلی تبلور هذا الواقع بالصورة التي هو علیها ؟! ثم هل أن هذا الواقع حقیقةٌ ثابتةٌ غیر قابلةٍ للتغییر و التبدیل ؟!

و ذلک ما ینطبق علی البراغماتیة أیضاً ، فالبراغماتیة شیء و العجز و النکوص و القصور شیء آخر ، البراغماتیة شیء و الإنتهازیة شیءٌ آخر . إن ما یدور حالیاً باسم البراغماتیة هو أبعد ما یکون عنها ، إنها فی حقیقة الأمر سطحیة الأفکار و ضیق الآفاق و انحسار الرؤی و عبثیة المواقف و التوجهات ، فالبراغماتیة تهدف إلی سلوک أحسن الخیارات و اتخاذ أفضل المواقف الممکنة التي یتیحها الواقع بشکلٍ عام بمنتهی الدقة و المرونة و الإنسیابیة لتحقیق أکبر قدرٍ ممکنٍ من المکاسب المستقبلیة ، و تلافي أکبر قدرٍ ممکنٍ من الخسائر ، لغایةٍ ترمي إلی خدمة و تحقیق الأهداف و المشاریع الإستراتیجیة ، دون أن یعني ذلک التضحیة بالمبادیء الکبری و القیم الأساسیة . إنها تعني التعامل مع الواقع بواقعیة من أجل تغییر الواقع و الحفاظ علی الذات و تنمیتها ، و لیس من أجل الإستسلام له و الإستلاب ضمنه ، ما یؤدي إلی خسارة الذات ، و هي خسارة لا یقبل العقل الناقد إلا أن یکشف الغطاء عن حقیقتها و یسلط الضوء علیها و یعمل فیها مبضع والتشریح و التحلیل لکي یجردها من کل أداةٍ تستخدم في تجمیلها و إظهارها بصورةٍ مغایرةٍ لطبیعتها و حقیقتها .

المسألةالقبلية و إشكالية التخلف في المجتمع الأهوازي[2]

 ( الجزء و الکل )

خالد الکعبی -موقع بروال الاهواز

بعد هذا الإستطراد الذي لم یکن منه بدٌ أمام الإستخدام المبتذل لمفهومي الواقعیة و البراغماتیة نعود ” و بنظرةٍ واقعیةٍ موضوعیةٍ تهدف إلی تحلیل هذا الواقع و فهمه و من ثم استغلال معطیاته و تسخیرها من أجل تغییره لا من أجل تبریره و ترسیخه و التأقلم معه کما هو حال الکثیرین من الإتهزامیین و الإنتهازیین ” فنقول … إن واقعنا المجتمعي یؤکد بکل تفاصیله و حیثیاته أن القبیلة ما هي إلا جزءٌ من بنیةٍ ثقافیةٍ یسيطر علیها الفکر الأسطوري و ترتع فیه الخرافة و تعاني من أزمةٍ قیمیةٍ و أخلاقيةٍ حادة . إن جُلَّ مشاکلنا تجد أصولها و جذورها في بنیتنا الثقافیة هذه التي توقفت عن النمو و الحرکة و الإبداع منذ أمدٍ بعید ، بسبب انغلاقها علی التقلید و تثبیطها لدور العقل الفاحص الناقد المحلل ، باسم الدین تارةً و باسم العادات و التقالید تارةً أخری ، و باسم الأصالة و التراث ثالثة ، فغابت عنّا تبعاً لذلک الأسئلة المحفزة للعقل و نشاطه و سقطت من ذاکرتنا أدوات الإستفهام “کیف” و “لماذا” اللتان تتقصیان السبب و تبحثان في العلة ، فتجمد العقل و تعطل الفکر ، و سادت العصبیة بجهالتها و ظلمتها ، و استعمر منطقها اللاعقلاني کل حیز و علا صوتها کل صوت ، و استوطنت زوایا کل مشهد و صورة ، و غدی من تحصیل الحاصل أن یسیر المجتمع في تفکیره و سلوکه و منطلقه وفقاً لمنطق العصبیة . العصبیة في کل شيء و لأي شیء ، إذ أنها تحولت لتصبح جزءً من بنیتنا اللاشعوریة ، کامنةٌ فینا توجه أفعالنا و سلوکیاتنا و تفکیرنا من حیث لا نشعر ، و سوف تظل کذلک ما لم نخرجها من مکمنها لنموضعها موضع الإحساس و الشعور حتی نتمکن من السیطرة علیها و التحکم فیها و الوصول بها إلی الدرجات الدنیا علی مستوی الفعالیة و التأثیر …

