بروال- هلَ تأثُّرت الثقافة العربية في ايران بنظيراتها من الثقافات الأخرى في البلد وخارجه،بالمستوى الذي كانت مؤثّرةً فيه ، لغةً وتعاملاً وفكراً حتّى؟
قبل الخوض في القرائة، أدعو القارئ الكريم أن يعيَ بأن المقصود من “الثقافة” هنا برأي كاتب السطور وكما تعنيه كلمة “الثقافة” في اللغة العربية أي كل ما تتضمَّنه حياة الناس من لغة ، آداب ورسوم ،تراث، أزياء، دكور، طقوس، تعاملات، فنون، أدبٌ،موسيقى و … يُعرفون بها ويتميّزون عن غيرهم من الشعوب؛ وليس كما هو رائج في العامّة عن “الثقافة” أو “المثقّف”.
بالعودة إلى السؤال والذي لابدّ أن يقف عندهُ كل مهتمٍّ بهذا الشأن ومن الواضح أنّ الإجابة عليه ستتفاوت بين رأيٍ وأخر.
إنّ ما يحصل يُعد أمراً طبيعياً في ظلّ ما يُسمّى بـ”حركة تبادل الثقافات” أو “حوارُها” في مجتمعٍ هو في واقع الحال مكوّنٌ من أطيافٍ مختلفةٍ وألوانٍ ثقافيةٍ شتّى.
ببساطة يمكن القول بأنّ هذا الجريان عبارة عن تفاعلٍ ثقافيٍ بين الثقافات الموجودة في بلادنا، والقصد هنا ” الثقافات العربية والغير عربية “؛ مع أنّ تأثير الثقافة العربية على الجانب الأخر في هذا التفاعل الإجتماعي المستمر بقيَ ضعيفاً لأسباب لا تتحملها عناصر الثقافة العربية وأبنائها من العرب في ايران.
فـ”المواطنة”، “العقيدة والمذهب”، “لغةُ التعليم والإعلام” و غيرها من الأمور أدّت بشكلٍ أو بأخر إلى أن تكون أبواب الثقافة العربية في ايران مفتوحةً دائماً لأستقبال الأخر؛ ومكبّاً صالحاً للإحتواء والتأثّر بالثقافات الأخرى في البلاد؛ بالمقابل لم تُساعدها أيّاً من العوامل المذكورة على التأثير العكسي ولو بدرجةٍ أقل.
لا يخفى أنَّ ما شهدته عجلة الثقافة العربية في ايران من تراجعٍ سلبي يعود بعضه للغزو الثقافي الغربي، حيث لم تسلم منه هذه الثقافة حالها حال الكثير من الثقافات الشرقية في الجمهورية الإسلامية و في كثيرٍ من البلدان المجاورة والعالم حتّى.
يُضاف إلى ذلك، الغياب “الحقيقي” و”الفعّال” لوسائل النهوض بأيِّ تراثٍ أو ثقافةٍ كانت وأينما وجدت؛ فكلٍّ من المسرحٌ أو الصحيفة أو الإذاعة أو مواقع النت و غيرها من المراكز والمؤسسّات الثقافيةِ الغير رسمية “المحسوبةُ” على ثقافتنا والمهتمّة بها، لم توضَّف من قَبل في خدمة هذه الثقافة ولم تهتمَّ بشكلها الحقيقي، ” كما هي وكما يجب أن تكون”.
لهذا، قد تبدو شخصية الفرد العربي في الأهواز وغيرها من المناطق العربية في ايران متزلزة وغير مستقرّة نتيجةً لتراكم الأفكار والثقافات “المجاورة والبعيدة” الحاضرة وبقوّة من حوله، ممّا يظطرّ أحياناَ إلى إستبدال جلده الثقافي بأخر، أوالعزف على وترٍ لغويٍّ ثانٍ أحياناً أخرى، ليتكيّف مع واقع حاله المتغيّر هنا وهناك وليس لعدم إعتزازه أو إنتمائه لثقافته الأم.
من جهةٍ أخرى قد يكون هذا التفاعلُ الثقافيُّ الذي من المفترض أن يكون متبادلاً، تحوّل إلى “صراعٍ ثقافي” كما هو الحال في المجتمعات التي تتكون من أعراقٍ و ثقافاتٍ متنوعة؛ صراعٌ خسرت فيه الثقافة العربية في ايران الكثير ممّا تملكه.
جديرٌ بالذكر أنّ من نقاط ضعف الثقافة العربية في هذا التنافس الثقافي، يبرز عامل “الثقة” بهذه الثقافة والمفقود عند الكثير منّا والذي يجب أن نتحلّى به بدلاً من ذلك؛ لاشك في أنّ الثقافة العربية عند العرب في ايران متجذّرة وقوية بما فيه الكفاية لكي تحمي ما ورثته من لغةٍ وتراثٍ وفلسفةُ حياةٍ خاصّة؛ ربّما أنّ لهذه الثقافة روحٌ إختفى بريقها وآنَ الأوان لتُشعَّ نوراً جديداً زاهياً بما يناسب هذا الزمان ومتطلباتهِ من أجلِ مستقبلٍ أفضل لأجيالنا القادمة!
فبمجرد أن يعمل مثقّفونا من شعراء، كتّاب، فنّانون ، نُقّاد و… على نقل المفاهيم الأساسية للثقافة العربية بلغةِ اليوم وأفكارُ اليوم وترسيمها للفرد والمجتمع بصورتها الحقيقية والجميلة، سنشهدُ بالتأكيد تجسيداً حقيقيّاً لهذه الثقافة على وجوه أبنائها إنطلاقاً من أخلاق وتعامل الفرد مع الذّات ومع الأخر، مروراً بمزيدٍ من البحث والإهتمام بتراثهم وصولاً للغاية المنشودة.
أيظاً،لابد من ذكر أحد أهم العوامل المهمّة والتي بإمكانها أن تقوم بثقافتنا من جديد وهي بالتأكيد صلتها وترابطها الوثيق مع الثقافة والتراث الإسلامي؛ هذا الداعم الرّوحي بإمكانه أن يعيد لنا بناء ثقافتنا من جديد في الأدب والفن والعمران وكل ما يمكن أن تحتضنه ثقافة شعبٍ غفلَ عن ثقافته لوهلةٍ من الزمن ويبدو أنّه توّاقاً للعودة إليها كما هو واضح في الشارع العربي في ايران.
نعم، فمن الظلم أن نحكم على وجود هذه الثقافة بالإنحلال أو الإندثار وهي التي بقيت صامدةً كثيراً وسط هذا الكم الهائل من الثقافات والتوجّهات في بلدٍ أو مجتمعٍ أقل ما يمكن أن يُقال عنه بـ “أبو القوميّات” نتيجةً لتعدّد الثقافات واللغات الموجودة فيه والتي بالتأكيد أضافت له الكثير من الجمال والرونق للتنوّع الذي يمتاز به .
وأخيراً أقول، إذا ما يُلقى اللّوم في مثل هكذا قضايا على أبناء الأجيال السابقة ويُحمّلوهم من المسؤليّة ما يُحمّلوهم لما حدثَ من إهمال وضياع للكثير من مبادئ ثقافتهم الغنيّة بتراثها الإسلامي والعربي، فإنّ لأبناء الجيل الجديد مسؤليةً أكبر لتصحيح المسار وإحياء ثقافتهم من جديد.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.