الطنطل في التراث الشعبي /موضوع منقول

الطنطل، نوع من أنواع الجن.. كما تؤكد ذلك الرواية الشعبية- لا يظهر على هيئةٍ حيةٍ أو حيوان مفترس وانما يظهر على هيئةٍ تنسجم وطبيعته المرحة. وأطرف ما سمعت عن الطنطل ما رواه لي زميل في بداية عقد السبعينيات. قال : ” لقد جئت لتوي من عيادة صديق راقدٍ في المستشفى، تعرض لحادث على الطريق السريع الذي يربط بغداد بالكوت كان قد أراد أن ينجز معاملة له في إحدى دوائر الدولة هناك. وحرصاً منه على أن ينجز المهمة في نهار يومٍ واحدٍ، كان عليه أن ينطلق بسيارته من بغداد عند السحر قبيل صلاة الفجر، ليصل الى هناك عند بداية الدوام الرسمي. وهكذا كان. وبينما هو في منتصف الطريق الذي يكاد يخلو من السيارات وإذا بعنزة تعدو مسرعة الى جوار السيارة كأنّها تتسابق معها لم يعرها اهتماماً في البداية، حسبها عنزةً ضلّت طريقها عن قطيع الماعز ولكنه سرعان ما فزع واضطرب عندما فطن الى أن السيارة تنطلق بسرعة 120 كم في الساعة وزاد في اضطرابه أن العنزة هذه تزداد التصاقاً بسيارته وتدنو منه وتحدق فيه بعينين حمراوتين ويندلق من فمها لسان أحمر طويل وهي تمعمع تارة وتقهقه ضاحكة تارةً أخرى. ولم ير بدّاً من أن ينحرف عنها الى اليمين فارتكست عجلات سيارته في شقّ غير عميق كان على الشريط الترابي الذي يمتد بمحاذاة الطريق فانقلبت السيارة وتدحرجت وفقد صاحبنا الوعي، وكاد يفقد حياته! “.

ولكن؛ “ليس في كلّ مرة تسلم الجرّة” كما يقال في الأمثال، فَقد فَقَدَ رجل عقله بسبب دعابة ثقيلة صدرت عن طنطل لئيم ؛ ففي الربع الأول من القرن الماضي كانت هناك عشيرتان من عشائر لواء المنتفك (محافظة ذي قار حالياً) تقطنان في قريتين متجاورتين تفصل بينهما ربوةٌ واسعة يطلقون عليها أسم (إيشان) وهي عبارة عن مقبرة قديمة مهجورة تكثر فيها الحفر والمغارات المخيفة وقد وطن في أذهان الناس أن الطناطل (= جمع طنطل) تأوي إليها وتخرج منها عند الغروب وفي الليل. ومن أجل ذلك صار لها في قلوب الناس رهبة وخشية. وحدث أن شاباً وسيماً فارع الطول من أبناء إحدى العشيرتين اسمه (طاوي) قد أحبّ فتاةً جميلةً من العشيرة الأخرى اسمها (تسواهن). وبعد أن توطدت أواصر الحب بين الاثنين تقدم لخطبتها من ذويها وما كان لهم أن يرفضوه لولا أنّه كان يتشبب بها ويذكرها في أغانيه العاطفية الشجية ويسرف في وصف مفاتن جسدها ومواضع الإثارة منه على نحو يجانب الحياء، فرفضوه. وتقدم ثانية وثالثة ورفضوه في كلّ مرة. قالوا ؛ ليس فيه همّة الرجال وإقدامهم وشجاعتهم وانه طروب لعوب، يكاد ينافس النساء حلاوةً وطراوة. وكان لا بدّ له من أن يلجأ مستغيثاً مستعيناً بالسادة الأشراف من آل صلبوخ. وانتهت وساطتهم الى اتفاق بين المتخاصمين يقضي بأن يبرهن (طاوي) على رجولته وشجاعته، فان فعل صارت (تسواهن)، من نصيبه. وليس هناك ممن هو اكثر شجاعة من رجل يخترق (الإيشان) عند منتصف ليلة لا يظهر فيها القمر !