یُذکر أن أحد الصحابة الکرام سأل النبي (ص) قائلاً : ( أمن العصبیة أن یحب الرجل قومه ؟ ) فأجابه النبي (ص) بقوله : ( لا ، و لکن من العصبیة أن یعین الرجل قومه علی الظلم )6 .

ینطبق ذلک علی القبیلة و العشیرة و الأهل کما یمطبق علی المذاهب و الأفکار ، و هل القبلیة غیر العصبیة العمیاء لذوي القرابة و النسب ؟! و کذلک هي الطائفیة و الفئویة و المناطقیة . فلیست المشکلة في القبیلة بحد ذاتها بقدر ما هي تتعلق بنسقٍ ثقافيٍ عام یقوم علی العصبیة الجاهلیة المتجسدة بأنماطٍ مختلفةٍ عدیدة لیست القبیلة سوی صورةٍ واحدةٍ منها . و بهذا المعنی  نکون کلنا قبلیون ، کلٌ منا مسکونٌ بقبیلةٍ من نوعٍ ما ، حتی نحن الذین نجاهر في آرائنا تجاه القبیلة و نوجه لها سهام نقدنا باستمرار داعین إلی تجاوزها … لسنا براءٌ من ذلک ، فنحن قبلیون في تفکیرنا ، في آرائنا ، في توجهاتنا ، في تعاملاتنا ، في سلوکیاتنا ، في تحزباتنا … قبلیون في معتقداتنا .

إنها إزدواجیةً صارخةً تلک التي نحن علیها في الواقع ، وصراعٌ عنیفٌ یعصف بکیاننا و یخل بتوازننا نتیجة التناقض الرهیب بین ما نتعتقد و ما نطبق … بین أفکارنا و سلوکیاتنا …  بین أقوالنا و أفعالنا ، فلا الأفکار تعبر عنها السلوکیات و لا الأقوال تترجمها الأفعال ، لذلک غدت هذه الإزدواحیة سمةً من سمات شخصیتنا المجتمعیة بعد أن انطبعنا بطابعها … و هذا وجهٌ آخر یعکس عمق أزمتنا و مدی تعقیداتها .

إن أزمتنا أکبر کثیراً من إمکانیة إختزالها في بعدٍ واحد ، و اختصارها من ثم في مشکلة القبیلة و عاداتها و أعرافها التي خفت حدتها بشکلٍ ملحوظ ، و تقلص تأثیر قسمٍ کبیرٍ منها متحولاً إلی مجرد إرهاصاتٍ باهتةٍ لها في طریقها إلی الزوال ، و یسیر ما تبقی منها في نفس الإتجاه بسبب تجمع عدة عوامل تظافرت في مجموعها و تکاملت مؤدیةً إلی هذا التحول المشهود ، أهمها انتشار التعلیم بکافة مستویاته و الإقبال الملحوظ علیه من قبل مختلف الشرائح و الفئات الإجتماعیة بشکلٍ أکبر مما کان علیه فیما مضی ، إضافةً إلی الثورة المعرفیة و التقنیة التي فتحت صفحةً جدیدةً في التاریخ بدخوله عصر الفضائات المفتوحة ، الأمر الذي ترک بصماتٍ واضحةٍ علینا بإدخاله مفاهیم جدیدةٍ علی ثقافتنا ، و کشفه الغطاء عن تخلف الکثیر من مفاهیمنا التقلیدیة القائمة ، مما أحدث خلخلةً عمیقةً في بنیتها ساهمت إلی حدٍ لا یمکن تجاهله في تغییر النظرة إلیها و تعطیل دورها و تبیان بطلانها . بالإضافة إلی أن طبیعة الوضع الإقتصادي القائم و التغیر الحاصل في أسالیب الإنتاج و التحول الناشیء عنه في شکل العلاقات الإنتاجیة و بالتالي في منظومة البنیة العلائقیة للمجتمع ، کل ذلک أثر بصورةٍ لا یستهان بها في هذه الناحیة ، فکان أحد أهم الأسباب الکامنة خلف انحسار بعض العادات و القیم القبلیة .

