هنالك دواع عديدة من التجارب الادبية التي تفجرت بها مهج بركانية هائجة والتي لم تخمد بعد منذ القديم الغابر كفيلة ببزوغ فجر ادبي علي هذه الارض، فقد خصبت هذه التجارب صعيداً فعالاً في جهوزية كبيرة و جادة، للإنماء الذاتي لدي عرب الاهواز كي يطوون مسافات سحيقة في الادب.
لاغرو ان ما يحدث للادب العربي من تطورات و انعطافات فقد ينطلي علي ادبنا ايضاً فهو الادب العربي الذي واصل مسيرته الطويلة مع مميزات كل حقبة منتاريخ الأدب بشكل عام دون ان يتجاهل معطياته الفنية و الثقافية حتي تفرد بنكهة شعرية اهوازية عابقة. ..
من تلك التطورات هي عملية الاقتضاب التي اشتهر بها العرب دون غيرهم في مختلف شئون الادب و فنونه في فترة رامت الطبقة الفاعلة منهم ان يوثقوا احمال و اعباء ثقافتهم علي صهوات خيولهم تتنقل بهم من واد الي واد و من واحة الي واحة لاغراض اما سياسية و اما اقتصادية او غيرهما، طبيعة فرضت عليهم نفسها بالقسر و العنوة و عاشوها و الفوها بشدة فاصبح شاعرهم يغريك بحلاوة شعره و يستدرجك شيئا فشيئا حتي يكمل علي مستمعيه قصيدة ما طولها الـ 100 بيت او ما يربو علي ذلك متبعا حيلة الاقتضاب فنجد هذا الابتكار جليا في جل المعلقات او القصائد الفصيحة آنذاك فقد تجد الشاعر يرسم صورة ذات معني حكمي او اخلاقي او ما شابهه و ينهيها في آخر البيت، و لما يدخل فناء البيت التالي يرسم صورة اخري و هكذا.. و في الحقيقة يمكننا القول انكل بيت من القصيدة بامكانه ان يصبح قصيدة مستثناة بنفسها و علي هذا الغرار ثمة ابيات اشتهرت دونما يلحظ سابقها بلاحقها فمثلاً قول المتنبي حيث قال:
أنَا الذي نَظـر الأعمـى إلى أدبـي
وَأسْمَعَتْ كَلِماتـي مَن بـهِ صمـمُ
فيستشعر احدنا ان المتنبي لم يزد علي اكثر من هذين الشطرين الا ان البيت هو في الواقع من قصيدة طويلة ناتي ببيتين وقعا قبله و هما:
وَمَا انْتِفَـاعُ أخـي الدّنْيَـا بِنَاظِـرِهِ إذا اسْتَوَتْ عِنْـدَهُ الأنْـوارُ وَالظُّلَـمُ
سَيعْلَمُ الجَمعُ مـمّنْ ضَـمّ مَجلِسُنـا بأنّني خَيـرُ مَنْ تَسْعَـى بـهِ قَـدَمُ
و كما نري فان الامر ينسحب علي هذين البيتين ايضاً.
و اليك من احمد شوقي بك مثالاً:
نظرة فابتسامة فسلامٌ فكلامٌ فموعدٌ فلاقاءُ
وقبله :
خدعوها بقولهم حسناءُ والغواني يغرهن الثناءُ
أتراها تناسب اسمي لما كثرت في غرامها الأسماءُ
إن رأتني تميل عني كأن لم تك بيني وبينها أشياءُ
نري الاقتصار و الاقتضاب في هذه النماذج بوضوح تام مما يدل علي انتهاج العرب و انكفائهم علي الاسقاط اللفظي و الامتاع المعنوي المكثف.
اما ما نلتمس لعرب الاهواز من هذه النزعة الادبية الشاملة هو تولعهم بالبيت الابوذية (و ربما ابداعهم له) و اخري صنوف الشعر التي تخامرها قضايا الاختصار بشدة كالميمر و الموال و غيرها مبتعدين عن القصيدة لطولها لامحالة.
و من الطريف ذكره ان اقصر ما يمكن للشاعر من التاليف هو تاليف ابيات الدارمي التي تغنو بها بشكل كثيف ما يعني اننا نتمتع من ثقافة خاصة تحكم فينا روح الاختصار و الاقتضاب. و الصدد من اثارة هذا البحث هو القول بان القصة القصيرة جداً و التي يعبر عنها بالـ(ق ق ج) لم يكن غريبا علي اهل هذا الاقليم اصلاً بل هي اكثر ما ينسجم معه الاهوازي دون غيرها من صنوف الادب حتماً.
خصوصاً اذا ما وجدنا ان القصة القصيرة جداً تترنح بين حدود الشعر و الحكاية تكاد تكون شعرا نثراً حديثاً فلولا اوزان الابيات في الادب الفصيح خصوصاً القديم منه و لولا عدم الحكائية فيها لكانت القصيدة تتالف من قصص قصيرة جداً.
يقول أوجين يونسكو: (كل أدب جديد هو عدائي! العدائية تمتزج بالأصالة! وهي تقلق ما اعتاد عليه الناس من أفكار) و القصة القصيرة جدا ان صرفنا النظرعن انساجمها مع ثقافتنا الادبية و النزعة النفسية الشاعرية الخاصة و التي تمت الاشارة اليها قبل قليل لا يمكن ان تتوقف عجلاتها بدعوي انها فن مستحدث او مستورد و علي ضوء هذه الميزات الفريدة اعتقد ان هذه الهواجس و التخوف الزائد عن حدوده لا يشكل اي تهديد في سير و انتشار فن الـ(ق ق ج) في هذه الربوع ان شاء الله.
المصدر:موقع بروال الاهواز
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.