قهوة تلخ و لكن حلوة/أحمد حیدري

بروال- في الروايات البوليسية تتوارى الأحداث خلف ألغاز تشغل جميع السلندرات لمحركات المخ التي لا تعمل على البنزين لكي يكتشف القارئ ما هو قادم قبل كشف المفردات له ، و رغم أن ضوء الروايات البوليسية خفت إلا أن هناك كتاب معاصرين أدخلوا هذا النمط الى نصوصهم الجادة للركض خلف أحداث تاريخية أو أحداث غيرت تاريخ مجموعة من حال الى حال .

قبل أيام أنهيت رواية ( برلنسامت ) رغم أني كنت متردد كثيرا في تصفح أوراقها و السبب يعود الى كاتبتها باربارا بونجارتس فهي ألمانية و الرواية الألمانية تحتاج الى عشرين أبريق قهوة لكل عشرين صفحة ، نصوص صعبة و جامدة و فلسفية خانقة و تشعر مرات بخطوات عسكرية تسير خلفك ، كل هذا جعلني أتردد في قراءتها ،  و  كونها فقط ألمانية ، مثلما أتخيل الآن أن رواية الصيني مو يان لن تقل أبدا عن ستة آلاف صفحة و السبب أنه صيني و النسبة السكانية هناك توجب هذا العدد من الصفحات و إلا فلا معنى للنوبل و الكتابة للشعب الصيني و لكن …. قلت فلأعض على الجرح السابق و أحمل أباريق القهوة و الدلال و أسير مع الكلمات حيث تريد بي .

بعكس كل ما ظننت باربارا كانت فاتنة و تسرق الأنفاس في تتبع فن الرسم العتيق و رائحة الدماء عليه و الأسرار العجيبة و العادات الغريبة  و إلتقاط الصورة الروائية من عدة جغرافيات و الفرد الألماني و هو ينسلخ من ماضيه فيرجعه الى عدسات الكاميرات …. كل هذا و لن تتوقع ما سوف يحصل أبدا في القادم من الأحداث .

بيد أن قانون النص الألماني لم يكسر هي تستدعيك لإحتساء المزيد من القهوة الساخنة بداية ثم الدافئة ثم الفاترة ثم الباردة ثم ركامها ثم …. لم يقطع علي الاحداث إلا إعلان تلفزيوني تحت عنوان ( قهوه ، تلخ ولي شیرين ) ، إعلان شدني بجماله و بتصويره شخص يسير حيث تحمص القهوة و النار تشعل و الدلال متأهبة للون البني تجمع لسعات النار من حولها لتدفئ هذا السائل في أعماقها و تربت عليه بكل حنان الأم لتهديه للقادم و الجالس و المنتظر و لتبدأ معه الحكايا الممزوج ببخار القهوة و رائحتها ، شدني هذا الإعلان عن باربارا و روايتها برلنسامت و أسئلة مارتين ساوندرز المحيرة و التي يحاول من خلالها كشف الحقيقة إلا أنه يقترب من كشف حقيقته ، هذا الإعلان خبئ مفاجئته للنهاية كما الروايات البوليسية ، ينتهي الإعلان ب ( ماصور ) يعزف أمام الديوان و هناك من يحاول البدأ بالرقص .

كثيرا ما تجنبت الأفلام الوثائقية التي تدور حول القهوة التي تنتج داخل البلاد و السبب المساحة الصغيرة التي يغطيها الفيلم و نسيان مساحات أعمق و أكثر قوة و كأن المخرج يبدأ بالتفكير أثناء التصوير لصياغة أسئلته مما يراه ، أين الوقار الذي بدأ فيه الإعلان و النهاية التي جاءت بعيدة عما هو متوقع .

قال لي أطفالي هناك زخرات من المطر تساقطت اليوم ، أنها الرحمة الإلهية القادمة لنا ، هذه الجملة فتحت شهيتي للكتابة .

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