من ناحیةٍ أخری فإن شیخ القبیلة بوصفه رمزاً من رموز القبیلة لم یعد یلعب ذلک الدور الذي کان له من خلال ما حظي به من سلطةٍ طال ما أساء استخدامها و کثیراً ما سخَّرها لخدمة مصالحه الضیقة و منافعه الشخصیة التي کانت محرکاً مهماً لمعظم النزاعات و الصراعات القبلیة ، فسلطته لم تعد أکثر من سلطةٍ رمزیةٍ لا أکثر ، کما أن مکانته أصبحت تتعلق بانتسابه لماضٍ هو مدعاة فخره الوحید ، و أکثر من ذلک أنها تتعلق بمدی سعیه في خدمة مصالح أهله و عشیرته ، فلقد غدی الیوم خادماً لهم بعد أن کان مخدوماً من قبلهم .

کذلک الأمر بالنسبة لرمزٍ آخر فقد مکانته و سقط من علیائه ألا و هو بیرق القبیلة . البیرق الذي لم یعد أکثر من قطعة قماشٍ ترفع فوق نعوش الأموات ، و في مواکب تشییع الجنازات و مجالس التأبین و العزاء کمظهرٍ من مظاهر النزوع نحو إثبات الهویة و الشعور بالإنتماء و طمأنة الذات الباحثة عن الأمان تحت ظل جماعةٍ تحتمي بها و تلجأ إلیها ، لتجد ضالتها في کیان القبیلة التي تقدم کل ذلک لأفرادها .

ینطبق الأمر نفسه أیضاً علی عادة الثأر و العادات الأخری المتبعة في مجالس العزاء و التأبین ، و تلک المتبعة في بعض تقالید الزواج . کما ینطبق علی وضع المرأة و مکانتها في المجتمع التي تحسنت کثیراً عما کانت علیه في الماضي ، فصارت المرأًة تسیر بخطاً أکبر نحو التحرر من أغلال و قیود أسر القمع و القهر و الإضطهاد الذکوري الممارس ضدها و الذي ظل دوماً یسلبها کرامتها و یهدر إنسانیتها ،و أصبحت تملک شیءً من حقوقها و جزءً لا یستهان به من قرارها لا سیما في مسألة الزواج الذي کان عنوان قهرها و استغلالها ، و نتیجةً لذلک أصبح من الممکن أن نراها تقتحم میادین الحیاة العلمیة و العملیة بکل ثباتٍ و جرأةٍ و اقتدار ، و بتفوقٍ فاق کل التوقعات ، لذلک فإن الحدیث عن عادة “النهوة” و “زواج البدل” لم یعد حدیثاً ذو موضوعیة بعد انتقاله من مربع القاعدة العامة إلی مربع الأمور الشاذة عن القاعدة التي لا يعتد بها و لا یقاس علیها . إن هذا لا یعني أن تلک العادات قد اختفت کلیةً، و إنما یدل علی تقلصها و انحسارها بنسبةٍ کبیرةٍ لدرجة أنها لم تعد کما کانت علیه في السابق صالحةً لأن تکون مبرراً نلقي علیه عجزنا و نحمله تبعات فشلنا و نهرب به من استحقاقات مسؤولیاتنا ، الأمر الذي یجعل من إعادات طرحها المستمرة (کما هو حاصلٌ الأن) أمراً مکرراً مبتذلاً لا یقدم معرفةً و لا یؤسس حلولاً .

