نحو بلوغ نظامٍ اجتماعي أفضل-محاضرة للاستاذ صلاح سالمي

الاستاذ صلاح سالمي
الاستاذ صلاح سالمي

محاضرة ألقيت في مسجد التقوی في السادس من محرم 1433

مقدمة

هل نحن لغير هذا العصر أم هذا العصر لغيرنا؟ لا أدري أيهما الأصح بأن يقال و لکنّي أعلم بأنّ الحالة المزرية التي نعيشها کمجتمع و السلوک الجماعي الذي نمارسه و شکل العلاقة القائمة بيننا لاتتلاءم مع روح هذا العصر. فبينما تتقلص المسافات بين بني البشر في کافة أنحاء المعمورة بفضل الشبکة العنکبوتية و الأقمار الصناعية و باقي وسائل الإتصال ، نری أن مجتمعنا يزداد تمزّقاً و تفرقةً و تشرذماً ؛ و بينما تتسابق الشعوب في مجالات تقنية الـ «نانو» و الاستنساخ البشري و تسخير الفضاء و غيرها من المجالات التي لاأحسبنا سنقتحمها في يوم من الأيام ، نری أننا کمجتمع نزداد تخلفاً و نتقهقر إلی الوراء.

لست متشائماً کما قد يبدو و أدرک تماماً أن مايجري في مجتمعنا ليس طارئاً عليه و لکنّي أعتقد جازماً بأن الخرق قد إتسع علی الراقع و أن المشکلة قد استعصت علی الحل و الواقع أننا تخلّفنا عن رکب الحضارة. فبالرغم من التطورات الهائلة التي يشهدها العالم من حولنا يبدو و کأننا نعيش في کوکب آخر و بالرغم من استخدامنا لأدوات الحضارة الحديثة في حياتنا اليومية إلا أننا لازلنا نعيش مرحلة البداوة التي “تشکل أولی مراحل تدرّج البشرية في سلّم التطوّر نحو المدنيّة”. 1

و قد تکون النـزاعات القبلية التي تشتعل بين الفترة و الأخری و مايتمخض منها من خراب و دمار ، من أهم مظاهر البداوة. لقد تجاوزت هذه النـزاعات مداها إذ أنها باتت تستدعي إستنفاراً أمنياً من قبل الحکومة لتفريق المتنازعين ؛ و لقد رأينا کيف أن هذه النزاعات التافهة تحصد الأرواح و تحرق الأخضر و اليابس معاً. و من المفارقة أن مجتمعنا يعدّ مجتمعاً متديناً و بناءاً علی ذلک و وفقاً لتعاليم ديننا الحنيف ينبغي أن تکون “کلّ نفسٍ بما کسبت رهينة” 2 و يجب “ألّا تزر وازرةٌ وزرَ أخری” 3 و لکنّ واقعنا المعاش علی العکس من ذلک تماماً. فالقبيلة کلّها مسؤولة عن أي إعتداء يصدر من أفرادها علی الآخرين کما أنها مکلفة بالدفاع عن أفرادها و نصرتهم ظالمين کانوا أو مظلومين. هذه هي العصبية التي تستفحل يوماً بعد يوم حتّی أصبحت تهدّد البنية التحتية للمجتمع. من هنا کان لزاماً علينا أن نتخلی عن مسلک النعامة و أن نمارس دورنا المنشود في مواجهة هذا المد الهمجي البربري الذي لا يمت للإنسانية بصلة.

إنها إذن صرخة..

صرخةٌ في وجه التخلّف..

صرخةٌ لايقاظ الضمائر الانسانية الحية..

و صرخةٌ لاستنهاض کل من يصدق بأنه راعٍ و أنه مسؤولٌ عن رعيته..

صرخةٌ سأطلقها علّني أجد رمقاً فيمن أنادي.

من المسؤول؟

قد يکون هذا هو السؤال الأول و الأهم عند طرح مشکلة التدهور الاجتماعي و قد تختلف الإجابة بحسب من يُطرح عليه السؤال ، و عادةً ما تلقي النزعة الانتقائية الايديولوجية بظلالها علی التحليل و الإجابة. فمنهم من يُدين الدولة و يحملها وحدها وزرَ هذا التدهور و منهم من يُلقي باللوم علی المجتمع القروسطي المتخلّف الذي يقاوم التغيير الايجابي. و بين هذا و ذاک أقول هل يمکن الوصول إلی رؤية دقيقة و شاملة بعيداً عن التعصّب و بعيداً عن الانتقائية؟

قبل الولوج في مقولة ” من المسؤول؟” ينبغي أن نتعرف أولاً علی طبيعة المجتمع و علی طبيعة الدولة حتّی يتسنی لنا في نهاية المطاف الکشف عن العوائق التي تقف أمام بلوغ نظامٍ اجتماعي أفضل!

