الزواج فی المجتمع الأهوازي،قضایا وأبعاد(1)و (2)- بقلم خالد الكعبي

(2)-مفهوم الزواج :

إن تحدید المفاهیم ابتداءً أمرُ في غایة الأهمیه لتناول أی موضوع، إذ أن تحدید المفهوم یبین طبیعة الحقل الفکري الذي ینتمي إلیه من خلال نظرته له، و المعبر عنها في صیاغته اللغویة ، و بعبارة أخری یمکن القول بأن فهم النظرة الفلسفیة لأی فکر بالنسبة لموضوع معین یعتمد بدرجةٍ کبیرة علی تعریفه لمفهومه، هذا من ناحیةٍ ، ومن ناحیةٍ أخری فإن تحدید المفهوم مسألة ضروریة من أجل وضع قاعدة مشترکة یتم الإتفاق علیها و الإنطلاق من خلالها لمناقشة الموضوع قید البحث مناقشةً بناءة موضوعیة، و إثرائه بمختلف الآراء و النظریات للخروج منه بنتیجة علمیة أحاطت به من جمیع جوانبه . و لعل اغفال الأهمیة البالغة لمنهجیة تحدید المفاهیم هو ما یقف خلف التباینات الشاسعة في الأفکار و الرؤی ، و ما یؤسس علیها من مواقف و توجهات في المجتمع الأهوازي عامة و بین أوساطه الثقافیة خاصة کمحصلةٍ طبیعیة لابد أن یؤدی لها عدم الإتفاق علی لغةٍ واحدةٍ مشترکة تکون لغة التواصل بین الجمیع ، فعندما لا تحیل المفاهیم إلی نفس المعاني و الأفکار و الصور الذهنیة بین مختلف الأطراف لن تکون هناک قاعدة مشترکة تلتقی علیها الآراء و التصورات وتتبلور عندها الأفکار و النتائج ، و بالتالی یظهر الخلط بین کل شیء ، بین السیاسی و الدینی و بین الثقافی و السیاسی و بین الدینی و الثقافی و بین التاریخي و الدیني ، و من الطبیعي بعد ذلک أن یحدث التباعد و ینعدم التوافق لأن کل طرف لا یستمع أو بالأحری لا یسمع إلا خطابه هو لأنه لا یفهم و لا یعی إلا مقولات هذا الخطاب فقط ، الأمر الذی یفسر أزمة الفکر التي یعاني منها هذا المجتمع ، و الناتجة بدورها أساساً عن أزمة المفاهیم السائدة لدرجةٍ یبدو معها أنه مجتمع الأزمة بکل ما تحمله الکلمة من معاني و شحنات سلبیة ، و کأن قدره أن یظل تائهاً تتقاذف مرکبه أمواج الأزمات دون أن یدری أین شاطئ أمانه و متی ساعة مرساه.

من هذا المنطلق لابد أولاً من تحدید المفهوم المرکزی في الموضوع الذي نتناوله هنا و هو الزواج ، فالزواج في اللغة العربیة یعني الإقتران و الإزدواج ، فیقال: زُوجَ بالشيء ، و زوجه إلیه أی قرنه به ، و تزاوج القوم أی تزوج بعضهم بعضاً ، و الإقتران و المزاوجة بمعنی واحد.

فالإقتران یعنی الإرتباط الوثیق ، فیقال : اقترن بالشيء أی ارتبط به ، و مقترن به یعنی مرتبطُ به ارتباطاً وثیقاً لدرجةٍ یصعب معها الفصل ، و بما أن المزاوجة و الإقتران شيء واحد فإن الزواج یعنی الإرتباط الوثیق الذی یصعب فصله. و من هنا یظهر معنی المصاهرة التی تطلق علی العلاقة الجامعة بین الأسر المرتبطة فیها بینها عبر هذا الإرتباط ، فیقال تصاهر القوم أي انصهر و ذاب بعضهم في بعض کنایةً علی قوة الرابط و عمق الصلة الجامعة بینها.