إن أزمتنا الحقیقیة أزمة قیمٍ و أخلاق ، أزمة مجتمعٍ یفتقد لمرجعیةٍ قیمیةٍ أخلاقیةٍ واضحةٍ و مؤثرة یستند إلیها ، بحیث تشکل الوازع الأخلاقي الداخلي للفرد ، توجه سلوکه و تنظم علاقاته مع الآخرین ، و تفرض علیه احترام حقوقهم و القیام بواجباتهم . إفتقادٌ تسبب في انحلالٍ قیميٍ و أخلاقيٍ و فوضی عارمةً نلاحظها في کل مشهدٍ من حیاتنا الیومیة و في کل زاویةٍ من زوایاها ، في شکل علاقاتنا.. في أنماط سلوکیاتنا.. في طرائق نظرتنا للأشیاء و تقییمنا لها و حکمنا علیها . ربما یعترض الکثیرون علی مثل هکذا طرح ، و یرون فیه نوعاً من التجني و صیغةً من صیغ جلد الذات المبالغ فیها ، لذلک نعتقد أن الضرورة تقتضي في سبیل التعرف علی ذاتنا أن نکون موضوعیین في نقدها و شفافین في طرحنا لهذا النقد ، من غیر أن نخشَ أو نتهیب من طرح أي سؤالٍ مهما کان قاسیاً علیها أو جارحاً لها ،و أن لا نخشَ کذلک من الإجابة علیه مهما کان الجواب محرجاً لنا إذا ما أردنا تحقیق معرفةٍ بها تمکننا من تحسس مکامن معوقات نهضتنا و فهم و إدراک أسباب انتکاساتنا و مآسینا .

بناءً علی ذلک لا بد من مواجهة سؤالٍ یلح في طرح نفسه علینا ، بید أننا کثیراً ما تجاهلنا التفکیر فیه ناهیک عن الإجابة علیه . سؤالٌ یمکن صیاغته علی النحو التالي :

ما هي مرجعیتنا القیمیة و الأخلاقیة المقومة لسلوکیاتنا و الموجهة لها ؟ ما هو شکلها ؟ ما هي طبیعتها ؟

علی عکس الإعتقاد السائد الذی یری بأن مرجعیتنا القیمیة الأخلاقیة هي مرجعیةٌ قبلیة ، نجد علی أرض الواقع المجتمعي ما یفند هذا الإعتقاد ، إذ لو کانت المرجعیة القبلیة هي المرجعیة السائدة  ، فأین القیم القبلیة العلیا التي اشتهرت بها ؟ أین هي مثلاً قیم المروءة و الشجاعة و العفة و الصدق و الوفاء ؟ أین هي نجدة المستغیث و نصرة المظلوم ؟ أین هو الترابط و التضامن القبلي الذي یجعل الفرد و القبیلة شيءً واحداً في کل الأحوال ، في الضراء کما السراء و في الأتراح قبل الأفراح ؟ فلو کانت القبلیة تشکل مرجعیتنا الأخلاقیة حقاً للمسنا قیمها و عشناها و انطلقنا من خلالها ، و لما اقتصر الأمر علی ظواهرها السلبیة فقط ، و المتجلیة بالعصبیة و ببعض الأعراف و التقالید البائدة البالیة . إنه لمن غیر المنطقي و المعقول أن یقتصر مفعول المرجعیة القبلیة علی المظاهر و السلوکیات السلبیة وحدها دونما القیم العلیا الضابطة لتلک المظاهر و الرادعة لها ، و المفارقة الملاحظة في هذا الصدد هي کون مجتمعنا مجتمعٌ قبليٌ إلا أنه علی الرغم من ذلک لا یخضع في معاییره و لا یستند في أحکامه إلی المرجعیة القبلیة    في قیمه و أخلاقه ، و لعل هذا هو سبب الإزدواجیة المسیطرة علیه ، و لعله هو أیضاً ما یفسر شخصیتنا الإزدواجیة التي تکشف عن نفسها عند أبسط تجربة تضع أقوالنا و شعاراتنا موضع الفعل و الإختبار .

