
عندما حدث الإعتدال الربيعي بالحركة الفلكية في عام 1975م و قررت الشمس أن تقسط أهل الأرض بنورها و دفء حنانها، قضت السماء أن تلده من رحم الأهواز، فوضعته أمه “فاطمة” في برج الحمل، وهكذا بعث للحياة في “شمّ النسيم” على كوكب المعناة.
فأصبح ميلاده يوم 21 آذار/ مارس عام 1975 في الأهواز جنوب غرب إيران، حيث نشأ في إحدى مناطقها القديمة المسماة بـ”حصيرآباد” وترعرع في زقاقها الضيّقة والمكتظة بالأطفال، متربيا في أحضان جدّته الحنونة وجدّه الشريف.
تعلم القراءة والكتابة منذ الطفولة باللغة الفارسية وعلى النهج الفارسي ككل أبناء وبنات المجتمع العربي في الأهواز، ولم يكن له هناك نصيب من العربية إلا ما تعلمه في البيت وتحاوره مع الأسرة وبما أن العربية كانت تعد لسان الأم لدى الأهوازيين ، فكان يتحدث بالعربية في البيت مع الأسرة، ويتحدث الفارسية في المدرسة والمجتمع، لكن بعد مرور الأعوام وجد نفسه ليس مقتنعا بحظه من العربية، ولذلك إنطلق لينال غايته منها.
فشاء القدر بأن كما يكبر يوما بعد يوم، يكبر معه همّه و تعلو همّته، حيث أخذ الدهر يقلّب به الأحوال و يجرجره حيثما يشاء، مما جعله رحّالا، لاتصدوه الحدود الجغرافية ولاغير ذلك إلا الإنسانية، فتنقل بين مختلف المدن والبلدان العربية منها و غير العربية، ما أثمر له أن يشاهد حياة البشر عن كثب من خلال نوافذ شتّى.
كان من هواة الشعر والأدب عموما وكانت إنطلاقة مسيرته، بالشعر الفارسي، الذي كثيرا ما إستأنس بأعمال العمالقة الأدب الفارسي، فبدأ يكتب الشعر بالفارسية، لكنه بعدما تذوّق الشعر والأدب العربي في التسعينات، أدمنه و لم يستطع الإقلاع عنه.
فبذل جهده ليتلقى دروسا من أساتذة الطريق بقرائته للكتب والدواوين العربية الجاهلي منهم والحديث، إلى أن تأدب بالأدب العربي، مما أدى إلى إصدار ديوانا له بالعربية الفصحى يحمل عنوان “يوميات مجنون ليلى” عن الدار السورية اللبنانية في دمشق في عام 2011 وهوأول ديوان يصدر عن شاعر عربي أهوازي باللغة العربية الفصحى في عاصمة عربية.
إمتهن الصحافة، و تنقل مابين طهران و الأهواز، و سخّر طاقاته ككثير من الشباب العرب المثقفين الأهوازيين، للحفاظ على هويتهم العربية و بث ثقافتهم المطموسة،عن خلال نشاط ثقافي، تمثل عنده بالعمل في حقل الإعلام والصحافة والكتابة والترجمة من العربية للفارسية ومن الفارسية للعربية وعلى وجه الخصوص كتابة الشعر.
محمد امين بني تميم
: «الحبّ في الأهواز»
جالسٌ في بيته الأهوازي
في عِزّ الحَر..
يُدخّن نفسه!
ويَمسَح عَرَقه بكوفية جدّه
لم يفتقر للبرق والنّار
لكنّ..
ماذا عساه أن يفعل؟
إذ الكهرباء حتى تبخل نفسها عليه!
بدلاً من أن تبرد قليلاً من غليله
في إكتظاظ الجوّ..
بالغبار المتراكم..
والمخيّم على أحلامه كالسرطان!
…
الحبّ في الأهواز.. نارٌعلى نار!
والحياة جحيماً وسط النهار
والأحلام تتساقط يومياً
من الأعداد آلافاً..
في شوارع الخيال
…..
يُفكر في البعيد عندما قريب
ويُفكر في القريب عندما بعيد
والغربة تطارده في كلِّ مكان!
يفكر.. ويتساءل:
هل الحلّ بالرحيل إلى اللازمان؟
وما الخلاص من هذا الضجرالذي يغمر كلّ مكان؟
يخاطبُ نفسه:
هنا سقط رأسي
وهنا سقط عقلي
وهنا يسقط جسدي…
«كوكب المعاناة»
أنا الرّجل المُرَهق.. ثم مُرَهق
أنا الحزين الفَذّ اللامَكان
أنا.. الرحّالُ في مَتاهات الحنان
فقبل أن تَكاد الآلام تَقلعَني
وقبل أن مَشنقة الدّهر تَعدمُني
وقبل أن الخلق بالأحجار اللاكريمة تَرجِمُني
دعيني..
