
لندن- موقع كارون الثقافي- حامد الكناني- بعد أكثر من عقد على قيام النظام الثيوقراطي في طهران، بدأت تظهر إلى السطح آثار السياسات الدينية المتشددة، التي اتسمت بالخرافة، ونشر البدع، واعتماد أساليب التجهيل والقمع باسم الدين. وقد قابل هذه السياسات موجة متزايدة من النفور، بل والتبرؤ من المذهب الشيعي ومن الإسلام نفسه في أوساط متعددة داخل المجتمع الإيراني.
وفي العديد من المدن الإيرانية، تفشّت ظاهرة التحوّل الديني، حيث اتجه بعض الإيرانيين إلى اعتناق ديانات أخرى مثل المسيحية، والبهائية، وحتى المجوسية. من العوامل المؤثرة في هذا التحوّل، رغبة بعض الأفراد في الحصول على اللجوء في الدول الغربية، إذ يُستخدم إعلان التحوّل الديني كوسيلة لتأكيد تعرّضهم للاضطهاد الديني، وهو من الشروط التي تُؤخذ بعين الاعتبار في ملفات اللجوء.
لكن لا يمكن اختزال هذه الظاهرة في بعدها الخارجي فقط؛ فقد تصاعدت حالات التحوّل بعد احتجاجات عام 2009، التي تلت الانتخابات الرئاسية، والتي قوبلت بقمع شديد من قبل النظام. ومن تداعيات هذا القمع، نشوء حالة من الشك والتمرد بين صفوف الشباب حيال صدقية التعاليم الدينية التي يروّج لها النظام، وتحوّلت الأسئلة الفكرية والشبهات العقائدية إلى عامل رئيسي في زعزعة الإيمان بالمذهب الرسمي.
وتؤكد دراسة بعنوان “إيران: المسيحية بين أبناء رجال الدين” (2015) على هذا الجانب، إذ توضح أن هناك دوافع سياسية وفكرية تقف وراء التحوّل الديني، خاصة بين فئة الشباب الإيراني.
وفي سياق متصل، أشار تقرير لموقع “خبر أونلاين”، المقرب من رئيس البرلمان الإيراني الأسبق علي لاريجاني، إلى أن “المعارضة للنظام لم تعد ذات أبعاد سياسية بحتة، بل أصبحت تتضمن قضايا فكرية وعقائدية، وقد أدى انتشار الشبهات الفكرية وتجذّر التيارات المنحرفة إلى زعزعة الأسس الدينية للمجتمع، مما أحدث فراغًا روحيًا ودينيًا، خاصة في أوساط الشباب”.
ويضيف التقرير في سياق تحوّل بعض أبناء رجال الدين إلى المسيحية: “في ظل هذه الظروف، لم يعد مستغربًا أن نسمع بأن نجل أحد رجال الدين قد اعتنق المسيحية، أو أن شابًا سافر للدراسة في الغرب ثم أعلن انتماءه إلى البهائية”.
التحوّل المذهبي في شمال الأحواز واستراتيجية النظام الإيراني في تشويهه وقمعه
في شمال الأحواز، حيث يسود المذهب الشيعي العربي منذ تأسيس الدولة المشعشعية العربية عام 1436م، بدأ العديد من الشباب العربي الواعي يبحث عن سبيل لمواجهة الخرافات والبدع التي رافقت صعود نظام “ولاية الفقيه” في طهران.
ورغم تمسك الشعب العربي الأحوازي بعدالة قضيته الوطنية بعيدًا عن الانتماءات المذهبية، القبلية، أو المناطقية، إلا أن العقد الأخير شهد تصاعدًا ملحوظًا لظاهرة التحوّل إلى مذهب أهل السنّة، كحركة تصحيحية عقلانية، لا تتسم بالتطرّف ولا تنطلق من منطلقات طائفية.
يعرف الناشط الأحوازي أن الانزلاق نحو التطرف المذهبي قد يشكل عائقًا حقيقيًا أمام المسار السياسي والوطني. ومن هذا المنطلق، جاء التحول إلى السنّية في الأحواز كبديل واعٍ عن التحوّل إلى المسيحية، كما هو الحال في مناطق أخرى من إيران، حيث يُستخدم أحيانًا كوسيلة للجوء السياسي.
ومع هيمنة الميليشيات الموالية لإيران على مفاصل السلطة في العراق، الذي كان يشكّل سابقًا عمقًا استراتيجيًا لحركات التحرر الأحوازية، ازدادت مخاوف النظام الإيراني من تنامي الوعي القومي في الأحواز، ومن تصاعد النشاط السياسي، الحقوقي، والإعلامي في المنفى، وما قد يترتب عليه من تأثير ملموس على الشارع العراقي الذي تربطه بالأحواز صلات الدم والتاريخ.
في مواجهة ذلك، لجأت الأجهزة الأمنية الإيرانية إلى فتح المجال لظهور تنظيمات متطرفة وهمية تحمل اسم “أهل السنّة والجماعة”، ونفّذت من خلالها عمليات عسكرية مشبوهة، لتبرير حملات اعتقال عشوائية تستهدف نشطاء المجتمع المدني، ولا سيما العاملين في الحقل الثقافي. وتُوجَّه لهم تهم خطيرة مثل “الإفساد في الأرض”، و”محاربة الله”، و”الإخلال بالأمن القومي”، وهي تهم تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد، وتُصدرها “محاكم الثورة الإسلامية” في محاكمات تفتقر لأبسط معايير العدالة.
بلغت هذه الممارسات الأمنية ذروتها في عهد الرئيس الإيراني حسن روحاني، رغم وعوده بالإصلاح واحترام حقوق الشعوب. فقد وثّقت منظمات حقوقية، مثل “منظمة حقوق الإنسان الأهوازية (AHROU)”، العديد من الانتهاكات الجسيمة، خاصة في ما يتعلّق بالإعدامات.