ما هي إذن ؟ هل هي مرجعیةٌ إسلامیة ؟ هي بالتأکید لیست کذلک لأننا بمنتهی البساطة أبعد ما نکون عن أخلاق الإسلام السمحة و مبادئه النبیلة و قیمه الإنسانیة العظیمة ، و أبعد ما نکون عن روحه التي تتناقض مع کل ما هو سائدٌ و رائجٌ في مجتمعنا حالیاً . فالدین تم تحویله إلی سلعةٍ تباع و تشتری في مزادات المصالح و المکاسب ، و تم تطویعه لکي ینطق باسم غایاتٍ شخصیةٍ ضیقة و منافع فئویةٍ محدودة ، هذا الدین القَیِّم العظیم ، دین الأخلاق و القیم بکل معنی الکلمة ، الدین الذي بُعث نبیه لکي یتمم مکارم الأخلاق ، الدین الذي امتدح الله نبیه موجهاً له خطابه و لکل ذي لبٍ بصیر بقوله في محکم تنزیله : ( و إنک لعلی خلقٍ عظیم )7 ، هذا الدین قد تحول إلی جسدٍ بلا روح ، إلی عصبیة عمیاء یتناوب علیها في الحقیقة تیاراتًٌ تنطلق من أجنداتٍ خاصةٍ بها و تسعی إلی تحقیق مآربها متلبسةً بلبوس الدین و الدین منها براء، فحولته إلی مجرد شعائر تُقام لا ریب أن الله و هو الغني عن العالمین ، غنيٌ عنها إن کانت لا تهذب نفساً و لا تُقوِّم خُلُقا و لا تحق حقاً و لا تردع باطلاً و لا تحقق تعاوناً و تکافلاً و تضامناً و لا تنصر عدلاً و لا تدفع ظلماً .

و غنيٌ عن البیان القول أنها لیست مرجعیةٌ مدینیةٌ تلک التي توجه سلوکیاتنا و تؤطر معاییرنا بسبب طبیعة الترکیبة الإجتماعیة القبلیة ومنظومة العلاقات المرتبطة بها و الناشئة عنها ، فنحن نعیش المدنیة و نستخدم أدواتها و منتجاتها ، و ننعم باکتشافاتها و اختراعاتها ، لکننا مع ذلک لا نستطیع الزعم بأن مجتمعنا مجتمعٌ مدیني و أن قیمه هي التي توجهنا ، یتقدمها تفکک الروابط القبلیة و تحولها إلی رابطة الإنتماء إلی المجتمع المدیني الواحد . المجتمع المدیني الذي یشکل البوتقة الصاهرة لکل الإنتماءات و الولاءات ، و الذي یظهر فیه الإخلاص بالعمل و التفاني في أداء الواجب و احترام حقوق الآخرین کثقافةٍ عامة من صمیم ثقافة الفرد تنعکس علی سلوکه و تفکیره بحیث تتحول إلی وازعٍ یسبق وازع القانون . المجتمع المدیني الذي یتحول فیه العلم إلی قیمةٍ بحد ذاته و تسوده المساواة بین جمیع أفراده في الحقوق و الواجبات دونما تمییز من أي نوع کان ، فلا یظهر فیه التمایز إلا علی أساس العلم و الکفاءة و المقدرة ، لا علی أساس الإنتماء القبلي و النسب العائلي کما هو قائمٌ الآن ، و هذا ما قد یکون سبباً آخراً من أسباب الإزدواجیة البادیة علینا بسبب التوتر الذي یخلقه تجاور و تداخل نظامین إجتماعیین متناقضین لکلٍ منهما طبیعته الممیزة و بیئته الخاص8 . إن مفهومنا العام عن المدنیة مختزلٌ فی المنفعیة و المصالح المادیة و الأنانیة المفرطة والوصولیة المستعدة للتضحیة بأي شيء من أجل بلوغ أهدافها و غایاتها فی غیاب واضح لمفهوم التآزر الإجتماعي والشعور بالمصلحة العامة و العمل من أجلها، فکلُ یتدبر أمره کما یستطیع عند ما یغیب الإلتزام وتختلط المعاییر، لدرجة أن أخلاق النفاق والتملق والکذب و الغش و الخداع غدت أخلاقاً مألوفةً لایطالها الشجب و الإستنکار و لاتستدعی الخجل أو الإستنکاف طالما أنها تحقق المنافع وتلبی المصالح، فیما الأخلاق العظیمة و القیم الملهمة کالوفاء و الإخلاص و الصدق و الحب و الإیثار تحولت إلی طوباویة حالمة و رومانسیةٍ جمیلة تعود بذاکرتها لزمن ٍ  مر و انقضی والتمسک بها یعنی التعلق بأهداف الماضی المتخلف ، و السیر عکس اتجاه قطار العولمة المسرع الذی لایعرف سوی لغة المال و الأرقام کما یعتقد الکثیرون. و ما من شک في أن الخلط واضحٌ في رؤیةٍ کهذه لا تعي حقائق الواقع و التاریخ کما أنها لا تعي طبیعة الفوارق الصیروریة بین مجتمع و آخر ، و نتیجةً لذلک صرنا نجمع بین أسوء ما في النقیضین، بین أسوء ما في القبلیة و أُُسوء ما في المدنیة .