في طبيعة المجتمع

لامراء بأن طبيعة التکوين الاجتماعي الفسيفسائي في مجتمعنا و الذي يقوم علی علاقة العصبية هو العائق الأکبر أمام تکوين مجتمع مدني يُحترم فيه الإنسان کمواطنٍ يتساوی مع غيره في الدور و القرار و المکانة. و من المسلّم به أيضاً أن المجتمعات البشرية جميعها تزدحم بجماعات متباينة إثنياً و دينياً و طائفياً ؛ فمن النادر جدّاً أن تجد مجتمعاً متجانساً بکافة مکوناته و لکنّ کثيراً من تلک المجتمعات استطاعت أن تندمج لتکوّن شعباً و أن ترتقي لمستوی المجتمع المدني. لقد بلغت الشعوب أعلی مستويات الاندماج إذ أن رجلاً أسوداً من أصول أفريقية يصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريکية مثلاً أو يصبح رجلٌ بروتستانتي من أصولٍ مجارية رئيساً لفرنسا ذات الأغلبية الکاتوليکية. ما الفرق إذن بين مجتمعنا و غيره من المجتمعات؟ قد نجد الإجابة فيما يأتي:

“لا يصبح مجتمعٌ متعددُ التکوين ، فسيفسائي الهيئة ، مجتمعاً عصبوياً بمجرد أنه يزدحم بجماعات فرعية تعرّف نفسها کوحدات مـختلفة عن غيرها بالدين أو المذهب أو الإثنية أو روابط القرابة ، و إنما هو يصبح کذلک _ أي مجتمعاً عصبوياً _ حين تتحول تلک الجماعات إلی کيانات ذات طبيعة مؤسسية. إلی کيانات مغلقة تمثّل بالنسبة إليها وحدات عضوية نهائية في مقابل غيرها علی صعيد وعيها بذاتها”. 4

هنا تکمن المشکلة بالتحديد. إن القبيلة ذات طبيعة مؤسسية. فشيخ القبيلة يمثّل الجهاز الإداري للقبيلة و صندوقها الذي يُنشأ لتسديد خسائر القبيلة يمثل الجهاز الاقتصادي و فتيان القبيلة يمثلون الجهاز العسکري ، و هناک قوانين تنظّم علاقات الأفراد و تؤطرها داخل و خارج القبيلة کما أن لکلّ قبيلة عَلَمها الخاص و نخوتها الخاصة و أمور أخری کثيرة تميّزها عن سائر القبائل.

“نحن هنا أمام حالة من حالات اندفاعة العصبيات الأهلية نحو التمأسس في أطرٍ مغلقة ، خصوصية و غيرعامة… يبدو هذا المجتمع العصبوي بعيداً عن معنی المجتمع الواحد المتجانس و تبدو جماعاته أبعد عن أن تکوّن شعباً بالمعنی الحديث. فهي تقدّم نفسها في صورة قلّات (أقليات) تتمايز عن بعضها في… علاقات القرابة. يهبط معنی الانتماء ، في هذه الحال ، من الانتماء إلی وطن و شعب إلی الانتماء إلی جماعة و عصبية”. 5

المشکلة إذن بالدرجة الأولی ترتبط بطبيعة مجتمعنا و بوعينا بذاتنا. إننا نعرّف أنفسنا کوحدات إجتماعية تتميّز عن غيرها بروابط القرابة و هذا ما يحول دون اندماجنا مع الآخرين اندماجاً يؤهلنا لنکون شعباً و هذا ما يجعل مفاهيم الشعب و الوطن مفاهيم غير مألوفة لدينا. إن الحجر الأساس في تکوين وعينا بالذات هو العصبية. و العصبية ليست إلا “رابطة إجتماعية _ سيکولوجية ، شعورية و لاشعورية معاً ، تربط أفراد جماعةٍ ما ، قائمة علی القرابة ، ربطاً مستمراً يبرز و يشتد عندما يکون هناک خطر يهدد أولئک الأفراد: کأفراد أو کجماعة”. 6

