حالوب و الناي الحزين

حالوب.. یبکیني هذا العنوان.. أتحسر و أحسده بعض الأحیان. کنت أتمنی أن أکون حالوب. کنت أتمنی أن اکون الناي الذي بین یدیه. ربما انا الناي، ربما هو المتحدث بإسمي و ربما یعرفني منذ زمن بعید.

فهنیئا له لأنه یزیح الهم عن قلبه و یصرخ طویلا في الناي تلک الصرخة التي کنت أتمنی أن أصرخها للترویح عن قلبي. یصرخ لیقول: «کفو عن مضایقتي في أرضي و في موطني.. لا ارید منکم ان تصنعوا لي التاریخ.. و لکن لا تدمروا تاریخي.. لا تدفنوا تراثي.. لا تغییروا اللغة و الهویة و العنوان. لا تغییروا الاسم الذي احمله، فأنا حالوب العازف حتی لو لم یعد فيّ رمق للنفخ بالناي و لست حالوب المسکین المتسوّل حتی لو جلست في مدخل الجسر القدیم بلا ناي، جزیتم خیرا یا احبائي الظلّام. کان بودي ان اسمع اصوات المتسوقین في الصباح بغیر جملة «حالوب المسکین» التي أسمعها الان».

فأنفخ بالناي یا حالوب م نجدید لکي تحیا الضمائر. فاختارک القدر ان تکون المتحدث بأسم الجمیع الذین لا یتمکنوا الصراخ مثلک. فهنیئا لک یا حالوب فأنت آخر ما تبقی من تراث ذاهب نحو الغروب.

حالوب.. إحدى الشخصيات التي تكون تاريخ الفلاحية و تراثها المليء بمثل هذه الشخصيات التاريخية. و تجسيدٌ لرجل أصر على العمل لكسب قوته بنفسه مع انه ضرير حتى لا يمد يد العَوز لإحد، فإما عن طريق بيع اكياس الأرز الذي استبدلها بأكياس للتسوق أم بيع آلة الناي و هو يعزف عليه في مدخل الجسر القديم ام “رقبه الجسر” كما يسمونها اهالي مدينة الفلاحية. يعزف و هو يردد جملته المعروفة «إخذي لوليدچ يبچي خطيه» محرضا الأطفال للضغط على امهاتهم لشرا‌ء تلك الآله التي تعود على الاستماع لها كل المارة و البياعة في طرفي الجسر العتيق الذي يصل ما بين السوق المسقوف و سوق العلافة. بالأخص في وقت الضحى، علی الرغم من أن أكثر الأسوق يتردد عليها المتسوقون في المساء الا أن سوق الفلاحية مازال يعج بالناس في الصباح الباكر حتى الضحى و ذلك نظرا الى تردد اهل القرى عليه لشراء حاجاتهم و العودة الى الديار قبل موعد الغداء. فحالوب بقي حالوب في كل تلك السنين فحتى حرارة الجو لم تؤثر عليه و لا على بسطته، فحالوب هو حالوب في عِز البرد و في عِز الحر. و في منتصف النهار يعود حالوب الى بيته الواقع في منطقة قديمة هي الأخرى منطقه “بري من الكوت”، بمساعدة عصاه التي اصبحت معينه الوحيد و التي تعرف الطريق عن ظهر قلب. يذهب ليعود ببضاعة اقل كبعض الاكسسوارات المعلقة على قبعته المصنوعة من الخوص. ليس ليجلس في ذلك المكان هذه المرة انما يصبح بائعاً متجولاً في ذلك السوق و هو يصيح «اشتري للحلوه خطيه». فلا يمكن تصور السوق و لا الجسر القديم دون حالوب الذي اصبح الان يشكل جزء من هذا التراث، فصوته و صورته لا يكاد احد يدخل السوق الا يتذكره و يسلم عليه مع ان له اخلاق ناشفة. فالشخصيات كحالوب هنا الموت ملاقيهم و لا شك اطال الله باعمارهم والمتوقع ان تخلّد اسمائهم. بالنسبة لحالوب مثلا بتسمية الجسر بجسر حالوب الذي اصبح جزأً منه، اما البنايات التاريخيه كالسوق و الجسر فأن الهدم و استبدالها بمبان حديثة لا تمت بأي صلة الی تراث هذه المنطقة ملاقيها، و لا احد يكترث و لا احد يحرك ساكناً. فيا ترى الی متى يدمر هذا التاريخ امام اعيننا و نحن نتحسر فقط؟

المصدر:مدونة حالوب

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