موقع بروال الاهواز-الحقيقة سعدت كثيرا بكتابة السيد ساكي الأخيرة ووجدتها موضوعية وليست كأختها السابقة ووجدتها تستحق البحث والحوار والنقاش وهذا ما يطمح اليه الكثيرون لإثراء المجال الأدبي ووددت لو اشرح بعض الأمور.
إن الله سبحانه تعالى وجه اول خطاب للرسول من خلال كلمة “اقرء” وهي فعل أمر ولا شك ان هذا الخطاب هو موجه للعرب والمسلمين جميعا وان القراءة يجب أن تسبق كل شيء في المجالات الادبية والفكرية والفلسفية ،لأن القراءة هي ما تحيط الانسان بمجموعة كبيرة من المعلومات والمفاهيم تساعده في اعطاء آراءه بشكل صحيح وان فكرة الكاتب لا تتأصل وتتدشّن ما اذا قرء لأسلافه من الكتاب ومهما كانت الكتابات على ورق أو غير ورق….
ونجد الكاتب شكسبير انه يعطي من خلال مسرحياته الكثير من المعلومات وكأنه قرأ كل ما كتب قبله ، مثلا نرى في “هاملت” انه يعرف ثقافات البلدان الأروبية ويعرف العالم الأسفل والأعلى عندهم فيحدثك عن اسكندر وعن نيرون وعن قابيل وهابيل من خلال المفاهيم وليس بصورة مباشرة ولو لم يقرأ شكسبير للكتاب الذين سبقوه لما اصبح شكسبير ونراه في مسرحية “عطيل” وكذلك.
القصة في حد ذاتها هي موروث ثقافي كانت ولاتزال يرددها ابناء الحضارات والثقافات وان علم المثيولوجيا تأسس إثر القصص المحكية والمكتوبة والأديان والأساطير كذلك وصلت الينا عبر اللغة وفي بطونها الكثير من القصص المدهشة التي تفعم الخيال بصور باهرة وببلاغة زاخرة.
ولا عيب اذا أخذ الكاتب منها وجعلها في كتاباته كاقتباس أو تضمين. والشيء الجميل ان كتّاب القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا أخذوا مفاهيم جديدة من القاصين قبلهم بلا استنكاف وهذا الأمر بدلا من انزال شأن القاص انه يعطيه مكانة بين الكتّاب لأنه اصبح ملمّا بالكتاب السابقة لكن عليه ان يوظف القراءات في كتاباته بشكل ممتاز،على سبيل المثال أذكر نفس القاص الذي ذكره السيد ساكي وعلّق وعليه فهو يقول في قصته “الورقة الأخيرة”: “عمريمضي مثقلاً بالزيف.. غارقاً في المجاملة غائراً في التهميش.. لم يعد فيه بقية لتغيير او تصحيح.. هناك فرصة واحدة باقية هي الموت.. ربما كانت وحدها.. وحدها الممكنة للتغيير”
إنّ هذه القصة هي مقتبسة بالكامل من قصة أ هنري الكاتب الإمريكي وهي قصة شهيرة جدا ساشير الى حكايتها بايجاز ليعلم القارئ كم هي قريبة لكتابة ابراهيم شحبي وهي تحولت إلى فيلم سينمائي عن فتاة تراقب شجرة أمام شباك غرفتها و كانت الأوراق تتساقط منها وقت الخريف وسادها الإعتقاد بأنها ستموت عندما تسقط الورقة الأخيرة من تلك الشجرة. وكان أحد الرسامين يسكن قريباَ من دارها وكان رجلا أخذ به العمر ومصاباَ بالتدرن وعرف من حبيب الفتاة أنها سوف تموت عندما تسقط الورقة الأخيرة.
كانت الليلة باردة والثلج ينذر باللون الأبيض على الأرض وعلى الشجرة وأن العاصفة الثلجية سوف تهب وتسقط الورقة الخضراء الأخيرة. إنتظر الرسام العجوز حتى عرف أن الفتاة الجميلة قد نامت في آخر الليل وبدأت الريح تعصف وسقطت آخر ورقة من الشجرة فلبس الرسام العجوز معطفه وأخذ الوانه الزيتية وفرشاته وأخذ سلماَ وصار يرسم على الجدارالأبيض قرب غصن يابس من الشجرة يلامس ذلك الجدار المواجه لشباك الفتاة الجميلة وعليه أن يرسم ورقة خضراء على الجدار وكأنها تلامس الغصن اليابس.