هذه الرابطة تشکل “اللاشعور الجمعي” للجماعات الفرعية المتباينة داخل المجتمع القبلي في حالات الاستقرار و لکن ما أن يتعرض کيان القبيلة إلی خطر خارجي حتی يتحول “اللاشعور الجمعي” إلی “وعيٍ جماعي” يبرز معه فقدان فردية الفرد و تحوّل القبيلة إلی کائن واحد تفنی فيه ذوات الأفراد. ” و هکذا فالفرد لا يتمتع بکيانه الشخصي في المجتمع القبلي إلا داخل عصبة … أمّا خارجها فهو يفقد هذا الکيان تماماً. و من هنا کانت هوية الشخص تُحدّد لا بـ “من أنت؟” بل بـ “إبن من أنت و إلی أی قومُ تنتمي؟” ” 7

هکذا إذن يمکننا أن نفهم طبيعة المجتمع و يمکننا أن نجد تفسيراً لسلوک الفرد داخل القبيلة. السلوک الذي لا يمکن أن نستوعبه إلا إذا وضعنا الفرد في إطاره القبلي. فالفردية “Individualism” في مفهومها الحديث تکاد تکون معدومة في النظام القبلي. ذلک يعني أنّک تری بوضوح طغيان الـ “نحن” علی الـ “أنا” داخل هذا النظام و من هنا کان وضع الفرد يتحدد بما يُملی عليه من قبل القبيلة. ممّا يدلّ علی أنّ الأنا الجماعية هي التي تسيّر الفرد وفق مصلحتها و هي التي تحدّد اتجاهاته و نمط حياته. ن

حن نتحدّث إذن عن مجتمعٍ ممزّقٍ بفعل الترکيبة الاجتماعية التي قلنا أنها ذات طبيعة مؤسسية و أنها تغذّي أفرادها بوعيٍ قائم علی العصبية و هکذا يتحدّد الولاء و الانتماء. فالولاء للعصبية يحل محل الولاء للوطن و الانتماء للقبيلة يحل محل الانتماء للشعب. يبدو هذا المجتمع منحدراً من العهد الوسيط و يبدو کأننا نخوض تجربةً خاضها ابن خلدون في القرن الثامن الهجري. ذلک لأنک إذا ما راجعت مقدمة ابن خلدون و قرأت خصائص العمران البدوي ، ستجد أن البداوة حاضرةٌ بقوة في مجتمعنا العصبوي. فالمنظومة القيمية السائدة الآن تکاد تکون ذات المنظومة التي کانت تسود آنذاک.

فالفضائل الرئيسية لاتزال هي “الشجاعة و الکرم و الضيافة و الولاء للقبيلة و الثأر” 8 کما أحصاها المستشرق براون و محور الثقافة الاجتماعية لا يزال هو “التغالب” کما ذکره الدکتور علي الوردي. فالفرد في مجتمعنا کما الفرد البدوي يريد أن ينتمي إلی قبيلة قوية تحميه و يبدو أنه لولاها لايستطيع أن يستمر في الوجود. و يريد أيضاً أن ينال المکانة المرموقة بين أبناء القبيلة فلذلک يتعصب لها و يثأر من أجلها. و الثأر هذا يأخذ في أغلب الأحيان طابعاً عدوانياً إذ أنه لم يکن لمجرّد الثأر و إنما لتلقين الآخر درساً حتّی لايعود إلی ما فعله ثانيةً و کذلک لإظهار شوکة القبيلة و قوّتها لسائر القبائل. و من هنا يمکننا فهم ظاهرة التسلّح. فبالسلاح تزداد القبيلة قوّةً و به ترتفع مکانة المرء داخل القبيلة. لذلک تری السلاح حاضراً في کافة المناسبات کمجالس العزاء و الأعراس و عند استقبال الحجيج و عند رؤية هلال العيد و … و من الجدير بالذکر أن استخدام السلاح في غير حالات النزاع يکون في معظم الأحيان بدافع الإشعار يعني ذلک أن الفرد القبلي يستخدم السلاح ليُعلِم جاره بأنه مسلّح فيدفع بذلک عن نفسه خطراً محدقاً. و لکن لماذا يلجأ الفرد إلی السلاح؟ و لماذا يحتمي بالقبيلة لرد العدوان عن نفسه؟ أليس حريّاً به أن يلجأ إلی القانون لاسيما في ظل وجود دولة و مؤسسات قضائية؟ و الجواب بکل بساطة هو أن الدولة (بمعنی سلطة القانون)غائبة تماماً في وعي الإنسان القبلي. فالقبيلة تحل محل الدولة في وعيه فيلجأ إليها و يحتمي بأسوارها بل و يعتبر اللجوء إلی غيرها ذلّاً مابعده ذلّ و هواناً لا يجاريه هوان. فلطالما سمعنا هذه الجملة في أوساط مجتمعنا بأنّ: “الشکاية حگ الذلّان” 9

