بعد مضي عدة سنين و منذ أن اخبرني ذلک القروي بأن والدي أفضل نحّات رآه في حياته ، وجدت منحوتاتٍ طبشورية في زوايا أطلال قريتنا السابقة التي طالما تکلّمت عنها والدتي ، يقولون أن تلک المنحوتات ، نحتها والدي بعدما أصبح عاشقا، حيث عرفنا بوفاته عن طريق رسالة شخص يدّعي أنه صديقه .آخر صورة لأبي التي لم تزل عالقة في مخيلتي تعود لذلک اليوم الذي مسکت فيه والدتي ساعدي و وقفت أمامه إذ کان جالساً علی قطعة حجر و کالت عليه ما خرج من فمها من تقريع، يتحرّک فم والدتي و الکلمات تتثناثر في الفضاء و معها يتطاير الزبد من شدقيها ، لازال أبي جالساً علی تلک القطعة الحجرية يحدّق بالفجوة العازلة بين دارنا و دار جيراننا و قد إختفت ملامحه في سحابة من دخان السيجارة– لعله کان يوماً ضبابياً أو لعل الصورة لم تکتمل في مخيلتي – .
ذهبت الی القرية للمشارکة في مراسم التأبين ، قرية لم تُکتَشف منذ تأسيسها و لم تُسجّل في سجلّات البلاد ، معلم الجغرافيا في السنين الغابرة وحده – عندما سألني عن مسقط رأسي و سمع إجابتي ، قال لي – حسب ما اتذکر– بأنه رأی قريتي من السماء تُشبه سرجين بقرة مبثوثة علی الارض عندما کان مظلياً و عضواً في وحدة المظليين في زمن العسکرية، لم أسئله أبداً کيف استطاع من ذلک الارتفاع أن يتعرف علی قريتي من بين کل تلک القری المنقوشة علی لوحة الارض أو ربما سألته و أجابني أجابة علّني لم اتذکرها الآن .
خرجت من الطريق الرئيسي متجهاً نحو القرية کما وصفه معلمي ! کان قد نسی کل شئ عندما ذهبت اليه لأسأله عن العنوان ، حتی لم يتذکر بأنه کان مظلياً يوماً ما ، سعيتُ جاهداً أن أذکره بتلک الأيام، حيث کان يأتي فيها الی بيتنا مراراً و بعض الليالي کان يبيت فيها عندنا حتی الصباح ، لذلک وجهت جاراتنا أصابع الإتهام الی والدتي عدة مرّات و وصفنها بألقاب غريبة مشينة ( لا يسعني ذکرها هنا ) ،
قام المعلم من جلسته بصعوبة ، وضع فنجان الشاي علی رف الشباک و حدّق نحو الخارج ثم نظر اليّ و أخيراً کتب لي عنواناً علی ورقة .
عندما خرجت عن الطريق الرئيسي صادفت راعياً عجوزاً و قد خاطبني بصديقي العزيز و استغرب اذ رآني شابا لانه اشتبه بيني و بين أبي ، تکلم الرجل العجوز عن کل شئ حتی عن تلک التماثيل الطبشورية التي کان يصنعها أبي لکل القرية – نسی العجوز بأنه أخطأ بيني و بين أبي – ، و أضاف : «کان في بداياته لم يتقن الأمر و لکنه أدهش الجميع و انتشرت سمعته في جميع الواحات و المناطق ، عندما تنظر الی تماثيله کأنما تنظر الی قامة إنسانٍ بلحمه و جلده ».
آثر الصمت حينما بانت في الأفق عجوز آتية . عندما قدمتُ نفسي لتلک العجوز ذي الشعر الابيض التي تبدو زوجته و قد رسمت الدموع اخاديد شائکة علی وجنتيها المغبرة و المکفهرة قالت :
أصبح أبوک مغرماً و مفتوناً بإحدی الغجريات اللاتي كن يأتين الی قريتنا من الأماکن البعيدة ، أفتتن ابوک بها لدرجة أنه تصّور نفسه شهريار و تخيّلها شهرزاد ، لم تکن هذه حالة أبيک وحده إنما جميع نساء القرية أدّعين بأن المرأة الغجرية قد سحرت أزواجهن حيث کان جميع الرجال يتصورون أنفسهم شهريار و تلک المرأة الغجرية شهرزاد ، المرأة الغجرية فعلت فعلتها بالجميع حتی أصبح جميع الرجال يجلسون علی قطعة حجر و يعدون الثواني و اللحظات لظهورها مرة أخری لتکمل ما تبقّی من قصصها التي کان يذهب الی إستماعها الرجال الی خيام الغجر الرحّل ، تعتبر نفسها هي شهرزاد التي لم يستوعب حکاياتها الّا شهريار ، تسمّر عينيها السوداوتين الکبيرتين علی الرجال و تبحث بينهم عن شهريارها المفقود . يقول الرجال الذين نجوا من سحر تلک الساحرة الغجرية – ربّما کان زوجها من هؤلاء الناجين – عينا الغجرية الکبيرتان السوداوتان سحرتهم لدرجة حتی کانوا يستجيبون لکل طلباتها و ينفذون کل أوامرها .
صمتت العجوز و أغلقت فاها الفاغر الخالي من الأسنان و ذهبت في سبيلها دون أن تودّعني , ربما قد حدث حادثاً تخجل من روايته لي أو لعل معلوماتها کانت بهذا المستوی.
بعد سنوات طويلة من مراسم التأبين تلك ، وصلتني رسالة من شخصٍ يدعي فيها بأنه من أبناء قريتي السابقة ، کانت الرسالة مملوءة بأنباءٍ عن جلوس الرجال علی الصخور و هم يرمقون الی الفجوات بين جدران البيوت و أيضاً عن إنعدام البساتين و المزارع ، جاء في الرسالة عن أمل الرجال في رجوع تلک المرأة من خلال فجوة الجدران ، أثّرت تلک الغجرية بسحرها علی الرجال حتی أنهم أيقنوا بشدة بأنها سوف تأتي من تلک الشقوق .
إندثرت القرية لکن لم يکف الرجال عن أنتظار شهرزادهم ، نساء القرية اللاتي فقدن الأمل من أزواجهن ، مَسَکنَ أيدي أطفالهن و ذهبن الی أماکن أخری ، مع مرور الوقت تلاشت القرية و تحطّمت الجدران و بعد تحطّم الجدران ، إستفاق الرجال و انتبهوا بأن سنيناً طويلة قد مضت عليهم ، وصلت لحاهم الی صراتهم ، و صار القمل يعبثُ بشعرها ، و ما بقت الّا قطعة قماشٍ مهترئة تستر بعض أجسادهم ، لکن بما أن أباک کان معماراً حاذقاً لم تقع جدران بيته و ظل أبوک حتی اللحظة الأخيرة يرمق الی تلک الفجوة في الجدار .
المصدر:موقع بروال
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.