صحيفة الشرق الأوسط – انفجرت في الأحواز أخيراً، حوادث تطالب باستقلال الإقليم عن إيران وبحقوق قومية وسياسية. وهي ليست مطالبة جديدة، فهناك سلسلة من الانتفاضات، انطلقت بعد ضمها إلى الدولة الإيرانية مباشرة من قبل الشاه رضا خان بهلوي، وبقيادة الجنرال زاهدي. ومنها انتفاضات تموز 1925، و1928، و1936، و1940، و1946.. وأغلبها كان بقيادة أولاد وأحفاد وأتباع الشيخ خزعل الكعبي. وتشكلت إثر ذلك حركات سياسية منها حزب «السعادة» 1946، وحزب «تحرير عربستان» 1956، و«الجبهة الوطنية» 1964، و«جبهة تحرير الأحواز»، وحركات أُخر.
والأحواز بلاد غنية بنفطها ومائها، استخرج النفط من أرضها عام 1908، في مدينة مسجد سليمان. وأشهر أنهارها نهر الكارون، النابع من جبال زغروس والصاب في شط العرب، طوله 1300 كم، ويقسم الأحواز إلى قسمين: الناصرية، المعروفة في التاريخ العربي بناصرية العجم، والأمينية. وعرف العرب المسلمون الكارون بدجيل الأحواز، تمييزاً عن دجلة العراق. ونهر الكرخة النابع من جبال بشتكوه والصاب في هور الحويزة، ونهر الجراحي وغيرها. والبلاد الغنية بنفطها ومائها وبشرها وثروتها الأثرية ـ كانت منزلاً لحضارات غابرة ـ لا تترك لأهلها بسهولة بعد هيمنة زادت على ثمانين سنة من قِبل الدولة الإيرانية. بيد أن مالا يُحمد من الأحواز هو مناخها، فهو «منتن وذميم، وفي النهار السموم، وفي الليل بق وبراغيث كالذئاب» (بلدان الخلافة الشرقية عن المقدسي). وما زالت توصف بذلك. لكن على الرغم من هذه السمعة السيئة، ظلت الأحواز حية منذ فجر التاريخ، ففيها من الخير العميم ما يعوض عن رداءة المناخ.
ومَنْ يتفحص أحوال الأحواز، يجدها كياناً جغرافياً واجتماعياً وتاريخياً مميزاً عن أقاليم الدولة الإيرانية الأخرى، فهناك اللغة العربية السائدة، والعادات والتقاليد المتناغمة مع عادات وتقاليد الجنوب العراقي إلى حد كبير، وعلى وجه الخصوص البصرة، وسلسلة جبال زغروس أو البختيارية الفاصل الطبيعي بين الأحواز وإيران ككل. يدعم هذا التمايز حوادث التاريخ القديمة والإسلامية، التي قدمت المنطقة ككيان قائم بذاته. يحد بلاد الحوز العراق من الغرب، والخليج العربي بأغلب دوله من الشمال والشمال الشرقي، ومن جهة إيران تحدها سلسلة الجبال المذكورة. وهي بلاد واسعة قياساً بدولة مجاورة لها، بلغت مساحتها حوالى 375 ألف كيلومتر مربع، اقتطعت من جنوبها أحد عشر ألف كيلومتر مربع أضيفت لمنطقة فارس. ومن شرقها اقتطعت عشرة آلاف كيلومتر مربع أضيفت إلى أصفهان، ومن جنوبها اقتطعت أربعة آلاف كيلومتر مربع أضيفت إلى محافظة لورستان. ينبيك هذا الاقتطاع أن الأحواز مكان مؤقت بالنسبة للدولة الإيرانية، رغم كل التبدلات التي أُجريت فيها، من تبديل أسماء المدن إلى اجراءت اتخذها مجلس الأمن القومي الإيراني، القاضية في تغيير تركيبتها القومية والاجتماعية.
قال ياقوت الحموي في تبدل اسمها من الأحواز إلى الأهواز: هي الأحواز، لكن الاستعمال الفارسي للاسم حولها إلى الأهواز «لأن ليس في كلام الفرس حاء مهملة، وإذا تكلموا بكلمة فيها حاء قلبوها هاء، فقالوا في حسن هسن، وفي محمد مهمد، ثم تلقفها منهم العرب فقلبت بحكم الكثرة في الاستعمال، وعلى هذا يكون الأهواز اسماً عربياً، سُمي به في الإسلام» (معجم البلدان). وأطلق عليها الصفويون تسمية عربستان، وذلك لغلبة العنصر العربي فيها. وبسبب حرف الحاء أيضاً، ولربطها بالتسمية الفارسية، أُطلق عليها في العهد البهلوي، منذ 1925، تسمية خوزستان وما زالت كذلك.
تعد الأحواز موضع الحضارة العيلامية، التي ما زال الجدل يدور حولها في أن تكون أصلاً للحضارة السومرية، إلا أن الملك البابلي حامورابي (1750 ـ 1792 قبل الميلاد)، ضم عيلام أو الأحواز إلى مملكته لتكون جزءاً من بابل. وبعد حوالي ألف عام، رد ملك عيلامي الغزوة بغزو أرض بابل، وقيل استولى على نصب الإله مردوخ ومسلة شريعة حامورابي، ونقلها إلى أرضه، وظلت هناك حتى عثر عليها المستكشفون الآثاريون لتحفظ في متحف اللوفر بباريس. وقد عثر على المسلة عام 1901 في مدينة السوس الأحوازية، وهي عاصمة الدولة العيلامية، ومن آثار الماضيين فيها قلعة العيلاميين، ومقام النبي دانيال.
