دراسة بعض المشکلات التعلیمیة للصغار- بقلم الاستاذ عيسى دمني

التعلیم للجمیع من ضرورات النهوض بالواقع

النجاح و التوفیق في الدراسة و الحصول علی علامات جیّدة في الإمتحانات، من أهمّ الآمال التی یعقدهاالأولیاء (الآباء و الأمهات) علی أولادهم التلامیذ، إذا سألناهم علی سبیل الإختبار ما الذي تتمنونه لأولادکم؟ فیأتي الرد سریعاً و بکل ثقة، درجات عالیة و نجاح في التحصیل الدراسي.

علینا أن نعلم أن النجاح في التعلیم منوط بعناصر مختلفة أهمّها؛ العناصر النفسیة کالذکاء، القابلیة، الموهبة، الدافع، الإرادة و العناصر الخارجیة أوالبیئیة کتوفیر مناخ ملائم لدارسة الأبناء. 

یجب توفّر العناصر النفسیة (الذاتیة) بالمقدار الکافي في ذات الفرد لیتمکن من القیام بشؤونه و واجباته الدراسیة و بالتالي إکتساب النجاح فی مساره التعلیمی. فیما یتصل بالعناصر الخارجیة أو البیئیّة یتوجّب علی الأسرة أن تقوم بتوفیرها لولدهم التلمیذ. بعض الأطفال لایمکنهم أن یتلقوا التعلیم بصورة جماعیة لذلک فهم یحتاجون إلی تعلیم فردي خاص. یلزم أحیاناً مساعدتهم بواسطة أحد أفراد الأسرة مثل الأم أوالأب أو أشقاءهم و شقیقاتهم أو معلّم خصوصي یکون لدیه الوقت الکافي لتعلیمه و للتفرّغ إلیه. یجب أن لایغیب عنا أن إیجاد الرغبة في ذوات التلامیذ و الطلاب، یأتي نتیجة للتعلّم و الرغبة تتسبب في تکوین الدافع. بمعنی أن الطفل یجب أن یتعلّم في بادئ الأمر و من ثمّ تتکون عنده الرغبة في الإستمرار فی التعلیم أو إکتساب المزید من العلوم.

إذا لم یحدث هذا التدرج الطبیعی فبأي شیء یصبح راغباً یا تری؟!

هل یرغب بشیء لایعرفه أساساً و لم تکن قد تشکلت في ذهنه أیّة فکرة حوله؟ إذن یجب مراعاة ظروف الأطفال النفسیة و البیئیة و إعطاءها أهمیة کافیة لتستقیم لدیهم موضوعة التعلیم. حول الصحة النفسیة للطفل فی المرحلة الابتدائیة للتعلیم یمکننا أن نتحدث حول بعض إحتیاجاته في هذه الفئة العمریة بالذات. فی الحقیقة أننا نرید أن یتمتع الطفل بتکیف أفضل مع بیئته و محیطه المعاش، یمکن أن یندرج هذا التکیف في السلوکیات او المشاعر، نرید أن یحظی الطفل في کافة المجالات بوضعیة أفضل کي لایتضرر في الحیاة. تتم الإشارة هنا إلی موضوع الضغوط النفسیة التی یتعرض لها الطفل في هذه المرحلة، إنّ إحدی الضغوط التی یتم مشاهدتها في هذه الفترة و ألمحنا إلی أنها تؤذی کثیراً من الأطفال هی الإضطراب النفسي الناتج عن العزلة، من واجبنا أن نحول دون إرتفاع نسبة الإضطرابات النفسیة للأطفال إلی حد کبیر إذ یستدعی ذلک أن لانترکهم في هذا السن ینتظرون طویلاً، کانتظار حدوث أمر سییء أو نزاع أو مشادّات لفظیة تحدث في الأسرة.

مثل هذه الإنتظارات تحدث إضطرابات نفسیة شدیدة في الأطفال. إنهم یفترضون في أذهانهم سیناریوهات لأحداث محتملة قد تقع في المستقبل و قدتکون مؤذیة و مؤلمة للغایة و تزید من إضطرابهم النفسي.

