
احواز نيوز– الهوية القبلية جذورها راسخة و عمرها مئات السنيين و نصيبها كبير من الإمكانيات و الولاء و خطابها العصبي ،وكذلك نقول إن الهوية الدينية تتمتع بحضور و تماسك في والوجدان و الوعي الجماعي كعقيدة دنيوية و أخروية منذ أكثر من ألف عام و يزيد و إما الهوية الوطنية فلا جذور لها و لا تحظى بخطاب ولا تجد مؤسسة لها ،وإذا ولدت في نظامنا الثقافي هي ولادة مشوهة ،لنقول عنها إنها هي الناشئة في تربة القبيلة و الدين في وعينا الجماعي نشوء واجهه منذ البدء طعن و تشكيك من جانب الدولة الإيرانية حتى إن أصبحت تعاني (من أزمة أسس).أما وضع الهوية المدنية (المجتمع المدني أو المواطنة )- التي تم إعادة طرحها بقوة منذ ثلاثة عقود في العالم العربي والإسلامي، فهذه الأخيرة لم يبدأ الكلام فيها بعد عندنا.
إن الهوية إذا حددنا لها وفق المرجعية التراثية ،فهي ليس سوى القبيلة- قبيلة الفرد والإسلام عقيدة الإنسان العربي إما في المرجعية الحديثة النهضة ،فإن هوية الفرد و الجماعة تتمحور كذلك في الهوية الوطنية و المدنية . إن الوعي بالذات على الأقل يتبلور و يتعمق،من خلال التحول في علاقة اختلاف و تغاير و نزاع مع أخر معين،ولكن هل هذا حدث لنا في فهم الذات من خلال النزاع مع الآخر؟ وهل طرح موضوع الهوية هل هو من أجل الإثبات لها أو النهوض فيها في عصر الدفاع عن الهويات؟
مقدمة : تمهيدات و ملاحظات ضرورية
بأي معنى نقول الهوية الأهوازية؟ من أنا ؟ من نحن؟
نقول إن موضوع الهوية الأهوازية بشكل عام لم يُكتب عنه من قبل بموضوعية و جدية حسب علمنا ليومنا هذا (قراءة الهوية القبلية و الدينية من جانب و خطاب الطعن الإيراني و حضور معنى الهوية الوطنية الأهوازية من جانب أخر من أجل وضع فهم حول هذا التشابك والذي نحاول أن نضع فيه قولاً هنا )، وإذا حددنا بدقة وضع الهوية في تاريخنا المعاصر نقول إننا نعاني من إشكالية في فهم معنى الهوية الوطنية و تداخلها مع (الهوية القبلية و الدينية و المجال السياسي)و هذا عائد لغياب خطاب وطني واعي يدرك أهمية بناء مفهوم هذه الأخيرة والدفاع عنها و الحفاظ عليها ، فالفرد الأهوازي إذا واجهه سؤال عن القبيلة أو الدين ،فإنه لا يجد لبسا في وعيه ولا صعوبة بسبب ما تتوافر لديه من الألفاظ والمعاني التي يفيض فيها وعينا الجماعي تسانده للتعبير و يكفي الإجابة بوضوح .أما سؤال الهوية الوطنية بعيداً عن العفوية التي لا نقصدها بالتأكيد ولا تعنينا هنا ،فالفرد عندنا لا يجد لديه ما يكفي من المعاني ليعبر في الإجابة عن سؤال الهوية الوطنية و أقصد من الفرد ذلك الذي ينسب نفسه إلى مسمى النخبة؟ وغياب الدراسات و الندوات و المؤتمرات عندنا حول موضوع (مكونات الهوية الوطنية و المخاطر المحدقة فيها) لا يدع شكاَ لدينا بأننا نعاني من غياب (النخبة الفكرية التي مهمتها أولاً و أخراً إنتاج المفاهيم و تعريفها ودون هذا لا معنى لها) حتى نقول إننا كشعب نعيش في مرحلة (إشكالية فهم معنى الهوية الوطنية- أزمة مفاهيم و أزمة اللفظ و المعنى تساوي أزمة اللغة).
ولهذا السبب المهم و الموضوعي نرى من المناسب أن نسجل هنا عدة ملاحظات (تمهيدية أو تعريف ) تكشف إجمالاً عن رؤيتنا تجاه موضوع الهوية الأهوازية.