كان على (طاوي) أن يجتاز هذا الامتحان العسير لكي يصل الى (تسواهن)؛ فخرج من مضيف السادة (آل صلبوخ) منتطقاً نطاقاً جلدياً عريضاً واضعاً أطراف دشداشته الأمامية فيه لكي لا تعيقه في المشي كما دسّ تحت نطاقه الصخريّة (وهي عصاً غليظة في إحد طرفيها كرةٌ معدنية مصنوعة من النحاس الأصفر) ودسّ الى جوارها خنجراً ومطرقة أما الوتد الخشبي المميز الذي يربو طوله على المتر والمطلوب منه أن يركزه وسط (الإيشان) فقد فضّل أن يضعه تحت إبطه. وتلفع بعباءةٍ صوفيةٍ ثقيلة،واعتمر كوفيّةً وعقالاً ومشى يتلمس طريقه في الظلام الدامس في ليلةٍ عاصفةٍ تلبدت في سمائها السحب السود. واعترضته أمه في الطريق غير آبهة بزخات المطر المتقطعة. حملت اليه فانوساً تتراقص شعلة ذبالته كلما لفحتها الريح الرطبة. قالت وهي تناوله الفانوس : ” كن شجاعاً ولا تخف يا ولدي. فالطنطل لا يؤذي أحداً ولكنه يسخر من الرجل الجبان !! ” هزّ رأسه موافقاً وأوصاها أن تدعو له بالتوفيق. وواصل سيره يتلمس طريقه على ضوء الفانوس الذي يضيء تارةً ويحتجب ضوؤه تحت العباءة تارة أخرى. وزغاريد أمه تلاحقه لتزيده جرأةً وإقداماً، غير أن زغاريدها سرعان ما اختلطت بصوت الرعد القاصف وصرير الرياح المدوّية حتى تبددت وما عاد يسمعها. وبدأ الخوف يتسرب الى قلبه كلما أقترب من (الإيشان). وبدأت خطواته تثقل وتقصر، ليس بسبب الخوف فقط، بل وبسبب الوحل الذي علق بنعليه، وهذا الفانوس الذي يكاد ينطفئ في كل لحظة. فيخاطبه بصوت مسموع : ” لا تنطفي يا فانوس. لا تنطفي ! ” ليوهم الطنطل أن شخصاً ما برفقته. إذ المعروف عن الطنطل أنه لا يقترب إلا من شخص يسير بمفرده. فإذا كانوا اثنين أو ثلاثة تجنبوهم وابتعدوا عنهم. وعاد (طاوي) يخاطب الفانوس بصوت مرتفع ليخرس الأصوات التي تقرع سمعه، تلك التي يحدثها الرعد وصرير الريح ورشقات المطر المتقطعة : ” لا تنطفي يا فانوس. لا تنطفي ! ” وتذكر الأهزوجة التي يرددها الأولاد في قريته، فأخذ يرددها هو أيضاً : ” لا تنطفي يا فانوس. كَازك علينا بفلوس.. والشيخ لسّه وسنان. كلّه من صكَع النسوان.. واللحية منّه امهلسة. وعيونه عليَّ امبحلسه.. جنة (كانّ) جبير (كبير) الجاموس.. لا تنطفي يا فانوس !! “.

وبلغ طاوي المكان المتفق عليه وسط الإيشان في حلكة ذلك الليل البهيم، فقعد القرفصاء. وما أن نحّى الفانوس جانباً حنى أصابته رشقة من المطر أطفأته وحطمت زجاجته. وبادر على عجل ليركز الوتد في الأرض ويدقه بالمطرقة. وما أن انتهى حتى تلفع بعباءته ثانية ليعود الى الناس الذين ينتظرونه في المضيف. ولكن كائناً لئيماً أمسك بطرف عباءته. فحاول طاوي أن يجذبها، وجذبها مراراً ولكن دون جدوى. هل يلتفت الى الوراء ليقع بصره على الطنطل ذي البنية النحيلة والقامة الطويلة والعينين الجاحظتين الحمراوين والفم الواسع الذي يبلغ الأذنين والأنف الطويل الذي يلامس الحنك ؟. لا.. إن قلبه يكاد يقفز من صدره من شدّة الرعب.. ترك العباءة لتسقط على الأرض. وسقطت المطرقة من يده عندما بال في سرواله الداخلي وانطلق حافي القدمين يركض بأقصى سرعته.