علینا أن نسعی لکی یکون لهم أصدقاء جیّدون لیلاحظوا فیهم الجوانب الإیجابیة بشکل أعمق و ینتبهوا إلی الأبعاد الرائعة في الحیاة. ینبغی أن نعلّم أطفالنا في هذه الفترة من أعمارهم کثیراً من الشوؤن و الأصعدة الحیاتیة. بصورة عملیة، لانستطیع أن نلقي علیهم بعض المفاهیم بصورة نظریة و في إطار کلمات نطلقها فحسب، إنما علیهم أن یتعلموها عملیاً في بیئتهم الحیاتیة کمفهوم العطف و الحنان. لایمکننا أن نقول للصغار أن هناک ما یسمّی بالعطف أو الحنان و أن نحددّ لهم خصائصه، بل یجب أن یلاحطوه علی صعید العمل و التطبیق. و أن یلمسوه بأنفسهم. إنّ مفاهیم کالإحترام، عرفان الجمیل، الشکر، التضحیة أو الشراکة مفاهیم یلزم أن یتعلّمها أو یتلقّاها الأطفال من خلال إحتکاکهم و معاشرتهم و تعاملهم مع أقرانهم و کذلک عن طریق کیان الأسرة و سلوکیات و تصرّفات الوالدین في محیط الأسرة. حول التحصیل الدراسي للأطفال کثیراً ما نسمع و نشاهد في ظروفنا الراهنة أنه تحوّل إلی مشکل أو معضل في عوائلنا، حیث توجد شریحة من التلامیذ الصغار في مجتمعنا الأهوازی ترسب أو تسجل فشلاً کبیراً في الصفوف الإبتدائیة الأولی و لاشک أن الأسباب الرئیسیة في الرسوب الدراسي لهؤلاء التلامیذ تعود إلی إهمال الوالدین و عدم إشرافهم و إهتمامهم بأبناءهم الصغار. من الواضح أن الطفل في المرحلة الإبتدائیة و خاصة في الأعوام الثلاثة الأولی، لم یعی ضرورة التعلم و لم یشعر بالمسئولیة تجاه تعلّم الدروس و إنجاز الواجبات المدرسیة. في هذه الحالة یجب أن تحاول العوائل أن تکون إلی جانب أطفالها و أن تقوم بالإشراف و العنایة و الرقابة اللازمة و تقدیم المحفّزات الضروریة لهم. قد یبدي الطفل رغبة و اشتیاقاً لإنجاز واجباتة الدراسیة فی بدایات العام الدراسي، غیر أنّ هذه الرغبة تقلّ أو تتقلّص بعد مدّة، و لایخفی حسب رأي ذوي الإختصاص في قطاع التعلیم و التربیة، أنّ حدوث مثل هذه الحالة في أوساط تلامیذ الصف الأول الإبتدائي یعتبر أمراً طبیعیاً و علی الوالدین الإشراف علی مسیرته الدراسیة و لا داعي للقلق حول ما إذا کان الطفل سیصبح متعلقاً بهم دراسیاً أو أنه قد لایتمکن فیما بعد من مراجعة الدرس بنفسه. علیه أن لا یتوقع دائماً أن یکون أحد إلی جنبه حتی ینجز واجباته أو أن یکون هناک من یقرأ علیه مادّة الإملاء أو یکتب له الإنشاء مثلاً.

علینا أن لانقلق من هذه الناحیة. فمساعدة الوالدین في سبیل تعلّم الطفل و وقوفهم معه في المرحلة الإبتدائیة تحظی بأهمیة عالیة. لیس القصد هنا أن تقوم الأم مثلاً بکتابة واجبات طفلها التلمیذ.