أرسم لكِ صورة مِن آلامي
وأبوح بلا تحفظ بعض أحزاني
…..
عندما بُعثت للحياة في «شمِّ النسيم» ..
على كوكب المعاناة..!
لربّما أتت بنتُ البحر..
وأخذت بِحَبلي السُّريّ معها
وألقتْ به في ليلةٍ قمرةٍ وسط البحر!
وأودعتني.. بنتُ العين إلی آخر عمري…
فأصبحتُ.. مُقمَّط الحزن والحنان..
ويا ما انصهرتُ بِمَجمَرة الزمان!
ولم يكن لي هناك..
مُراغَماً.. ولا كهفاً يؤويني
فمن لي غير أن السماء تغيثني؟
وفي الأرض غيركِ أن تنجيني؟
فهل أستطيع أن أنال قِسطاً من الراحة في عينيكِ؟
أو أتوسّد حضنكِ الأمينِ ترويحاً للنفس؟
فأنا أحبّ.. وأحتاج للعناية المُركّزة
وليس هناك مُستوصفٌ..
يستقبل الذي من الحبّ يُعاني!
وهل هناك مُخطط قلبٍ يَسَعُ أحزاني؟!
…..
فاعتزلت الحياة اليوميّة..
المُكتظّة بالأبالسة..!
والمنافقين..!
الذين يَأبون فهم الحبّ
ويتفاعلون معه كالإثم
كالفحشاء والمُنكر..
كفضيحة لا تُغفَر..!
بينما هم..
يجرّدون المرأة ثيابها بأعينهم..
ويَزنون بها وهي تمشي!
فالحبّ لا قِيمَة له عندنا..
ومَن أراد أن يعيش بشرف
عليه أن يتجنّب هذا العار!
لأنّ مَن يحبّ في ديارنا..
يُعد متجاوزاً للحدود..
الشرعية والعرفية والدستورية!
وما جزاء مثل هذا..
إلا الحجر.. والتراب!
«الامبراطوريّه»
كانت مملكتي..
قبل أن تحتلها إمبراطوريتكِ
جسداً.. وروحاً لم تعارضني..
لكنّ بات كل شيءٍ موالياً لجبروتكِ
بعدما أصبح الفؤاد عاصمة حكمكِ
وعرش عينيكِ..
فقمتِ تتحكّمين حيثما شئتِ
تصدرين قراراتٍ وتُطالبين بها..
وتفرُضين عُقوباتٍ وتُنفذينها..
فصارتْ الدورة الدموية
لا تدورُ إلاّ بأمرِكِ
وبات الدّم المتجوّل..
كيفما يشاء في شرايين حياتي
توزعينه أنتِ..
….
فأصبح مطار الفكر
لا تترُكه طائرات الشوق
إلا لتُحَلّق في سماء خيالكِ
وأصبَحَتْ إذاعة السّمع والبصر
لا تَبُثّ برنامجاً مباشراً
إلا ما يُقال في عينيكِ
وتُقدّم آخر الأخبار..
علی مدار السّاعة
عن كل ما يتعلق بكِ
وأحدث التقارير الطقسية
عن آخر تحولات جفنيكِ!
…..
وفي الإستنطاق العام..
الأول من نوعه والأخير
أدلی النّاخبون بأصواتهم..
من أدنی الحدود الجسدية
إلی أقصی الحدود الروحية
من مَفرق الرأس..
إلی أخمص القدم..
ومن مشارق الروح إلی مغاربها
سهلها وجبلها..
برّها وبحرها..
من الطبيعة فيها إلی ماوراء الطبيعة
بأن تكوني..
الملكة الفريدة ما دام العمر..
واتفقوا..
بأن يبذلوا كل الجُهد
في امتثال أوامركِ
مُلبّين كل دعواتكِ
مُضَحّين بأنفسهم من أجلكِ
مُحتفلين يومياً طيلة أيام السَّنة
إجلالاً لعينيكِ..
وإذا يوماً ما ــ لا قدّر الله ـ
غادرتِ بلادهم لأيّ سبب
أن ينتحروا جميعاً..!
….
فغدا المواطنون
يتكاثرون ويزدحمون
في شوارع الشرايين..
المنتهية إلی القصر المَلكي
لإلقاء التحية علی الملكة اللابديل لها
مجدّدين بيعتَهم
في كلِّ عشية وضحاها..
وهذا أروع احتلال..
تتبعه ديموقراطية مَلَكية
يشهدها التاريخ في عُمره..
….
أمّا المَلِك الحاكم والسابق
المُسمّی عقلاً..
والمسجون منذ بداية الإحتلال
لقد أخرجه المواطنون من السجن
وشَنقوه في الملأ العام..!
*****
من ديوان الشاعر” يوميات مجنون ليلى”
المصدر :
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.