لا مرجیةً قیمیةً محددةً و واضحة المعالم إذن تقود المجتمع و توجهه و تحفظ له توازنه و تکون المعیار و الحکم لکل مستجداته و تفاعلات حرکة العلاقات المستمرة المکونة لنسیجه و ما یطرء علیها من ظواهر إجتماعیة متغیرة ، و تکون مصدر الضوابط الخلقیة الداخلیة عند الأفراد . إن عدم وجود هذه المرجعیة هو ما یقف خلف العدید من الظواهر السلبیة و العادات السیئة و السلوکیات المشینة التي نشاهدها و نکتوي بنارها کل یوم ، فیما نحن ننسبها بکل بساطةٍ إلی فزاعة القبلیة مجنبین أنفسنا عناء التفکیر و التحلیل و معتمدین علی تشخیصٍ سطحيٍ یعمم نظرته المجتزأة إلی الأمور و یحکم علی کل شيء من خلالها فلا یعد یری أکثر مما یظهر علی السطح، و تشخیصٌ مثل هذا لا یبدع حلولاً و لایؤسس بناءً و لا یرفع قواعداً بل علی العکس من ذلک تماماً ، یمعن في تعمیق الأزمة أکثرو تعقیدها أکثر و أکثر من حیث لا یحتسب ، فالعلاج الخاطئ دائماً ما یضاعف العلة و یزید من خطورتها . إن ما نحتاج إلیه و قبل کل شيء هو أن نبني أولاً ، أن نفکر في البناء لا الهدم ، فعملیة البناء دائماً ما تکون عملیةً شاقةً و صعبة ، من السهل أن نهدم و لکن لیس بنفس السهولة ممکن أن نبني ، و ما نرید بناءه لیس أي بناء ، إنه بناءٌ ثقافي و فکري و معرفي یعید الکرامة للذات الجریحة و الثقة بقدراتها و الأمل بمستقبلها ، بناءٌ یتطلع إلی تحقیق غدٍ أفضل یحفظ لنا مکاناً بین الأمم الحیة ، و من الطبیعي أن لا یجد بناءٌ کهذا المکان فارغاً یتبوأه کیفما شاء و أنّا شاء ، فالبنی الثقافیة القدیمة موجودةٌ تدافع عن مکتسباتها و هي لا تتخلَ عن مکانتها بسهولة ، لذلک فهي تحشد کل طاقاتها و تجند کافة إمکاناتها من أجل مقاومة الجدید بما یهدف إلیه من تجدید تعي تماماً أنه یطال کیانها و یهدد وجودها ، و علی هذا الأساس تخوض صراعها معه باعتباره صراع وجود . لقد کان الصراع بین القدیم و الجدید دوماً محرک الدینامیة الإجتماعیة و باعث تطورها ، لکن الإنتصار فیه لم یکن دوماً لصالح الجدید إذ دائماً ما کانت هزیمته تعني نکباتٍ و انتکاساتٍ تستمر آثارها لفترةٍ لیست بالقصیرة ، مما یزید من صعوبة المهمة و مشقة البناء ، بناءٌ لا یتم عبر الکلام أو مجرد الدعوی و الإدعاء ، بل إنه لا بد من مجهودٍ فکريٍ حقیقيٍ یقوم به مثقفون مؤمنون حق الإیمان بالأفکار التي یتبنونها و بالقضایا التي یدافعون عنها ، و أیضاً یتحملون التضحیات الضروریة و الأثمان التي یجب أن تدفع في سبیلها9 .