لکن الوالدین یمکنهم أن یوفروا المناخ الملائم للطفل کي یراجع دروسه فی رحابه بأمن و هدوء و طمأنینة و ترکیز. الإشراف المباشر الذي یقوم به الوالدان علی الواجبات المدرسیة للطفل، یمکنّهم من الإطلاع و الوقوف علی مکامن الضعف لدیه و بالتالي السعي الحثیث لإزالة ذلک الضعف. إذن علی الأسرة أن تحمل علی عاتقها دور المراقب و المشرف علی الشوؤن الدراسیة للأبناء و علی الوالدین أن یکونا علی صلة وثیقة و حمیمة مع المعلّم لیطلعوه علی الوضعیة الدراسیة لإبنهم و حتی المعلم أیضاً یجب علیه أن یضع والدی التلمیذ في الصورة لأنهما – أي الأسرة و المدرسة – یبحثان عن هدف موحّد و مشترک یتجلّی في مساعدة الطفل بل و تقدمه.

قد یکون الطفل یعاني من الإضطراب و القلق في المدرسة، فما سبب هذا القلق و الإضطراب یا تری؟ إن أحد الأسباب المهمة لقلق التلامیذ الصغار في المدرسة یتعلّق بالأسرة، إذ من الملاحظ أنّ کثیراً من هؤلاء الصغار حین تواجدهم في الصفوف یقلقون علی ذویهم فی الأسرة و یتساءلون بخوف و قلق في أنفسهم، ماذا یجری في بیتنا الآن؟ هل حدث مکروه للأم او الأب؟ هل سیغادرون البیت دون رجعة؟ هذه الأفکار السلبیة التي تخطر ببال التلامیذ و تقضّ مضاجهم و تعکّر صفوهم یمکن أن نعدّها أحد أهم أسباب ظهور القلق و الإضطراب لدی الأطفال فی المدرسة. أما السبب الثاني الکامن وراء هذا الاضطراب الحاصل هو الدرس نفسه. حیث یکثر القلق في نفوس التلامیذ الذین لم یراجعوا دروسهم و لم ینجزوا واجباتهم المدرسیة قیاساً بغیرهم من التلامیذ الذین راجعوا دروسهم و أنجزوا واجباتهم، و یضعف عندهم الإعتماد علی الذات و لایشعرون بالإطمئنان و الإرتیاح النفسي.

أما حول الحصول علی العلامات الجیِدة و الحرص علی تربیة أولاد أذکیاء علی حدّ وصف البعض من أولیاء التلامیذ الذین یسعون لتحقیق هاتین الغایتین یمکن أن نتساءل أهو قابل للدفاع من الناحیة العلمیة أو یمکن تبریره علمیّاً؟ یری خبراء التعلیم أن مسألة حثّ التلمیذ أو مطالبته بضرورة إکتساب درجة عالیة، لیست قابلة للدفاع علمیاً بل ینبغی أن یتخذ الأولیاء أسلوباً آخر یساعد التلامیذ علی التعلم بصورة أفضل و أعمق. فما هو هذا الأسلوب الناجع الذي یعین صغارنا علی تعلّم دروسهم و یسدّد نقاط ضعفهم الدراسیة في ذات الوقت؟ الإجابة تکمن في ذات السؤال لو تأملنا بشکل جید و قد تم تسلیط الأضواء حول ما یجب أن نحیط به الطفل من عنایة و إشراف في الفقرات السابقة من هذا المقال. بعض الوالدین یکرّسون کلّ جهدهم لیحصل إبنهم علی درجة العشرین، هذا الأمر غیرصحیح علمیاً حسب آراء المختصین. إذ تمنع المنافسات الزائدة و المؤذیة، التلمیذ من أن یتعلم و یشق طریقه للتعلیم بشکل طبیعي و تتسبب في إصابته بالإکتئاب، الغضب، العدوانیة و القلق النفسي و تعیق مسیرته الدراسیة و تعرقل تحصیله العلمي.

