يا فاخته يا بنتي.. ذكريات حصدتها مناجل الأيام/وليد البوناصر

موقع بروال- تشرق الشمس، تتشعب خیوطها الذهبیة وتعم أرجاء القرية..تهب نسمة الصباح تُداعب حبات الندى التي تناثرت فوق أوراق النخیل و على نوافذ البيوت و أجنحة العصافير.. بدأت تتلألأ كالجواهر بعد انعكاس ضوء الشمس عليها…

سرت حافي القدمین جوف تعرجات الطریق الصغير في القرية أتحسس الأتربة ما بین أصابع أقدامي.. وسط خلود الأبواب الخشبية المصبوغة بلون الطین و المفتوحة أبداً كما لو أنها أدخلت السعادة كلها من جوفها، تحفّ جوانبها النخيل الخضراء، وينساب بجوارها نهر رقراق.

يخرج جدي، و قد لف رأسه بشماغ اهترأ جسده و اضمحلت ألوانه قد يكون أزرق، و يفرك عينيه الداكنتين، و يتحسس عصاه، و يتكوم في ظل سیاج الطين المحفوف بالأشواك والخوص و يتثاءب و يحمد الله، ثم يغفو.

الشمس تفضح الهواء، فيتساقط الرطب علی الارض، و يتعالى ضجيج الفاختة “يا يافاخته يا بنتي طاح الرطب ما ذقتيه”. تفتح فمها جدتي، فيتراكض الدجاج متعثراً ليلتف حولها، و تختفي حَیِّة أم إسلیمان في شقوق جدران قديمة.

أری البنات یدفعن بخطاهن نحو النهر، يتحسسن الحنة في راحتیهن وهن يبتسمن ويغطين مبسمهن و يختفین بهدوء كالظل. و تتمايل النخیل العامرة و تبرق قممها في وهج الشمس، الأطفال یتقاذفون الأحجار علی سعف النخیل، یتسلق صبي نخلة، فيتراكض الأطفال و يتحلقون حول الجذع، يرفعون رؤسهم إلى فرع النخلة فتتساقط الشمس في عيونهم فتخرج يد كل طفل من فمه، و تمتد لتحجب اشعة الشمس عن عینیه. یتساقط الرطب من النخلة، یسقط فوق الأطفال، ممتزج بشعورهم و عيونهم و ترابهم و أفواههم و لعابهم، و أيديهم، یصل تحت أقدامهم، و یختلط بالأشواك و الغبار و الروث و الأوراق اليابسة، و ضياء الشمس.

أقف هناك كي املأ من جمال ذلك المشهد عينايو خشية تجعلني أدرك بأن مناجل الأيام بدأت تحصد تلك اللحظات بعد أن يهجرها الزمن.

انحني دائما كلما مررت من هناك واضعا يدي بخشوع على تلك النخلة وأنا أرقب قمتها، وسعفاتها تشهد حقا تقاذف الاحجار عبر لحظات اللقاء الاخير تحت سقيفة السماء.. هي لم تخطر على بال النسيان وستظل الاشهى في احلامي.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