دخلها أبو موسى الأشعري بعد فشل محاولات المغيرة بن شعبة وعتبة بن غزوان أمام دهقانها البيروان، ليبدأ عصرها الإسلامي السنة 17 من الهجرة، وربطت بإدارة البصرة. ومن بين بيوتها ظهر أبو المغيث الحسين بن منصور الحلاج (قتل 309هـ). ومنها أتت العراق طلائع القرامطة، لتنتشر على يد مكري الثيران حمدان بن الأشعث القرمطي. ومن أسماء قرى الأحواز الحاضرة في التاريخ الإسلامي جبى أو جبا، التي انتسب إليها شيوخ المعتزلة مثل أبي علي الجبائي، وولده أبي هشام الجبائي. وأصبحت الحويزة الأحوازية عاصمة لدولة المشعشعين (حوالى 827هـ)، ومنها وصلوا إلى النجف وبغداد بقيادة السيد محمد بن فلاح المشعشع، وقيل سمي بذلك لجماله، وهو أحد المدعين بالمهدوية.
في العصور الحديثة، وفي غمرة الصراع بين الدولة العثمانية والصفوية، قسمت الأحواز بموجب معاهدة أرضروم (1821)، إلى صفوية وعثمانية. لكن لم تمضِ فترة قصيرة حتى خرق العثمانيون المعاهدة، وبسطوا سيطرتهم على الأحواز كاملة، وارتبطت بإقليم العراق أو بولاية البصرة. ثم عادت مقسمة بموجب معاهدة أرضروم الثانية. ومن جانبه، اعترف شاه إيران عام 1857 بإمارة أحوازية مستقلة. بعدها حاول الأمير خزعل بن جابر الكعبي، وهو أبرز وأشهر وآخر أمراء الأحواز، الميل إلى بريطانيا من أجل استقلال إمارته عن العثمانيين والصفويين. وتعدت مطامح خزعل إلى المطالبة بعرش العراق، ليؤكد ارتباط الأحواز بالعراق لا بإيران. وحجته في منافسة طالب النقيب وفيصل بن الحسين على عرش العراق وجود الغالبية الشيعية، وإنه المؤهل كأمير إقليم وشيخ عشيرة كبيرة، إلا أنه تنازل عن المطلب أمام إصرار بريطانيا لتنصيب فيصل ملكاً. وبعد سنوات من سيطرة رضا خان بهلوي على الأحواز، أُسدل الستار على زعامة المنطقة التاريخية بموت الشيخ خزعل بطهران 1936.
كان أسوأ الأيام في تاريخ الأحواز الحديث، عصر الشاهات والآيات، يوم اجتياحها من قبل الشاه رضا خان بهلوي في 20 إبريل 1925، حيث اعتقل الشيخ خزعل مع ولده بعد مباغتته في السفينة التي أولَم فيها الشيخ وليمة للقائد الإيراني الجنرال زاهدي لتطبيع العلاقة مع الدولة الإيرانية، وإعلان اعترافها باستقلال الإمارة الأحوازية. ويوم المجزرة التي أقامها أحد عساكر الثورة الإيرانية الأدميرال حاكم الأحواز أحمد مدني في الثلاثين من أيار 1979، أي بعد الثورة بثلاثة شهور فقط. وقد عُرف هذا اليوم بيوم المجزرة. وبعد ثمانين سنةً من الاحتلال الفارسي، ما زالت الأحواز، وهي الغنية بنفطها ومائها وثروتها النباتية والحيوانية تتطلع إلى استقلالها.
بيد أن مطالب الأحواز، أيام رفعة الناصرية والقومية العربية، اقتصرت على المطالب القومية. أسست حركات عروبية دعمها النظام العراقي السابق بشروطه الحزبية، لكن سرعان ما أغلق مكاتبها جميعاً السنة 1975، حال التوقيع على اتفاقية الجزائر. مع أنه اتخذ شعاراتها ذريعة في حربه على إيران، ثم تنازل عن كل شيء في الاتفاقية المذكورة، ثم عاد متنصلاً منها خلال فترة الحرب، ثم عاد إليها بعد غزو الكويت.
بعد كل هذا وذاك، ساير الأحوازيون تغيرات الدنيا، فلم يحصروا همهم في محراب القومية، رغم مناجاتهم الأخيرة (كانون الأول 2003)، لعمرو بن موسى بالاعتراض على محاولة قبول إيران عضواً مراقباً في جامعة الدول العربية، فشكلوا تنظيماتهم الوطنية إصرارا على الاستقلال. إن بلاداً يربو عدد سكانها على الثمانية ملايين نسمة، ومساحتها 375 ألف كيلومتر مربع، وفيها نسبة العرب بمختلف عشائرهم أكثر من تسعين في المائة، مع تكوين صابئي مندائي يربو على 25 ألف نسمة، غير معترف به في الدستور الإيراني، لا يكفيه سبعة نواب عرب من مجموع 18 نائباً من الأحواز، ولا يكفيه نائب واحد عربي من مجموع ستة نواب أحوازيين في مجلس خبراء الدستور. عموماً، كانت الرسالة الصادرة من مكتب رئيس الجمهورية، القاضية بتغير التركيبة الاجتماعية الأحوازية، بغض النظر عن حقيقتها أو تلفيقها حسب ادعاء الدولة الإيرانية، إيماءة إلى أن الوضع الأحوازي قابل للانفجار في أية لحظة، فهي بلاد كل شيء يشير فيها إلى أنها دولة قائمة بذاتها، وهي المغلقة بسلسلة جبال من جهة إيران والمفتوحة عبر اللغة والطباع والسهول والأنهار على العراق والخليج.
* باحث عراقي
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.