أهل الريف/تأليف الاستاذ جمعة عيسى الطرفي

تأليف الاستاذ جمعة عيسى الطرفي

نستعرض هذا الحدث الذي وقع في عهد قديم وكان قد حصل في بعض الاجزاء الريفية الجنوبية وهو

ان ( شابة ) ريفية ظريفة كانت قد احبت شابا ريفيا من ابناء منطقتها لغرض الزواج منه ، لكن عشيرتها واشقاءها رفضوا زواجها منه ، وبعد ان علمت مؤخرا بعدم رغبة اهلها به ، اشتد غضبها وجزعها لما عرفته من اهلها وعشيرتها برفضهم عشيقها هذا ، ثم طلبت منه فيما بعد تدبير خطة للهرب بها الى مكان مجهول يبعدها عن محل سكناها الحالي لكي يتزوج منها هناك ..وبعد ان تم الاتفاق على الموعد المذكور في المكان والزمان المعنيين ، وفي الموعد المحدد سارعت الى المكان المطلوب غير ان عشيقها اخلف في الموعد المقرر ، واصبحت في حيرة من امرها في ذلك المكان النائي ، ثم خطر ببالها انه اوعد واخلف ، وعلمت فيما بعد انه تنكر لها ، وقررت بانها لم تعد بحاجة اليه ، وفي هذه الحالة المحرجة في وسط المنطقة الزراعية النائية ظهر هنالك شاب يروم الذهاب الى بعض الاماكن ، فاهتدى بصره اليها ، ولدى وصوله اليها اخذ يلح عليها لمعرفة سبب مجيئها الى هذا المكان النائي الذي لم تصل اليه اية شابة ، وبعد ان عرضت عليه قصتها كاملة ، وتحت وطأة الظروف المحرجة عرض عليها في الحال بان يكون بديلا لعشيقها الذي خذلها بسبب تخلفه ، ثم اكد لها بانه يكون موضع ثقتها ويجعلها زوجة له في مكان اخر ، وتحت وطأة الظروف المعروفة بالرغبات والياس قبلت بذلك العرض لكونها اصبحت محرجة ، وكرد فعل واتقاما من عشيقها ، وبينما هما سائرين في تلك المنطقة النائية ، اهتدى نظرها الى رجلين كانا مسرعين نحوهما وعلمت انهما شقيقاها لا محالة ، ثم اسرعت هي وذلك الشاب نحو رجلين يحرثان الارض وطلبا منهما النجدة ، وفجأة وصل شقيقاها ونظرا اليها مع ذلك الشاب الذي ليست لديهما اية معرفة سابقة به لانه ليس من منطقتهما ، وبعد لحظات استقر رأيهما بطلب عودتها معهما وصرخت بصوت عال بطلب النجدة مرة ثانية واخيرا اراد شقيقاها استخدام قوتهما ضد جميع الاشخاص الذين ساهموا بعدم موافقتهم على اعطاء( الدخيل ) في نظام العرف القبلي ، وحصلت معركة ضارية جرح على اثرها شقيقها الاكبر بجروح بالغة وانهزم الاخر ، كما جرح الرجلان اللذان كانا يحرثان الارض واللذان احتمت بهما هذه البنت ، واخيرا تمكن هو وتلك الشابة من الذهاب الى مكان ناء يقع في وسط الاهوار بعد ان اصبحا ضيفين لدى بعض الاشخاص الموجودين هناك وضلت هي وذلك الشاب هناك ، اي لدى رجل البو غنام في منطقة الاهوار وحلا ضيفين لديه .

وبعد ان علم مضيفهما بقضيتهما وجميع الملابسات التي حصلت في طريقهما اخبرهما انهما سيكونان في مامن هنا وانهم سيصبحان معززين مكرمين في هذا المكان فضلا عن كون اهلهما وعشيرتهما اصبحوا مشغولين في موضوع هروبهما والحادث الذي سبب جرح احد اشقائها وعدم معرفتهم بمكان ابنتهم وما حل بها .