إذن الأفضل أن یتم الترکیز علی أسالیب و مهارات التعلیم بل المفیدة و المؤثرة منها علی وجه التحدید لأنها کثیرة و متنوعة و یکون من الجیّد المثمر أن نجري بعض البحوث و الدراسات علی هذه الأسالیب العلمیة المفیدة، لنخرج بنتائج تساعد أطفالنا علی الإستمرار بموفقیّة و نجاح في مسارهم التعلیمي. هنا و بناءاً علی ما أشیر إلیه آنفاً لاینبغي أن نقارن طفلنا مع أقرانه و زملاءه فی المدرسة، فهذه المقارنة لاتصح أبداً حتی و لو کانت مع شقیقه أو شقیقته و هي لا تؤثر إیجاباً علی التلمیذ بل تولّد عنده الغیرة السلبیة او الحسد. کل طفل یجب مقارنته مع ذاته، بمعنی أننا یمکن أن نعقد مقارنة بین الواقع الدراسي لطفلنا و بین ما کان علیه سابقاً، کأن نقیس مستواه و نختبره بین العام المنصرم و الحالي، کیف کان یتلقی الموادّ و الدروس في السابق و کیف هو الآن؟ ما هي العلامة التی کان یحصل علیها قبلاً و ما هی فی السنة الراهنة؟ و علیه یمکن القول أن المقارنة بین الطفل و الآخرین لن تؤدی إلی إتخاذ سلوک أفضل بل تسوقهم نحو العنف و الحنق و الحسد و هذا ما لایریده أي إنسان عاقل أن یکون علیه أطفاله من السلوکیات و تصرفات لاتصلح للتربیة.

لایخفی أن مسیرة التعلیم الطویلة تحوی کثیراً من المطّبات و المحطات التي تستلزم الوقوف و المعالجة و البحث المعمّق، من هذه العراقیل، إختلالات التعلّم التی تلاحظ في هذه الفئة العمریة، فهل هذه مشکلة تعلیمیة أم نفسیة و هل تندرج تحت إطار المشاکل التعلیمیة أم المشاکل النفسیة کي یعالجها علم النفس أو السیکولوجیا؟

قد تکون إختلالات التعلم موجودة بشکلها العام و الشامل في أوساط التلامیذ الصغار، بمعنی أن التلمیذ قدیکون مصاباً بها کلّیاً او قد یصاب باختلالات خاصة في مجال التعلم. الإختلال الخاص في التعلم یوجد في ثلاثة مجالات: القرءاة، الکتابة و فیما یتصل بمادة الریاضیات. لذلک یصح أن یقال أنّ إختلالات التعلم إمّا عامة و إما خاصة و الطفل الذی یواجه إختلالاً عامّاً في التعلم فإنه یعاني بالمحصّلة في کافّة مجالات التعلیم. أما الطفل الذی یواجه الإختلال الخاص فیعاني في مجال أومجالین من المجالات الآنفة الذکر. یحتاج مثل هؤلاء الأطفال إلی تعالیم فردیة، أي إضافة إلی المهارات التي یتلقاها في الجمع و بین زملاءه فی الصف، یلزم أن یتلقی تعلیماً فردیاً أیضاً لأنّ هذه الشریحة من التلامیذ تنتفع من التعلیم الفردي (الخصوصی) أکثر من التعلیم الجماعي کما مرّت الإشارة. و هم بحاجة إلی عنایة خاصة في التعلیم و یقوم بهذا الأمر معلمون من نوع خاص. هناک سلوکیات ترتبط بالضعف الدراسي کالخوف من الذهاب للمدرسة یوم الامتحان، یجب معالجة هذه السوکلیات عبر مساعدة الأطفال في تجاوز ذلک الضعف الحاصل لأنه السبب في ظهور تلک السلوکیات و السبیل الأمثل للمعالجة هي تحفیز الطفل للتعلم و مراجعة دروسه بشکل مستمر و تعزیز بنیته العلمیة دون أن نصرخ بوجهه أو أن نستخدم معه أسالیب التخویف و التهدید التي تزید الطین بلّة ما دمنا نرید تحسین وضعه الدراسي.

المصدر:موقع بروال

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