لا أريد أن أسهب في طبيعة المجتمع علی غرار مافعله الدکتور علي الوردي في دراسته القيّمة لطبيعة المجتمع العراقي ، و لکنّي أردت أن أنطلق من واقع المجتمع محاولاً بذلک الوصول إلی الأسباب الرئيسية التي تُعيق حرکتنا نحو التقدم. فالصورة الحقيقية هي کما قدّمتها و بلا رتوش . نحن أمام مجتمعٍ ممزّقٍ مقطّع الأوصال تحکمه العصبيات القبلية التي تجذرت في وعيه عبر العصور و السؤال الآن : هل من سبيل للخروج من هذا الواقع المرير؟ و علی عاتق من ستقع المسؤولية؟

هناک ثلاثة جهات کانت و لازالت تعمل علی التأثير علی المجتمع و تحاول بأن تجعل من نفسها مرجعية للمجتمع. و الجهات الثلاثة هي القانون المتمثل بالدولة و الشرع المتمثل برجال الدين و العرف المتمثل برؤساء القبائل. بالإضافة إلی هذه الجهات الثلاثة سنضيف جهةً رابعةً هی جهة “المثقفين” و سنتحدث عن مسؤولية کل الجهات في التنمية الثقافية.

أولاً: الدولة

المعطی الأول في سياق الحديث عن الدولة هو أن التنظيم الذاتي للمجتمع فيه دلالة کبيرة علی غياب الدولة في وعي المجتمع. فالمجتمع الذي يسعی للالتفاف علی القانون و حلّ مشاکله بنفسه هو مجتمع لايقيم وزناً للدولة و ليس هذا الأمر ممّا يتحمّل المجتمع وحده مسؤوليته و إنما هو يعکس “عجز الدولة نفسها عن توليد دينامية توحيد و تجانس في النسيج الاجتماعي ينشأ عنها ذلک الاندماج الاجتماعي و تتفکک بها الروابط و الأطر التقليدية العصبوية”. 10 و هو عجز يُردُّ إلی غياب مشروعٍ سياسيٍ يقود إلی تکوين مجتمع مدني حديث. و مما يجدر الإشارة إليه في هذا السياق أنه “کلّما تمسّکت جماعةٌ في التاريخ بروابطها الأهلية العصبوية _ أي بما تسميه الانثروبولوجيا الحديثة بعلاقات القرابة _ ارتخت خيوط نسيجها السياسي الجامع و تضاءلت مکانة الدولة في حياتها الجمعية. و کلّما تمسکت بهذا الجامع السياسي ، تراجعت فرص انقسامها العصبوي الداخلي و رسخت الدولة في اجتماعها و تعمقت”. 11

لقد عدنا مرةً أخری إلی المربع الأول: طبيعة المجتمع العصبوي تجعل مفهوم الدولة ضعيفاً في وعي المجتمع و لکي يترسخ مفهوم الدولة و يتعمق ، لابدّ من “إعادة إنتاج التقليد في البُنی الاجتماعية و السياسية و الثقافية و طبعاً تتم العملية بالترافق مع تحديث البُنی المادية”. 12 و هذه هي مسؤولية الدولة لأنها صاحبة السلطة و لأنها المعنية بانتقال المجتمع من البداوة إلی الحضارة و لأنها تشرف علی کل ما يؤثر علی وعي الجماهير من الجهاز التربوي إلی الإعلام المرئي و المسموع و المکتوب. ينبغي أن تعمل الدولة علی رسم مشروعٍ ينقل المجتمع من البداوة إلی الحضارة آخذةً بذلک خصوصية المجتمع بنظر الاعتبار کما ينبغي عليها أن تحتضن النخبة المثقفة من أبناء هذا المجتمع لتستفيد من وعيها لتقويم الاعوجاج و تحسين الاوضاع. لأنه من خلالهم فقط يمکنها فهم المجتمع فهماً صحيحاً و بهم تستطيع أن تقوم بالتنمية الثقافية و أن تُعيد صياغة المنظومة القيمية.