وفيما هو يرسم هبّت العاصفة الثلجية وبدأ الثلج يلون المكان ويعرف أنه سيموت لو استمر طوال الليل يرسم تلك الورق بديلا عن الورقة التي سقطت وهو مصاب بالتدرن. رسم الورقة كما لو كانت حقيقية نابتة في غصن الشجرة الملامس للجدار، وأخذ السلم وألوانه وعاد إلى منزله ونام فصحت الفتاة من نومها لترى الورقة لا تزال على الغصن اليابس رغم الريح والثلوج، فابتسمت وزال عنها الخوف، خوف الموت حتى أزدهرت الشجرة ثانية بأوراقها الخضراء التي أنعشت روح الفتاة في الحياة ولم يعرف الناس ولم يعرف أحداَ أن ذلك الأب الروحي الذي وجد ميتا في صباح اليوم التالي هو الذي منح الحياة لتلك الفتاة الساحرة الجمال في أن تبقى على قيد الحياة فتزدهر الحياة بالأوراق الخضراء.
بناء على ما ذكرته فان القصة القصيرة جدا لربما تكون متوارية تحت قصة اخرى أو يتوارى القاص خلف قاص آخر ليضيف شيئا او يعطي رؤية أخرى باعتقادي ان الكاتب شحبي لم ينجح كثيرا في هذه القصة القصيرة جدا لأنه اضاف شيئا واحدا وهو ان الفتاة او ان الراوي ليس له امل سوي الموت بينما قصة أ هنري تنظر الى الاحداث من كل الجوانب وان قصته ما كانت الا ترجمة لتك وليس أكثر.
هناك من القاصين الذين استخدموا مفهوم القناع في القصة واستطاعوا ان يبدعوا في كتاباتهم لان القصة القصيرة جدا لو لم يكن فيها رمز وايحاء وايجاز وقناع وتلميح واقتباس وتضمين لربما تفشل لانها لا تستطيع ان تفجّر مفاهيم كبيرة في ذهن القارئ اذا جاءت بكتابة نثيرية بسيطة.
يقول الشاعر الايراني رسول يونان في قصيدة له بعنوان الورقة الأخيرة:
استلقي على السرير
نافذة الغرفة
لوحة وجع وخريف
أنت الورقة الأخيرة
الورقة الأخيرة لقصة (O.Henry)
إن تسقطي أمت.
اظن بان الشاعر رسول يونان وظف قصة الورقة الأخيرة في الشعر افضل من ابراهيم شحبي لأنه يمكن في القصيدة ما لايمكنه في مجال اخر، لاننا نتوقع من القصة المزيد من المفاجئات والمفاهيم الحديثة والقارئ يبحث عن الفكرة المصقولة والابداع في المعرفة والخيال .
أخيرا وليس آخرا ان كتابة السيد ساكي الحقيقة اعجبتني لأنه وافق في نهاية المطاف بأن الكتّاب قلّة جدا لكنه لايزال يصر بان عقلية الشاعر الاهوازي،على حد قوله،تتوافق مع القصة القصيرة جدا وهل اليابانيون انهم روّاد القصة القصيرة جدا لأنهم يكتبون الهايكو!
في نهاية المطاف ما دعاني لذكر الكاتب أ هنري والشاعر رسول يونان هو انه علينا القراءة فالقراءة من ثم القراءة واخيرا القراءة بعد ذلك الكتابة لانني مازلت اعتبر القراء في عدد الأصابع وكم رأيت من الأخوة المهتمين بالقراءة اسألهم عن الكتب التي اشتروها بعد سنين فيعرفوا منها العناوين فحسب واود لو اكون متفائلا مثل السيد ساكي لكن في هذه اللحظة الراهنة من الزمن لا يفيدنا لا التفائل ولا التشاؤم سوى أن نقرأ ونقرأ ونقرأ وندعو الآخرين للقراءة فنعطيهم كتبا أو نشجعهم للقراءة هناك نقطة هامة وهي ما تتعلّق برؤية السيد ساكي المتفائلة كثيرا حين يقول خذ قلما واكتب! ويصرّ على ان الاهوازيين،على حد قوله، يكفي ان يلتقطوا الأقلام فيكتبوا لأنهم أجدر بها ولأنهم يكتبون الابوذيات والدارمي ولكن الحقيقة ان كتابة القصة القصيرة جدا ليست بهذه السهولة واذا قلنا كذلك فاننا نظلمها كثيرا ونقلّل من شأنها كلون من ألوان الأدب وانا اعتبر ان دعوة السيد ساكي هي إغرائية وتفائلية أكثر مما تكون واقعية ولا أدري لماذا لا تتبدّل رؤيته هذه وهو الذي يقول باننا لا نملك الأديب الذي يتمتع بعمق معرفي كاف واختم المقال بهذه العبارة: خذ كتابا واقرأ أقرأ اقرأ”.
شكرا لك , اعجبني العنوان والنص والخاتمة , فانا فخور جدا بان لدينا اليوم من الادباء والنقاد ما يمكن ان يصنعوا لنا جيلا عربيا من ابناء هذا الاقليم يكونوا ثروة لمسقبلنا .
شكرا للناشر
صباح الموسوي – الكويت