و الزواج اصطلاحاً هو العلاقة التی یجتمع فیها رجلُ یدعی«الزوج»، و إمرأة تدعی «الزوجة» لبناء أسرةٍ متعارفٍ علیها ، و لها أساسُ في الدین و القانون و المجتمع ، و هي الإطار المشروع للعلاقة الجنسیة و إنجاب الأبناء لتلبیة غریزة الإنسان الجنسیة و النوعیة، أی نزوعه نحو الحفاظ علی امتداده و سلالته.

فلسفة الزواج:

إن عملیة فلسفة الموضوعات المختلفة التي نتناولها في البحث و الدراسة خطوةُ بالغة الأهمیة تجاه تقصي حقیقتها و تحقیق فهماً موضوعیاً لها. من هنا تظهر ضرورة البحث في فلسفة الزواج و حکمته، و الضرورة سوف تصبح مضاعفة إذا أضفنا إلیها ما تعرض له هذا الموضوع من تبسیطٍ کبیرِ أبعده عن حقیقته الفعلیة و ذلک عندما تم حصره في مجرد کونه سنةً إجتماعیة فطریة من أجل تلبیة الجانب الغریزي الجنسی عند الإنسان، إضافةً إلی حفظ النوع أو الجنس البشري ، الأمر الذي أدی إلی إفقارٍ کبیر و اختزالٍ متعسف لمضمونه الأسمی و غایته الأنبل . صحیحُ أن الجانبین المذکورین هما أحد عناصر تلک الفلسفة ولکنهما لا یشکلان عناصرها الرئیسیه …فکیف ذلک؟

إن تلبیة الرغبتین الجنسیة و النوعیة بالمعنی الغرائزی الصرف من الممکن أن یتم خارج إطار الزواج، و بالتالی لا حاجة لتنظیمها و إضفاء المشروعیة علیها ضمن علاقةٍ تحکمها قوانین و شرائع مادام الهدف غرائزيٌ خالص، الأمر الذي یعني الإنحدار بالإنسان إلی المستوی الحیواني الذي تتحکم فیه الغریزة و لیس أی شيء آخر . إن فلسفة الزواج و حکمتها تنبتق أولاً من مفهومه الذی یعني الإرتباط الوثیق الصعب الفصل ، هذا الإرتباط الذي یرتقی بالإنسان فوق مستوی الغریزة ضمن علاقةٍ مشروعه تخضع لضوابط و تحکمها قوانین دینیة و اجتماعیة و أخلاقیة مهما اختلفت في حیثیاتها من دیانةٍ لأخری و من ثقافةٍ لأخری، فإنها تجتمع من ناحیة کونها تضفی علیه المعقولیة التي تمیزه عن غیره من الکائنات، فلا تکون المسألة حین إذن مجرد تلبیة غریزة أو حاجةٍ ملحة ، و إنما تکون جزءً أصیلاً من إنسانیة الإنسان المکرم و المفضل علی غیره من المخلوقات . من ناحیة أخری فإن الزواج بالمعنی المذکور من حیث کونه ارتباطاً بین رجلٍ و امرأة هو الأساس المکین الذي تقوم علیه الأسرة، و غنيُ عن البیان القول بأن الأسرة هي من یشکل النواة الأساسیة للمجتمع ، کما تشکل المنظومة القیمیة و الحاضن التربوي للفرد ،و تبعاً لذلک فإن الأسرة کوحدة إجتماعیة ترتبط بالکیان الإجتماعي العام بعلاقاتٍ تفاعلیة مختلفة، الأمرالذي یعني بناءً إجتماعیاً سلیماً قائماً علی أساس المشروعیة الناظمة لعلاقاته المکونة لنسیجه العام و یدفع بالمجتمع تجاه الإنتاج و التطور . و یظل الزواج من هذا المنطلق حاجةً حقیقیةً ملحةً جداً من أجل إنسانٍ متزن و مجتمع متوازن ، و لیس أدل علی هذه الحقیقة من نماذج تلک المجتمعات التی تعانی التفسخ و الإنحلال بعدما تحولت عن الزواج و نظرت إلیه باعتباره فکرةً نمطیةً تقلیدیة تحد من حریة الإنسان ، یمکن الإستغناء عنها و تجاوزها و تشکیل بدیل أو بدائل لها إستناداً إلی فهم مغلوط لمبدأ الإرادة الحرة و الحق الطبیعي ، مما أدی إلی تحول خطیر في النسیج القیمي للأسرة تحوَّر علی إثره المعنی العام للأسرة و مضامینه المتعارف علیها إلی معنی آخر ینشأ بدعوی الإرادة و یقوم علی أساس الإختیار الحر، فظهرت تبعاً لذلک أشکال متنوعة للأسرة کتلک التي تشمل الأبناء بالتبني و الأخری المثلیة الناتجة عن «زواج» المثلیین جنسیاً (أنثی/أنثی،ذکر/ذکر) ، کما شاعت ظاهرة الممارسات الجنسیة الحرة و ازدادت نسبة الأطفال غیر الشرعیین و ارتفع معدل انتشار الأمراض الساریة بشکلٍ مضطرد، فصارت تجد نفسها الیوم ترضخ تحت وطأة أزمة بنیویة کارثیة تهدد کیانها و تعصف بوجودها و تدق لها کل نواقیس الخطر التي تملکها.