ثانياً: رجال الدين

لقد ارجع ابن خلدون سبب انحراف الاخلاق و العادات و السلوک الاجتماعي إلی العامل الطبيعي أو الشروط المادية للحياة و ” لکن بما أن الانسان يخضع لتأثير العالم المادي خضوعه لتأثير العالم الروحاني ، فإن ذلک الانحراف يزول … بتدخل العامل الثاني: العامل الروحاني الذي يتجسم في الدين أو مايقوم علی أساسه من دعوات و حرکات إصلاحية”. 13

فالدين دعوة و الدعوة تحتاج إلی من يقوم بها و بما أن رجل الدين يرتبط بشريحة واسعة جداً من المجتمع و بما أنه يمتلک منصة إعلامية لا تقلّ تأثيراً عن المؤسسات الاعلامية للدولة فعليه أن يدعوا إلی سبيل ربه بالحکمة و الموعظة الحسنة و أن لا يختزل الدين في حوادث تاريخية مضت عليها قرون.

و أشير هنا إلی أن الانسان البدوي _ حسب رأي ابن خلدون _ أقرب إلی صفات الخير من الحضر لأنه الأقرب إلی الفطرة. و إذا أخذنا برأي الدکتور علي الوردي فيما يتعلق بمفهوم التدين فإنه يعتبر للدين ثلاثة أرکان هي: 1) العقيدة 2) الشعائر 3) الأخلاق. و حين ندرس طبيعة المجتمع نجد الرکنين الأولَين من التدين واضحَين فيه. أما من حيث الرکن الثالث و هو الاخلاق فلقد اعتبر الدکتور الوردي بأن بعض صفات المجتمع البدوي کالصدق و العفة و الأمانة تقربه إلی التدين بينما تبعده صفات أخری هي العصبية و الثأر و الغزو و الاعتداء. 14

من هنا کان علی رجال الدين الاهتمام بالرکن الثالث أي رکن الأخلاق و العمل علی تقوية الجانب الايجابي وتقويض الجانب السلبي من تلک الاخلاق. فالاخلاق قضية جدّ مهمة و هي التي تبين السواء السوسيولوجي من عدمه في المجتمعات.

يقول الشاعر:

إذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتماً و عويلا

ثالثاً: رؤساء القبائل

رؤساء القبائل يمثلون الوازع الذي يرد عدوان الناس بعضهم علی بعض بما وقر في نفوس أفراد المجتمع لهم من الوقار و التجلّة 15 و هم يتحملون قسطاً وافراً من المسؤولية تجاه مايجري في مجتمعنا. فهم يکرسون عن وعي أو دون وعي لظاهرة الانقسام في مجتمعنا العصبوي و هم ربما يکونون أشد الجهات المؤثرة مقاومةً للإصلاح لأن ذلک يتعارض مع ماهيتهم الوجودية ، إذ أن وجود هؤلاء يرتبط ارتباطاً عضوياً بوجود القبيلة. لذلک سأقفل باب الحديث عن هذه الشريحة لأنتقل إلی محور آخر من البحث.

رابعاً: المثقفون

إن الحديث عن المثقف في مجتمعنا حديثٌ ذو شجون و قد يطول و يتشعب و لکن مراعاةً للاختصار أقول بأن المثقفين هم اولئک العصبة الصغيرة الذين يتحلون بالموهبة الاستثنائية و بالحس الأخلاقي الفذ و الذين يدافعون عن المعايير الأزلية للحق و العدل. هم الذين لا يتنازلون عن السلطة الأخلاقية لمصلحةٍ ما و لا يرضخون للواقع الفاسد و الذين يضحون من أجل القيم العليا.

هذا هو باختصار النموذج الذي يقدمه “جوليان بندا” في کتابه “خيانة المثقفين” و الذي يميل إليه “ادوارد سعيد” کثيراً و لکن في الوقت نفسه نجد مثقفي مابعد الحداثة علی طرفي نقيض مع مثقف “بندا _ سعيد”. فمثقفوا مابعد الحداثة يحتفلون بالکفاءة و ليس القيم الإنسانية حتی أن المفکر “ميشل فوکو” ينتصر لـ “المثقف الخصوصي” (روشنفکر ويژه) أو المتخصص البعيد عن القيم و الذي يعمل في فرعٍ من فروع المعرفة و هو الذي احتلّ مکان “المثقف العالمي” (روشنفکر جهانشمول) الذي تحدث عنه سارتر. 16

لقد جری الحديث في أوساط النخبة عن موت المثقف و ظهور المتخصص و لکنّي أعتقد بأنّ هذا الحديث سابق لأوانه في مجتمعنا إذ أن المثقف لم يولد بعد حتی نبشر بموته. و أعتقد بأن ليس من الحکمة أن نتحدث بنبرة مابعد حداثوية إلی مجتمع بدوي. أجل إن المثقف في مجتمعنا لم يولد بعد ذلک لأن نخبنا المثقفة تعاني من فقر أبستمولوجي حاد و أنها عجزت عن صياغة جهاز مفاهيمي متناغم مع الواقع المراد إصلاحه.

