من أيام سجني في المخابرات الإيرانية/ بقلم: سعد أبو ليالي

346567موقع كارون الثقافي| مجلة الأحواز الأسبوعية- زرته مساء حاملا معي الحلويات وباقة ورد، مباركا إطلاق سراحه؛ شكرني لزياراتي المتكررة لزوجته وأطفاله وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم حين كان مسجونا.
قلت له إن ذلك كان من واجبي الإنساني والوطني، وإنك تستأهل الكثير وقد سُجنتَ وتحملت الأذى لأجل قضيتنا العادلة، قضية الوطن والأرض والحرية.
ثم طلبت منه أن يقص عليّ ما جرى له في سجون الاحتلال الفارسي…
رفض فقال: لا أريد أن أكدر خاطرك.
لكني كنت مصرا … قال:
سأروي لك أحداث صفحة واحدة من تلك الصفحات السود التي عانيت فيها أشد المعاناة في سجون المخابرات…
ثم تربع في جلسته وسكت قليلا، كأنه يعد شريط ذكرياته، ثم بدأ بصوت خفي:

طُرق الباب عند أذان الفجر:
استيقظ أيها الوهابي النجس، أيها المنافق، المحارب ضد الله، هيا تحرك أيها الكافر؛ ضع العصابة على عينيك قبل أن أفتح الباب.
كنت قد غفوت للتو، البارحة أصوات الإغاثة والعويل، التأوه والأنين منعتني من النوم!
كنت أعلم أن معظمها مسجل على ذاكرة فلاش، وتبث لتثير الرعب في قلبي؛ كان التأوه لرجال ونساء! بعضها يُسمع من الحجرة المجاورة، وبعضها من الحجر الأخرى البعيدة؛ كانوا يلتمسون السجان أن يكف عن تعذيبهم، … ربما بعض التوجع والتضرعات كانت حقيقية، خاصة ذلك الصوت النسائي الذي لم يكن يجيد اللغة الفارسية!
(تو را خدا كافية، نزن؛ عيني نزن؛ والله من كاري نكردم … يا بوووي، يا بووووي)!
كثيرا ما حاولت أن أتجاهل تلك الأصوات؛ لكنها لم تكن على إيقاع واحد، يتعالى فيها التأوه ويخفت… ثم يشهق ثانية فأنط معه مذعورا؛ والغيظ يشتد بي ويشتد ويشتد … حتى أحسه يغلي داخلي.
وضعت العصابة على عينيّ ووقفت أمام الباب، حرك المزلاج الحديدي بشدة وفتحه، ومسكني بإبهامه وإشارته من قميصي وراح يجرني وراءه …
أدخلني في الحمام ورطن في قسوة:
– لك من الوقت ثلاث دقائق، تقضي خلالها حاجتك وتتوضأ؛ ثم تضع العصابة على عينيك.
يجرني من قميصي ثانية، ويمشي بي إلى حجرتي ذات المساحة 2 في 3 أمتار.
أصلي بخشوع وأحمد الله على كل حال:
ألهي عبدتك كما يعبدك أولياؤك، وتكلمت بلغة كتابك، واستقبحت الظلم، واعترضت ضد سرقة ثروات أرضنا… أليس هذا ما أمرتنا به في كتابك؟!
ألم تفضل المجاهدين على القاعدين درجة؟!
إن كان هذا ما أمرتنا به، ففك أسري وأسر رفاقي…
تشرق الشمس ويطرق الباب ثانية:
اعصب عينيك، وإياك أن تنزع العصابة حتى ترجع إلى حجرتك. وإن فعلتها سهوا أم عمدا… فستكون الصوندة الخضراء في انتظارك!
يفتح الباب، ويمسكني أحدهم من قميصي ويخرجني من حجرتي دون أن يمسك يدي، يجرني كما المرة السابقة، ويمسك القميص من ناحية كتفي، أو من رقبتي! يسير بي لحظات ثم يدخلني في حجرة أخرى، ويجلسني على كرسي حديدي.
أجلس متوجسا… أهو تعذيب كما المرات السابقة أم إنه استجواب؟!
هل ستصعقني الكهرباء؟! أم إنهم يريدون تخويفي فحسب؟!
أشجع نفسي وأجلس رابط الجأش.
تنقطع أصوات التعذيب التي كنت أسمعها.
وأنتظر وأنتظر وأنتظر …