فتعريفنا هو أن الهوية الوطنية لم تجد لها في وعي النخبة و لا الوعي الجماعي الجديد ما يصل فيها نحو القول إننا كشعب ندرك مفهوم الهوية الوطنية أو ما يترتب من الدفاع عن مكوناتها و الحفاظ عليها و ذلك من خلال تدوين خطاب النخبة وإضفاء شرعية معنى الوطنية عليه وعملية تمرين ممارسة بناء و تشكيل مؤسسات مجتمعية وفق الشعور الوطني ،و أن هذا التغييب بوعي أو دون وعي لا يعنى سوى أمراً واحداً وهو أننا لا نعيش في عصرنا هذا و هو بحق يعتبر (عصر الدفاع عن الهويات الوطنية و المدنية معاً)، وماذا يعني قولنا هذا هل هو يندرج في حكم تاريخي أو هو ينبع من واقعنا ؟ الإجابة هنا لا نقول فيها جديداً غير معروف بقدر ما نحدد ما نحتاج إليه من قول وهو أن البحث عن الهوية “الأنا” مقابل “الأخر” كان بدافع التمييز القومي أو الديني أولاً و أخراً ومعناه هو خطاب أو منتج عصرنا الحديث و المعاصر معاً و في عالمنا العربي و الإسلامي في أقل تقدير ظهر معنى الهوية بحضور الاستعماري في (الممالك الإسلامية ) جميعاً و تطور بعد ذلك الأمر إلى أن أخذت الهوية أوضاع خاصة فيها حسب مسار نهضة كل شعب من شعوب عالمنا العربي الإسلامي و نضيف أمراً مهما هو أن حجم حضور خطاب النخبة و المؤسسات الوطنية أدى لوضع تعريف لها ،بمعنى ثاني إنه إذا تركنا ذلك التعريف (هو- الهو )،فإن وضعها و تعريفها في المجتمعات ما قبل الاستعمار و بعده أو في ظله اختلفت في التعريف و التحديد.
أما بالنسبة لنا،فنؤكد على جملة أمور في المقدمة منها أن الثقافة العربية الإسلامية هي المقوم الأول لهويتنا التاريخية أي ضمن آفاق الحضارة العربية الإسلامية على صعيد النظام الثقافي و الموقع الجغرافي ،وأما الأمر الأخر هو أن الهوية الوطنية كما في التعريف و التاريخ تستمد شرعيتها و مكوناتها في التعريف الحديث لها من هذين المقومين أي أخذت معنى و مفهوم الهوية الوطنية وفق صياغة مكونات داخل المرجعية الأوروبية، و تبعاً لوعي و نهضة الشعوب أو لنقول اتصالها بهذه الأخيرة أي المرجعية الأوروبية أخذت الهوية مناحي مختلفة تتبلور عند كل شعب من شعوب عالمنا العربي الإسلامي الذي شهد أيضاً مفهوم أزمة الهوية الوطنية و المدنية .
فنقول إن أزمة الهوية عندنا بمعنى ذلك التعريف المختصر “التدهور و التوقف”،وحسب وجهة نظري لا تنال الهوية القبلية و لا الهوية الدينية،حيث إن القبيلة و الدين تتوافر لهما في مجتمعنا من الوعي و الخطاب و الإمكانيات و الولاء و الانتظام الجماعي و الفردي و الإحياء و التمسك بالرموز و قيمها و التفاني و الدفاع عنها و الاعتقاد فيها بدرجة في الوعي الجماعي يبعد معنى أي كلام عن مفهوم الأزمة في المقابل نجد فقر و نقص في الشعور بالنسبة إلى الهوية الوطنية ، فهذه الأخيرة هي وحدها المصابة بالتدهور والتوقف ،ونضيف كذلك أن الهوية المدنية أو معنى المجتمع المدني تم طرحها بشكل واسع في المجتمعات من حولنا في العقود الثلاثة الأخيرة لا نقول ناشئة كما الهوية الوطنية،بل إنها غابة كمعنى و مفهوم في وعي النخبة في أقل تقدير ، وأن هذه الأخيرة تعُد بحق مطلب المجتمعات الآن في عقدنا هذا ،وبشأن كلاهما يطرح سؤال نفسه علينا هنا وهو أن إشكالية الهوية الوطنية عندنا هل استوعبته النخبة و حسب طاقاتها كافحت و نشرت هذا المفهوم و معناه ؟
إذا نثبت أنه توجد هنالك ثلاثة هويات حسب حضورها و الولاء لها في نظامنا الثقافي و المجتمعي و هذه الهويات هي الهوية القبلية، الهوية الدينية ،و لكل منهما قيم راسخة ومؤسسة تملك قوة الحضور و النفوذ المجتمعي و كذلك الاقتصادي و التأثير في الوعي الجماعي كما سنبين ذلك لاحقاً . أما الهوية الوطنية نؤكد أنها ناشئة على صعيد الوعي أو الشعور الجماعي آخذة في الانتشار حيث يرتفع الوعي و يهبط حسب الظروف المختلفة ،بمعنى ثاني لم يتأسس الوعي الجماعي الوطني كشعور ولا أنشئت له مؤسسات ولا من الممثلين حتى نقول إن الوطنية لها نفوذ و قوة مجتمعية و اقتصادية جماعية واضحة و معروفة كما هو حال كل من مؤسسة القبيلة و مؤسسة الدين عندنا.