(1)-

المقدمة :

لماذا الزواج؟..و لماذا موضوعه؟!.. سؤالٌ تکرر علی مسامعی مراراً و طرح علی تکراراً، و کأن لسان حال قائله یردد :«مالک أنت و موضوع کهذا تنتمی قضایاه و أبعاده إلی مجالٍ هو جزءٌ من الحقل المعرفی للعلوم
الإجتماعیه ، مجالٌ لیس لک فیه ناقةٌ و لاجمل کما لا تملک تخصصاً یمت إلیه بأیة صلةٍ تذکر ..لا من قریب و لا من بعیدٍ حتی!!».

لا شک أنها تساؤلاتٌ مشروعة، کما أن ما تحمله من نقدٍ معلنٍ أو مبطن هو نقدٌ وجیه و موضوعی لاخلاف علیه، إلا إننی مع ذلک انطلقت بالبحث في هذا الموضوع من خلال قناعةٍ أحملها تتعلق بالتوجه الفکری الذی أسلکه . فالعمل الثقافی بمجتمع کمجتمعنا مازال یتلمس خطاه الأولی فی رحلة الإصلاح لیشق بدایاته نحو طریق التغییر و البناء، بحاجهٍ ماسة لتظافر کل الجهود و الإمکانات للنهوض به و الأخذ بیده حتی یتسنی له حیازة القدرة التی تمکنه من الأخذ بزمام المبادرة، و من تفعیل دوره المجتمعی و تطویره لکی یصح دوراً محوریاً ، مرکزیاً و مؤثراً في مجریات أحداثه کما یحب أن یکون علیه، من حیث کونه یصنع الفکر و یبلور المفاهیم و یجدد دورة الحیاة الثقافیه للمجتمع و یبث في عروقها دماء معانٍ متجددة و رموز أصیلة، تبعثها من سباتها و تُبرِؤُها من أسقام التخلف و الجهل التی أسفر عنها رقادها الطویل .

و لأنه کذلک فهو یحتاج وفق ما أعتقد فی هذه المرحلة من تاریخه إلی نشاط موسوعي یدس أنفه في کل حقلٍ و مجال بالنقد و الإعتراض تارة، و بالتفکیر و التساؤل تارةً أخری.. و بطرح الرؤی و صیاغة الحلول إن أمکن تارةً ثالثه . و هو ما یتطلب تجاوز مسألة الإختصاصات و عدم التوقف عندها من أجل تحقیق التراکم الثقافی المعرفي المطلوب في تنمیة و تثمیر مختلف الأعمال الفکریه و العلمیه و الأدبیه، وصبها بسیاقات رافد الإصلاح و التغییر و توجیهها في مسیرة البناء و الإنماء ، لاسیما و أننا مازلنا نفتقر إلی وفرة الکفاءات المتمیزة في مجالات اختصاصاتها ، کما أننا مازلنا نعانی من ندرة الإختصاصات التی تستطیع الإحاطة بعدید احتیاجات قضایانا الفکریة و المعرفیة و الثقافیة و تلبیة مستجداتها. و هو أمر لابد من الإعتراف به و مواجهته بشجاعهٍ ننزع من خلالها ثوب النعامة الذی استمرءنا تَقَمُّصَهُ ، إذا ما کنا صادقین فیما ندعی و نزعم ، و إذا ما أردنا أن نکون موضوعیین فیما نقدم و نطرح.

من هنا جاء هذا الموضوع في محاولةٍ سعت أن تتناول قضایاه المختلفة وابعاده العدیدة بأقصی ما أمکنها من جهد لم تدخر منه شیء علی الإطلاق، و حسب ما وفرته لها أداوتها المعرفیة و العلمیة . فخرج هذا البحث یتصدره تمهید أوضحت فیه أهمیة موضوعه من خلال النتائج المترتبة علیه، ثم تناولت بعده مفهوم الزواج، حیث بیّنت أهمیة هذه الناحیة المفاهیمیة بالنسبة لمختلف المواضیع التی نتداولها من حیث ضرورتها في التوصل للغةٍ مشترکة في الحوار و قاعدة یمکن الإرتکاز علیها و الرجوع إلیها متی اقتضت الحاجة . بعدها تطرقت إلی الجانب الفلسفی في موضوع الزواج کقضیة من الأهمیة بمکان فلسفتها شأنها شأن بقیة القضایا الأخری التي نرید البحث فیها و تقصی ماهیتها و التوصل إلی فهمها فهماً موضوعیاً ، من ثم تحدثت عن الرؤیة الإسلامیة لموضوع الزواج، لأنتقل بعدها إلی أرکان و أسس الزواج الناجح حیث بحثت فیها عبر عدة محاور تتفاعل خلالها ثلاث رؤی تتقاطع في المجتمع لکل منها جذوره الثقافیة و مرجعیته القیمیة الأخلاقیة و تطلعاته الخاصة الناجمة عنهما. ثم انتهیت أخیراً إلی تخصیص قسم لبعض الظواهر الإجتماعیة المرتبطة بموضوع الزواج في المجتمع ، فکانت ثمانیة نقاطٍ حاولت خلالها إستقصاء أثرها علی الزواج و تأثیرها في عملیة نجاحه سلباً أو ایجاباً.

إضافةً إلی ذلک فلقد کانت قضیة المرأة حاضرة فی هذا الموضوع ، لیس فقط لأنها أحد طرفیه الرئیسیین وإنما – وهذا هو الأهم – لأنها أکثر فئات المجتمع ظلماً وقهراً وأشدها غبناً وتغییباً ، ولأنه لا إصلاح ولا تغییر مالم تسترجع کافة حقوقها الإنسانیة المهدورة وتستعید مکانتها الإجتماعیة المسلوبة ، التی بها وحدها یتحقق التوازن لهذا المجتمع الواقف علی رکنٍ واحد ، متجاهلاً رکنه الآخر المتمثل بالمرأة ، الامر الذی ما زال متسبباً لغایة هذه اللحظة فی استمرار کبواته و شل قدراته وإجهاض محاولاته الرامیة نحو النهوض.