فالأحری بنا أن لا نقفز علی واقعنا و أن نضطلع بالمهام الرئيسية الملقاة علی عاتقنا. فليس أمامنا سوی خيارين: إما أن نتحالف مع هويتنا و تقاليدنا السائدة أو أن نقف بوجه تلک الأعراف الزائفة و أن نکون أمناء لمعايير الحق الخاصة بالبؤس الاجتماعي.

فالمثقف في جوهره ناقد اجتماعي ، إنه الشخص الذي يساهم في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعي أفضل ، نظام أکثر إنسانية و أکثر عقلانية. إنه بذلک يصبح ضمير المجتمع. 17

أما المثقف في مجتمعنا و الذي کان ينبغي أن يکون محرِّراً قد أصبح بحاجة إلی من يحرره من أوهامه النخبوية. فقد أمسی المثقف جزءاً من المشکلة بدوغمائيته الفکرية و عدم قبوله للرأي الآخر. و لعل حالة التباعد و التنافر بين نخبنا المثقفة هي خير دليل علی ما أقول. فعلی المثقف أن يتوجه بالنقد و السؤال إلی نفسه و أن يبحث عن العوائق الأساسية التي تمنعه من الانتاج و الابداع و من ثمّ يتوجه إلی المجتمع بالنقد لغرض الإصلاح. 18

أعود و أؤکد بأننا ينبغي أن ننطلق من واقع مجتمعنا و أن ندرس المجتمع في إطار منظومته القيمية و أن لا يکون حوارنا منقطع الصلة بواقع الحياة اليومي للمجتمع. و طبعاً لا أعني بالصلة ، إتصال قبول أو رضوخ و إنما صلة التفهم من أجل التغيير و الإصلاح. و هذا ما لا نجده عند الکثير من مثقفينا. فمعظمهم يعيشون في وهم الثقافة الرومانسية و يمارسون الترف الفکري و يسعون إلی تنصيب أنفسهم أوصياء علي مقدرات المجتمع و مصالحه و لکن دائماً يفاجئون بما لا يتوقعون و يفشلون علی أرض الواقع.

إذن هذه کانت الجهات الأربعة التي تقع علی عاتقها مسؤولية التنمية الثقافية و إعادة بناء المنظومة القيمية. فالتنمية لا تحصل بالتمني بل لابد من أن تتوفر الإرادة لدی الجهات المسؤولة لإصلاح الوضع الراهن و لابد من أن تتضافر الجهود للنهوض بالمجتمع إلی مکانة تقتضيها طبيعة العصر الحديث. فلقد ولّی الزمان الذي کان فيه القوي يغلب الضعيف و أصبحنا في زمان يغلب فيه السريعُ البطيء.

———————-

الهوامش:

1- محمد عابد الجابري ، العصبية و الدولة ص 64

2- سورة المدثر /38

3- سورة النجم/38

4- عبدالإله بلقزيز ، الدولة و المجتمع ص 62

5- نفس المصدر ص62

6- محمد عابد الجابري ، العصبية و الدولة ص 168

7- نفس المصدر ص 170

8- الدکتور علي الوردي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ص 37

9- مثل شعبي مغزاه بأن اللجوء إلی القانون دليل علی ضعف المرء و فيه انتقاص کبير لرجولته.

10- انظر عبدالإله بلقزيز ، الدولة و المجتمع ص 63

11- عبدالإله بلقزيز ، الدولة و المجتمع ص 13

12- انظر عبدالإله بلقزيز ، الدولة و المجتمع ص 81

13- محمد عابد الجابري ، العصبية و الدولة ص 149

14- انظر الدکتور علي الوردي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ص 100

15- انظر محمد عابد الجابري ، العصبية و الدولة ص 164

16- انظر نقش روشنفکر – ادوارد سعيد

17- انظر محمد عابد الجابري ، المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية

18- انظر علي حرب ، أوهام النخبة

المصدر:مدونة الاستاذ صلاح السالمي

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