يدنو نحوي المحقق من ورائي، ويجلس هناك! ويبدأ بأسئلته التافهة، وأجيب بما لست مقتنعا به لأتقي شره وآمن من تعذيبه:
– ما هو الاسم الصحيح لهذه المدينة؟ خوزستان، عربستان، الأهواز، أو الأحواز؟
– هل أنت انفصالي، أم إنك تطالب بحقوقك الثقافية في إطار الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟
– هل أنت عربي أهوازي، أو عربي إيراني؟
– ما رأيك بالذين يهاجرون من خوزستان إلى الدول الأوروبية وينشطون هناك ضد الجمهورية الإسلامية؟ أهم نشطاء يدافعون عن حقوق الشعب الخوزستاني أم هم عملاء لأمريكا وإسرائيل والسعودية؟
– لماذا اشتركت في الحملات التي دعمت منكوبي السيول لتضعف دور الحكومة وتسيء لسمعتها؟! وهل سوف تقوم بنفس النشاط إذا ما فتحت السدود ثانية؟
– لدينا أدلة بأنك تحرض الناس ضد الحكومة وتمنعهم من الاشتراك في التصويت للانتخابات، ما الدافع لهذا العداء للجمهورية الإسلامية التي آوتك بعد أن جئت من السعودية واليمن مهاجرا؟! ومن الذي يخطط لك؟!
يستغرق الاستجواب ثلاث ساعات!
أرجع إلى غرفتي، وتمضي اللحظات وكأنها أعوام! … ويقب الليل، وتُستأنف أصوات التأوه والصريخ! لكني هذه الليلة لا أعير لها اهتماما، وكأنّ أذني لا تسمعها!
الآن أخذ يهاجمني تعذيب جديد، يبدأ ضميري يؤنبني:
– لماذا تفوهت بأجوبة تخالف ما أنت عليه؟!
– أين ذلك الثبات الذي كنت تدعي به؟!
– لماذا لم تقل لهم إن الأحواز أرض عربية؟! وأتلفظها بالحاء كي أغيظكم، وكي أوحي لكم بأني مناضل لأجل تحريرها… لماذا لم تتمرد لتلقي الخوف في قلوبهم؟!
– لماذا لم تقل لهم إن السيول إنما افتعلتموها لتهجروا الأحوازيين من وطنهم، ولكي تستولوا على جميع ثرواتها؟!
– لماذا لم تجلجل بصوتك بأنكم أنتم السبب في تهجير أبنائنا من الوطن؟! احتلالكم لأراضينا وسعيكم في تذويب ثقافتنا العربية وتفريسنا هو السبب في هجرتهم إلى الخارج؛ لماذا سكت؟!
– لماذا لم تعاندهم
؟! لماذا لم ترفع الع
صابة من عينيك وتصرخ في وجوههم:
(إنكم محتلون)؟!
أبقى ألوم نفسي في ظلمات تلك الحجرة الضيقة … إلى أن أسمع صوت الأذان من مسجد بعيد، يحاول صوته أن يوقظ النيام:
(الله أكبر) من الظالمين، فلِمَ الخوف؟!
(حي على الفلاح)، وكيف تصل إلى الفلاح إن كنت خاضعا للظلم ولم تجاهد؟!
تثقل عيناي، ويسيطر عليّ النعاس … لكن أصوات المزاليج تُطير عصافير النعاس من حجرتي، لتحط في حجرة أخرى مفروشة بمرتبة مزدوجة مريحة صحية، على سرير مصنوع من خشب الزان، وفوقه بطانية ناعمة الملمس عالية الجودة.
لا أدري كم تبعد هذه الحجرة عن مركز الاستخبارات! لكن العصافير قد هبطت فيها … لأني لم أعد أسمع زغردتها … بدلها أسمع ذلك الصوت المزعج الذي تعودت على سماعه كل فجر، بعد أن تُطرق أبواب الحجر الإنفرادية بقوة، وتُحرك المزاليج بعنف:
استيقظ أيها الوهابي النجس، أيها المنافق، المحارب ضد الله، هيا قم أيها الكافر؛ ضع العصابة على عينيك قبل أن أفتح الباب

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

موقع ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: