وثيقة بريطانية سرية تكشف تحذيرات مبكرة من كارثة بيئية وديموغرافية/ ما لم يُنفذ عام 1910 في الأحواز، نُفذ في التسعينيات

لندن- حامد الكناني- الوثيقة البريطانية الصادرة في 20 نوفمبر 1910، والمصنفة “سرية”، تكشف عن رؤية نقدية فنية واستراتيجية لمشروع ري ضخم كان مخططًا له على نهر كارون في إقليم عربستان (المعروف اليوم بالأحواز). وقد أعدها القنصل البريطاني في المحمرة  ورفعها إلى المقيم البريطاني في الخليج العربي، ثم إلى وزارة الخارجية البريطانية.

أضرار متوقعة على بساتين النخيل والاقتصاد العربي

أحد أخطر التحذيرات الواردة في الوثيقة يتمثل في تهديد مباشر لبساتين النخيل التي تشكّل العمود الفقري لاقتصاد سكان عربستان الأحواز العرب. حيث حذّر الخبراء من أن إنشاء سد على نهر كارون سيتسبب في:

انقطاع تدفّق المياه والطمي الطبيعي الذي يغذي البساتين.

انخفاض خصوبة التربة وتلف الأشجار، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على فيضان كارون في الري.

تراجع إنتاج التمور، ما يؤدي إلى انهيار اقتصادي محلي، لأن هذه الزراعة هي المصدر الأساسي لمعاش السكان العرب الأصليين.

السير ويليام ويلكوكس، وهو أبرز مهندس بريطاني في المنطقة، أشار في البداية إلى أهمية الطمي في تغذية البساتين، قبل أن يخفف موقفه لاحقًا، لكنه لم ينفِ الضرر تمامًا، ما يعكس درجة من الحذر والمسؤولية التقنية البريطانية في تقييم المشروع.

مخاطر التغيير الديموغرافي وتهديد الهوية العربية للمنطقة

الوثيقة تبيّن أيضًا أن من أبرز التحديات التي ستواجه المشروع هو الحاجة إلى جلب أعداد ضخمة من السكان الجدد لزراعة الأراضي المروية:

المشروع بحاجة إلى 75,000 شخص إضافي، أي زيادة بنسبة 50% على سكان المنطقة الأصليين.

العرب المحليون، بحسب وصف التقرير، غير مهتمين بالاستيطان الزراعي الجديد لأسباب اجتماعية وثقافية واقتصادية.

البديل المقترح هو جلب مستوطنين فرس من خارج عربستان الأحواز، وهو أمر مرفوض تمامًا من قِبل شيخ المحمرة، واعتُبر تهديدًا مباشرًا للنسيج السكاني العربي.

التقرير يُبرز هذا الاحتمال على أنه أحد أبرز مخاطر المشروع، سواء من حيث الاستقرار أو من حيث إضعاف سلطة الشيخ خزعل بن جابر والقبائل العربية.

الموقف البريطاني: معارضة المشروع وحماية التوازن السكاني والبيئي

ما يُلفت في الوثيقة أن المسؤولين البريطانيين لم يتحمسوا للمشروع، رغم كونه قابلًا للربح نظريًا، لأنهم استشعروا الأضرار السياسية والبيئية والديموغرافية:

توقّعوا اعتراضًا سياسيًا شديدًا من السكان العرب والشيخ خزعل بن جابر.

رأوا أن المشروع غير عملي اقتصاديًا، بسبب صعوبة جذب مستوطنين وتحقيق أرباح.

عبّروا عن مخاوف واضحة من تحول ديموغرافي في منطقة عربية حساسة.

ما لم يُنفذ عام 1910… نُفذ في التسعينيات: مشروع قصب السكر وتكرار الكارثة

ورغم وقف المشروع في ذلك الوقت نتيجة للتحذيرات البريطانية، إلا أن السلطات الإيرانية في عهد الرئيس اكبر رفسنجاني أعادت إحياءه تحت غطاء “مشاريع قصب السكر” في التسعينيات:

تم تنفيذ سلسلة مشاريع زراعية وصناعية ضخمة تسببت بكارثة بيئية حقيقية، من بينها:

تجفيف الأهوار

تلويث المياه

تلويث الهواء

تدمير بساتين النخيل

ازدياد البطالة والفقر

هجرة العرب من اوظانهم

ارتفاع نسبة الاصابة بأمراض السرطان

كما جرى تهجير آلاف الفلاحين العرب قسرًا من أراضيهم ومصادرة أراضيهم بعد اجبارهم تحت التهديد الأمني والتحايل عليهم وانتزاع تنازلات قانونية عن أراضيهم مقابل اسعار زهيدة جدا.

تم جلب أكثر من 1.5 مليون مستوطن غير عربي، أغلبهم من الفرس واللُر، وتم إسكانهم في تجمعات مدنية وصناعية على حساب السكان الأصليين. المشروع استُخدم كذريعة لـ إحداث تغيير ديموغرافي واسع النطاق، في انتهاك صارخ لحقوق السكان الأصليين العرب.

الوثيقة البريطانية تمثل إدانة مبكرة لما سيحدث لاحقًا في القرن العشرين. فقد أظهرت أن حتى القوى الاستعمارية، برغم مصالحها، كانت تدرك خطورة العبث بالجغرافيا السكانية والبيئية في الأحواز. بينما السلطات الإيرانية تجاهلت هذه التحذيرات، فحوّلت المشروع إلى أداة لتجريف الأرض والهوية.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