و لکن ما هو سبب أو أسباب إفتقاد مجتمعنا لمرجعیةٍ قیمیةٍ أخلاقیة واضحة و مؤثرة ؟ لماذا هذا الإنزیاح الدلالي في المفاهیم القیمیة و الأخلاقیة الملاحظ من خلال السلوکیات الفردیة و الجماعیة ، و الذي حولها في الواقع إلی فوضی في المفاهیم و أزمةٍ في القیم ؟ ثم من أین یکتسب کل ذلک معقولیته ؟ و کیف استطاع أن یفرض منطقه و یعقلن تجلیاته ؟

أسئلةٌ تطرق عقولنا کنتیجةٍ منطقیةٍ لما ذهبنا إلیه ، و الإجابة علیه تتطلب قولاً آخر یسبر غورها و یقسم عناصرها ، غیر أن المقام لا یسعنا إلا أن نرحلها إلی مقالٍ آخر، ذلک أن لکل مقامٍ مقال  و مقامنا هنا توقف عند طرح التفکیر في هذه التساؤلات .

و بعد … قد یتفق البعض مع ما ورد في هذا الموضوع من أفکارٍ و آراء ، و قد یختلف معها البعض الآخر إلا أنها لا تعدو في النهایة من کونها وجهة نظر لا تهدف إلی فرض وصایتها علی الآراء الأخری و لا تدعي لنفسها الصواب و امتلاک الحقیقة ، و إنما تعي ملیاً أنها جزءٌ من الحوار القائم حول الموضوع ، کما تدرک جیداً حضور الخطابات الأخری في خطابها . و ما تسعی إلیه هو توسیع أفق الرؤیة حوله و النظر إلیه من زوایا أخری ربما کانت غائبةً أو ربما لم تکن تلقی الإهتمام اللازم و العنایة المطلوبة ، وذلک من أجل تفعیل الحوار و تثمیره أکثر ، و تعدیل بوصلته لتشمل جمیع الإتجاهات . فلا بد لنا من التحوار و لکن شریطة أن لا یتحول حوارنا إلی جدالٍ لا هم له سوی إثبات صحة آراءٍ مسبقة ، و الصدور عن مسلماتٍ لیست مثبتةٌ إلا في تصورات و أذهان أصحابها ، و لا بأس بعد ذلک من أن نختلف ، فالإختلاف في وجهات النظر أحد عوامل تحریک العقل و تنشیط الفکر و هو مختبر الأفکار و الآراء . و لکن مع الحرص علی عدم تحول ما نختلف فیه و حوله إلی خلافٍ یعطل و یعیق ما نتفق معه و نجتمع علیه ، لا بد أن نجید إدارة إختلافاتنا و لا بد کذلک من أن نجید استثمار اتفاقاتنا ، ففي النهایة لا یبقی إلا ما ینفع الناس ، و الله تبارک و تعالی یقول في کتابه الکریم :

( فأما الزبد فیذهب جفاء و أما ما ینفع الناس فیمکث في الأرض )10

فلیکن ما ینفع الناس جزءً من ثقافتنا و قیمةً من قیمنا ، و لنحرص علی أن یکون مصدر إلهاماتنا و إبداعاتنا في سائر أعمالنا و مختلف أهدافنا .

المصادر :

1/  د. محمد عابد الجابري – نحن و التراث – المرکز الثقافي العربي .

2/ د. محمد عابد الجابري – نحن و التراث – المرکز الثقافي العربي .

3 / د. محمد جابر الأنصاري – تکوین العرب السیاسي و مغزی الدولة القطریة –

مرکز دراسات الوحدة العربیة .

4/ یقول د. محمد عابد الجابري : ( إن تطویر العقل أو الفکر العربي أو تجدیده أو تکسیر بنیة الفکر القدیم یجب أن یتم من خلال ممارسة هذا الفکر القدیم نفسه من خلال العیش معه ، من خلال نقده من الداخل ، من خلال التعامل معه لا من خلال رفضه رفضاً مطلقاً )

د. محمد عابد الجابري – التراث و الحداثة – مرکز دراسات الوحدة العربیة .

5/ د. نصر حامد أبو زید – دوائر الخوف (قراءة في خطاب المرأة) – المرکز الثقافي العربي .

6/ سنن ابن ماجة – تحقیق محمد مصطفی الأعظمي – شرکة المطبوعات المحدودة .

7/ القرآن الکریم – سورة القلم – الآیة 4

8/  د. علي الوردي  – دراسة في طبیعة المجتمع العراقي –

9/ د. محمد عابد الجابري – في نقد الحاجة إلی الإصلاح – مرکز دراسات الوحدة العربیة .

10/ القرآن الکریم – سورة الرعد – الآیة 17-

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