ولأن النقص والقصور جزءٌ من طبیعة العمل الإنسانی فالکمال لله وحده سبحانه وتعالی ، لذالک لا أدعی إحاطة هذا البحث بکل تلابیب الموضوع ، کما لا أدعی أن ما جاء به هو الحق الیقین و بمثابة القول الفصل الذی یبطل أمامه الحوار وتترفع منزلته علی النقد والنقاش ، فکل ما ورد به من آراءٍ وتوجهات ، وکل ما ذهب إلیه من استنتاجات .. کل ذلک لا یعدو کونه أکثر من اجتهادات قد تصیب وقد تخطئ ، فإن أخطأت فمن نفسي و إن أصبت فمن الله ، هو وحده ولی التوفیق.

تمهید:

إختلف العلماء والمفکرون حول النظرة إلی الإنسان من حیث تصنیفه بین الکائنات ، و تبانیت فی ذلک رؤاهم واستدلالاتهم ، وبالتالی نتائجهم التی توصلوا إلیها ، والأحکام التی أطلقوها علیه والصفات التی ألحقوها به ، کلٌ وفقاً للمنظار الذی ینظر من خلاله والمحدد من قبل المجال الفکری الذی ینتمی إلیه والحقل العلمی الذی یبحث فیه.

الفلاسفة القدماء یرونه کائناً عاقلاً أو مفکراً یحرکه العقل الذی یمیزه عن بقیة الکائنات ، ویسیطر علی الجانب الحیوانی فیه والمتمثل بغریزته الفطریة بمختلف جوانبها ، فیتوجه سلوکه نحو السلوک الإنساني المتعقل المتفکر الذی یکون الإنسان به إنساناً ذو إرادةٍ حرة تامةٍ تتناسب طرداً مع قدرته علی استخدام عقله واستثماره . أما الفلاسفه المحدثون فإنهم یتجاوزون هذه النظریة و یقللون من شأن العقل وقدرته الذاتیة بشکلٍ منفرد مستندین إلی معطیات علم النفس الحدیث ونظریة اللاشعور ، ویرون أن العقل غیر وحیدٍ فی توجیه سلوک الإنسان وإنما یخضع أساساً لتوجیه العقل الباطن أو اللاشعور الذی یصفونه بأنه مستودع الرغبات المکبوتة لدی الإنسان مذ ولادته ، وهی المفسِّر الفعلی لمعظم الظواهر التی تبدو علیها سلوکیاته السلبیة المختلفة ، کما أنه فی الوقت مکمن الإبداعات والإمکانیات الهائلة التی یتمتع بها الإنسان والتی تظهر متی توافرت الشروط البیئیة الملائمة لإنطلاقها من عقالها ، و بمعنی آخر هو مستودع المتناقضات والمتنافیات، إلا أنهم – أی الفلاسفة المحدثون – یتفقون مع تلک النظریة من ناحیة أن الإنسان کائنٌ مفکر ما یجعله فی تسائلٍ مستمرٍ عن نفسه والعالم والآخرین وهم یعرفونه علی أنه کائنٌ إشکالي.

بینما یراه علماء الإجتماع کائناً أجتماعیاً یخضع تفکیره العقلی إلی توجیه البیئة الإجتماعیة التی ینتمی إلیها بما توحیه إلیه من قیم ومعارف ومعتقدات تشکل منظومته القیمیة المعرفیة التی توجه سلوکه وتکون صاحبة السلطان الحقیقی علیه من خلال تقدیمها المرجعیة الأخلاقیة له بحیث تمثل هذه المرجعیة منشأ الواعز الداخلی والرقیب الذاتی کما تمثل منشأ الضمیر الوجدانی عنده و الذی یتحرک وفقاً لمعاییرها و قیمها ، الأمر الذی یفسر اختلاف النظرة والتقدیر للظواهر والسلوکیات المتشاهبة من مجتمعٍ لآخر ومن ثقافةٍ لأخری فما یکون مقبولاً وبدیهیاً لدی جماعة قد یکون مرفوضاً ومشینأ لدی جماعةٍ أخری ، ویری علماء الإجتماع أن العقل لیس سوی أداة یتحرک بإیعاز من البیئة الإجتماعیة ولا یشذ فی تفکیره عن الإطار العام الذی ترسمه له ، فیُسخِّر تبعاً لذلک طاقاته للعمل من أجل مصلحة جماعته التی ینتمی إلیها . أما علماء اللغة فإنهم یرونه کائناً ناطقاً أو کینونة لغویة باعتبار أن اللغة هی المکان الرئیسی للفکر والمعبر الحقیقی عنه و أداة التواصل الإجتماعیة النافذة ، فاللغة التی تحدد القدرة علی الکلام هی نفسها التی تحدد القدرة علی التفکیر ، هی نفسها المعبرة عن البیئة الإجتماعیة التی ینبثق منها الفکر ، فیها یتعرف الإنسان إلی ذاته ویتمایز عن غیره ، و بها تتشکل ذاکرته ومن خلالها تتجلی طریقة تفکیره ونمط معقولیته.