وعندما تأخرت عودته على الرجال الذين كانوا ينتظرونه في المضيف، وكانوا يتوقعون عودته قبيل صلاة الفجر، وها هي الشمس قد ارتفعت الى كبد السماء، قرروا أن يذهبوا إليه فربما أصابه مكروه هناك. وعندما وصلوا الى المكان المتفق عليه لم يجدوه ووجدوا عباءته مرمية على الأرض وعلى ذيلها يرتكز الوتد الخشبي الطويل. وليت الأمر قد انتهى عند هذا الحد ؛ لقد فقد طاوي عقله تماماً. ينظر الى الناس بعينين زائغتين، لا يكاد يقترب من أحدٍ ولا يقترب منه أحد. يركض في سكك القرية وطرقاتها رافعاً دشداشته الى صدره كاشفاً للناس عن عورته، يتبعه الصبية والصغار يصفقون خلفه ويترنمون إلا امرأة واحدة لا تنظر اليه إلا بعينين دامعتين إنها (تسواهن) التي زوجوها قسراً من أخيه الصغير. بعد أن جيء بها (فصليّة) مع ثلاث أخريات من بنات عشيرتها ليتزوجن من أقارب الضحية حسب قانون العشائر السائد في ذلك الزمان.

وإنّي على كثرة ما سمعت من حكايات عن الطنطل، فإني لم أسمع من شخص قال أنّه رآه. وإنما ينسبون ذلك دائماً الى شخصٍ ثالث غائب يزعمون أنّه رآه والتقاه أو كانت له معه حكاية. إلاّ رجل واحد كان يعمل مفصليّاً في محطّةٍ للسكك الحديديّة يقال لها (الأرطاوي). وهي محطة صحراويّة كانت على الخط المتري القديم البعيد عن هور الحمّار. فقد ذكر لي أنّه كان قد اتفق مع جارٍ له يقال له(جلّوب) على أن يذهبا مبكرين قبيل صلاة الفجر الى منطقةٍ في البادية تكثر فيها الكمأة. يعرفها جلّوب كما يعرف أبناءه. وقد سبق له أن جنى منها الكثير في ربيع العام المن***. يقول الرجل : ” لقد أعددت كلّ اللوازم التي تقتضيها الرحلة ـ وهي مسيرة على الأقدام ـ ؛ قربة ماءٍ، وصرّة خبز و (فندوس) تمر، وخضار ومنجل ومقوار وكيس كبير لجمع الثمار. أعددتها كلّها قبل أن آوي الى الفراش. والحقيقة أنني لم أكن قد أخذت كفايتي من النوم لحظةَ أن سمعت جاري (جلّوب) يناديني ويستحثني على الخروج. وخرجت حاملاً معي أمتعتي ولوازمي فرأيته يمشي أمامي على مسافةٍ تربو قليلاً على مائة متر.. ناديته ياجلّوب توقف حتى ألحق بك. ولكنّه، دون أن يكلمني، رفع يده اليمنى وأشار لي أن اتبعني، فتبعته. ومرّت ساعة وأنا أغذ السير. والمسافة بيننا هي هي، لا تزيد شبراً ولا تنقص شبراً. وقلت في نفسي لعلّي ألحق به لو أسرعت الخطا وفعلت، ولكني لم أفلح. وصممت بعد ساعةٍ من المعاناة على أن أركض نحوه بكل قوتي. وحزمت أمري ووضعت أمتعتي على ظهري وانطلقت أعدو بكل قوتي ولم أتوقف إلا بعد أن استبد بي الإعياء وسقطت متهالكاً على الأرض. ونظرت فإذا المسافة بيني وبينه لم تتغير. ونهضت من كبوتي أمشي مترنحاً من شدة التعب والنصب. وعجبت لأمر هذا الجلوب. فأنا أعرفه نحيل البنية ضامر العضلات يشكو من آلام في المفاصل، من أين له يا ترى مثل هذه الحيوية وهذا النشاط ؟

ولم أشغل نفسي كثيراً في الإجابة على هذا السؤال، فقد كان همي الوحيد هو أن ألحق به وأتحدث معه بعد أن سرى الخوف الى نفسي من ظهور حيوان مفترس في هذه الوهاد الخالية من البشر.

لا أعلم كم ساعةٍ مشيت في هذا الليل البهيم ولكني أعلم أن عظامي قد أصابها الوهن والإعياء وعجزت رجلاي عن أن تحملاني فبركت على الأرض وصحت بأعلى صوتي : يا جلّوب ! ولم يجبني كعادته وأشار إلي بيده أن اتبعني. وصحت ثانية يا جلّوب ! وتمددت على الأرض الرملية الباردة وأنا أردد مـع نفسي يا جلّوب !! “.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