وعلى كل حال فانهما اصبحا معززين مكرمين لدى رجل البو غنام وكانت توجد في داره شقيقته البكر ووالدته المسنة ، وبعد مكوثها عدة اشهر طلب الشاب من رجل البو غنام موافقة على ذهاب شقيقته معه للتوغل في داخل الاهوار لقطف القصب والبردي وهذه عادة مالوفة هناك واطلاقا من ايمانه بان ذلك الشاب قد اصبح واحدا من عائلته وافق في الحال على طلبه ، وكالعادة المتبعة في الريف ان معظم النساء كانت لاتقيم حواجز بين الرجل والمرأة لان معظم النساء كانت تمارس الاعمال الزراعية واعمال الصيد مع الرجال ، سيما وان شقيقته كانت تقوم ببيع الاسماك على المناطق الزراعية المجاورة ، ومن بعد السير الطويل في اعماق ( الاهوار ) الآمنة وصلوا الى مسالك عديدة وفي لحظات الهدوء والسكون وهم بين ذوابات القصب والبردي امتزجت الاحاديث مع مشاعر ودية غيرت من مفاهيم عقد الزواج الذي تم بين ذلك الشاب والمرأة المتروكة في دار رجل البو غيام مما جعله يفقد الهدف الذي استند اليه مؤخرا .

لذلك فقد انقلب على زواجه الاول وقرر الهروب معها الى مكان اخر يبعدها عن اهلها لكي يتزوج منها هناك ومن خلال هذا العرض الذي توافق مع امانيها وافقت هي ايضا على قبول ذلك العرض .

واخيرا نفذت خطة الهروب العصيبة وتم هروبهما نحو بعض القرى الفلاحية القريبة من الاهوار وفي اماكن بعيدة عن اماكن سكناها السابقة وعند حلول المساء لم ير رجل البو غنام عودة شقيقته فاشتد غضبه وجزعه ولم يعرف الاسباب التي ادت الى ذلك ، فقد اخذ يفتش عنها في جميع الاماكن ولم يعثر على اي اثر عن مكانها ، وأخبر الشابة التي تركت في ( داره ) بخيانة صاحبها ونتيجة للبحث الطويل علم بمكانهما وطلب من القبيلة التي آوته ان تقوم بطرده لفعله هذا ولم يفلح بسبب التقاليد والعادات المتبعة في الريف ، ومن خلال تلك الملابسات تكشفت معظم الامور بكل تفاصيلها مما حمل معظم القبائل التي تهمها هذه الحالات ان تشرف على المنازعات فيما بينها للاسباب المارة الذكر فكانت قبيلة البنت المختطفة تطلب الثأر من القبيلة التي ينتسب اليها الرجال الثلاثة اللذين احتمت بهم شقيقتهم ومعرفة الشاب الذي اختطفها وهم يجهلون اسمه كما اصبح رجل البو غنام وعشيرته يطلبون الثأر من القبيلة التي آوت الشاب الذي اختطف شقيقتهم ، ومن ثم اصبحت القبائل تروم القتال فيما بينها مما حمل معظم افرادها على طلب التحكيم من الفريضة وهو ( سلمان بن غيلان ) وعند وصولهم اليه طرحت امامه جميع القضايا وطلب منهم في بداية الامر ما يلي (1) :

1 ـ الطلب باحضار الشاب الذي اوعد واخلف في بادىء الامر مع احضار رئيس قبيلته واشقائه .

2 ـ احضار الرجل الذي اختطف شقيقة رجل البو غنام مع رجل البو غنام ورؤسائهم .

3 ـ ثم التحدث مع الرجال الثلاثة ورئيسهم الذين احتمت بهم الشابة والذين كانوا يحرثون الارض والذين تسببوا في جرح شقيقي البنت المخطوفة ، وبعد احضار الجميع ذهب ( سلمان بن غيلان ) لمشاورة جميع اصحاب الاقضية كل على انفراد وطبيعي ان معظم هؤلاء كانوا متواجدين مع رؤسائهم في مضيفه ، وكبار السادة والاشراف من القبائل الاخرى .

************************************************** ************

(1) حدثني في هذا الموضوع المرحوم ( شريف الموسى ) الذي كان يسكن في مدينة الثورة من عشيرة بني طرف والذي شاهد هذا الحادث وكذلك جبار بن حيدر ابن سلمان ابن غيلان المتوفى سنة 1994 .

المصدر:أهل الريف في جنوب العراق

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