وغنيٌ عن البیان القول أن هذه الآراء حدیثة حداثة العلوم التی تنتمی إلیها، ولکن ما یهمنا منها هو ذلک الکائن الجامع بینها ، الکائن العاقل المفکر الإجتماعی الناطق ، الکائن الذی استوعبت الرؤیة الحضاریة الإسلامیة له کل تلک التصنیفات ، فقررت أنه الإنسان الذی خلقه الله فی أحسن تقویم ، قال سبحانه وتعالی ( لقد خلقنا الإنسان فی أحسن تقویم )[1]

الإنسان الذی کرمه الله وفضله علی الکائنات ، قال جلَّ وعلا ( ولقد کرمنا بنی آدم وحملناهم فی البر والبحر ورزقناهم من الطیبات وفضلناهم علی کثیرٍ ممن خلقنا تفضلا)[2]، الإنسان الذی وهبه الله إرادةً تامة وجعله مسؤولاً عن أفعاله وتصرفاته وجعل الثواب والعقاب تبعاً لها ، قال تعالی ( فمن یعمل مثقال ذرةٍ خیراً یره ، ومن یعمل مثقال ذرةٍ شراً یره)[3]، ما یهمنا هو هذا الإنسان الثروة الحقیقیة لکل شعبٍ ولکل أمة ، الثروة التی لا تنضب أبداً ، الثروة المُولدة المنتجة و فکیف نبنی هذا الإنسان الثروة؟ ومن أین نبدأ هذا البناء ؟ للإجابة عن السئوال الأول لابد ابتداءً من الاجابة عن السؤال الثاني ، ذلک أن البدایة المناسبة وحدها ما یحدد الکیفیة السلیمة والناجحة . والبدایة فی أي بناءٍ یراد له أن یکون قویاً متیناً لابد أن تبدأ من القواعد، من الأسس ، و الأسس هنا لیست غیر الأسرة ، فلابد أولاً من تأسیس الأسرة السلیمة التی تشکل المنظومة القیمیة والحاضن التربوی للفرد ، و النواة الأساسیة للمجتمع الناجح المتطور القادر علی بناء الإنسان الثروة. والأسرة بطبیعة الحال لا تنشأ إلا من رجل وامرأة یجمعهما رابط الزواج الذی یمثل التأسیس الحقیقی للأساس المراد البناء علیه، لذلک یجب التوجه أولاً إلی ذلک الأصل التأسیسی المتمثل فی رابط الزواج کقضیةٍ یجب تناولها فی مجتمعنا بکل أبعادها ومن جمیع جوانبها الإجتماعیة والدینیة والإقتصادیة والثقافیة ، للوصول فی النهایة إلی تحدید ماهیة الزواج الناجح الذی یترتب علیه إنشاء الأسرة السلمیة القادرة علی إنتاج بذرة الإنسان الثروة ، الإنسان الفاعل المنتج …. وهو الغایة والهدف .

المصدر:موقع بروال الأهواز

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