فالوطنية كهوية على صعيد الخطاب لم يتم تحديد مكوناتها الأساسية بشكل منتظم عند النخبة و تحديدها بسبب غياب مفهوم معنى المرجعية ،حيث إن كل هوية لا يحدد لها مرجعية تبقى غير واضحة.،و ننبه أن معنى الهوية الوطنية ليس مفقود عندنا تماماً لكن يبقى غير مؤسس لها ضمن خطاب رغم المحاولة التي انطلقت منتصف التسعينات من القرن الماضي إلا أن تلك المحاولة تبقى ناشئة وسط فئة محددة من المجتمع ، فهذه الهوية في نظامنا الثقافي لا تزال جديدة العهد . أما الهوية الرابعة المدنية و محورها المواطنة لم يبدأ الكلام عنها بعد وليس لدينا ما نستند إليه كوعي و خطاب مطروح حتى نقول إن الهوية المدنية في أقل تقدير نظرياً لا نجد لها حضور في التفكير، وبالتالي لا يمكن لنا إلا أن نطرح ثلاثة هويات وهي ( القبلية، الدينية ، الوطنية) حتى يكون لكلامنا معنى و سند من واقعنا .أما(الهوية المدنية) تبقى هي محور التجديد وهوية الفرد في المجتمع المدني ما قبل التقليدي أو في الدولة المدنية .
إن الهوية قبل العصر الحديث كانت تعني للفرد في تاريخنا هي الهوية الدينية و القبلية إما عصرنا هذا الذي ننتمي و نعيش فيه تعني الهوية أنا مقابل الأخر أنتج هوية جديدة هي الهوية الوطنية القومية و الهوية المدنية حتى إن الفرد و الجماعة تشكل لهما هذه الأبعاد الثلاثة هوية و أن إضعاف أحدها بعملية إقصاء تنتج أزمة .إن الفرد الأهوازي عندما تعرض إلى أفراغ هويته الوطنية والمدنية في موطنه و محيطه من جانب دولة تملك خطاب غير إنساني و توظف آليات القوة و السيطرة في عملية أفراغ و مسح الهوية عند ذلك تصبح أزمة الهوية ذات أبعاد تتجاوز ظروف آنية ولا تجد في الهوية الدينية ولا القبلية الحلول ،بمعنى ثاني إنها تعني ظاهرة إقصاء الفرد و قطع صلته بوجوده التاريخي و الثقافي . إن بقاء البعد الديني و القبلي كهوية ثقافية على حالهما و عدم المساس فيهما هذا الأمر لم يؤدي إلى تخفيف أزمة الهوية عند الفرد و الجماعية في المجتمع و نظامنا الثقافي معاً. إن بناء الهوية الثقافة الوطنية و المدنية المشروع الأكثر إلحاحا و حاجة للخوض فيه دون غيره في حاضرنا و عصرنا هذا.
إذا قلنا إن الهوية تبدأ من الفرد وتدل عليه بذاته وتشخصه عن غيره وترمز إليه مقابل الطبيعة ككائن حي يتماثل بمحيطه والبيئة التي ينشأ فيها،لكن نعود و نؤكد أن كل هذه الدلالات تكون ناقصة ولا تميز بين الإنسان و الطبيعة و الجماد و لا تشكل من الفرد كائن ثقافي يحمل هوية كانت قومية – وطنية أو دينية أو مدنية إلا بحضور وعيه الثقافي الجماعي مع مجموعة بشرية ينتمي إليها الجميع . إن الثقافي يبرز من خلال أهم مُكون وهو اللغة كأداة تعريف وإنتاج فكري، و أن هذه الأخيرة هي وسيلة إجماع و فهم بين المجموعة البشرية الواحدة الصغيرة و الكبيرة .
و هنا يُطرح سؤال ذو وجاهة و نحتاج الإجابة عليه، وهو هل أن طرح موضوع الهوية هو من أجل إثبات الذات والحفاظ عليها ، أو من أجل النهوض فيها وحفظ استقلالها؟
إجابتنا عن هذا السؤال هو أن الحاجة تدفعنا إلى الاثنين معاَ نحتاج إلى إثبات الذات، ونحتاج كذلك الحفاظ عليها،مثلما هي حاجة النهوض ،حيث إن هويتنا الأهوازية اليوم تعيش وضعا متأزما و ذلك راجع لسببين الأول تعرضها إلى هجوم و غزو ثقافي إيراني ،الثاني تعيش أزمة الموروث . هذان سببان وراء ما أصاب نظامنا الثقافي والاجتماعي إجمالاً من تخلّف.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.