وأشارت تقارير المنظمة إلى تصاعد عدد الإعدامات بحق النشطاء السياسيين والثقافيين الأحوازيين، حيث تم تنفيذ الإعدام بحق عدد من سجناء الرأي وناشطي حقوق الإنسان بعد محاكمات شكلية أُجريت خلف أبواب مغلقة، دون تمكينهم من الدفاع القانوني.
ومن أبرز هذه الحالات، إعدام أربعة من النشطاء العرب من مدينة الفلاحية (شادكان)، وهم: غازي عباسي، عبدالرضا أمير خنافرة، عبد الأمير مجدمي، وجاسم مقدم. وكالعادة، لم تُعلِن السلطات الإيرانية عن مكان تنفيذ الأحكام أو مواقع دفنهم، واقتصر إبلاغ ذويهم على اتصال هاتفي مقتضب بتاريخ 2 ديسمبر 2013.
الاعتقالات والإعدامات في الأحواز: شهادات وتقارير توثق انتهاكات حقوق الإنسان
تواصلت التقارير الحقوقية الدولية والأحوازية حول الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها أبناء الشعب العربي الأحوازي، لا سيما في مجال الاعتقالات التعسفية والإعدامات الجماعية التي تتم في ظروف غامضة وتفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير القانونية والإنسانية.
ففي عام 2012، تحدّثت منظمات حقوقية عن اعتقال خمسة شبان من عائلة واحدة، وهم الأشقاء: عبد الرحمن حيدريان (28 عامًا)، عباس حيدريان (25 عامًا)، طه حيدريان (23 عامًا)، إضافة إلى ابن عمهم علي حيدريان وصديقهم علي الشريفي، وجميعهم من سكان حي الملاشية جنوب غرب مدينة الأحواز.
وفي 18 يونيو من العام نفسه، تم نقلهم من سجن كارون إلى جهة مجهولة، قبل أن يُعلن لاحقًا عن تنفيذ حكم الإعدام بحقهم. ورغم الجهود الحثيثة التي بذلها ذووهم، لم يُعرف حتى الآن لا مكان ولا زمان تنفيذ الإعدام، ولا موقع دفنهم، في انتهاك صارخ لكل الحقوق الإنسانية والدينية.
وفي عام 2014، شهدت الأحواز تنفيذ إعدامات سرية جديدة، استهدفت هذه المرة اثنين من النشطاء الثقافيين البارزين: الشاعر والمعلم هاشم شعباني، وزميله هادي راشدي، من مؤسسي مؤسسة “الحوار الثقافية” في مدينة الخلفية (خلف آباد).
وقد نُقل الاثنان من سجن كارون إلى جهة مجهولة، ثم أُبلغت عائلتاهما في 29 يناير عبر اتصال هاتفي بتنفيذ حكم الإعدام، دون تسليم جثتيهما أو الكشف عن مكان دفنهما.
وأثارت هذه الجريمة المروعة ردود فعل دولية، حيث صرّحت المتحدثة باسم المفوضة السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، رافينا شامداساني، في 21 فبراير 2014، أن “التقارير تؤكد أن الإعدام تم بعد محاكمات لم ترقَ إلى المعايير الدولية للمحاكمة العادلة”، وأعربت عن قلق الأمم المتحدة من ارتفاع وتيرة الإعدامات، لا سيما تلك الموجهة ضد المعتقلين السياسيين وأبناء الأقليات القومية، مطالبة الحكومة الإيرانية بوقف الإعدامات فورًا، وتبني تعليق طوعي لهذه العقوبة.
من جانب آخر، وثّق الناشط الأحوازي غازي مزهر حيدري، المقيم حاليًا في هولندا، تجربته المروعة في سجون النظام الإيراني، والتي بدأت بعد تولي آية الله صادق لاريجاني رئاسة السلطة القضائية عام 2009.
ويقول في مذكراته: “امتلأت السجون إلى الحد الذي لم يعد هناك مكان للنوم، لا على الأسرّة، ولا على الأرض، ولا حتى في الممرات وساحات الأقسام. أما الحمامات، فكان عددها لا يكفي، وكانت الطوابير طويلة، والمرافق الصحية في حالة مزرية. كان يموت من خمسة إلى ستة سجناء أسبوعيًا بسبب الإهمال الطبي وسوء التغذية. وكان مدير السجن يُدعى رستمي، فارسي الجنسية، ومن بعده جاء شخص آخر اسمه كياني، وكلاهما انشغلا بسرقة أموال السجناء وإبرام الصفقات مع من يملكون المال، لتحسين ظروف سجنهم أو تقليل مدة حكمهم”.
وأضاف غازي حيدري: “لقد لمست بنفسي أن السجن مخصص للفقراء، ففي ظل قضاء النظام الفاسد، يمكنك شراء كل شيء، حتى الأحكام. التعذيب والإعدام غالبًا ما يكون من نصيب أبناء الطبقات الفقيرة، والسياسيين منهم بالأخص. وكان التمييز ضد السجناء العرب صارخًا، إذ يشكلون أكثر من 90% من نزلاء سجن كارون”.
وفي لحظة فارقة، تولّى إدارة سجن كارون ضابط عربي أحوازي يُدعى منشداوي، وهو من الشخصيات القليلة التي حاولت تطبيق القانون داخل السجون الإيرانية.
“منذ أول يوم له، منع استخدام الهراوات والعصي وضرب السجناء، وتعهّد بمقاضاة أي سجان يُسيء إلى نزيل. كان إنسانًا خلوقًا، يتفقد بنفسه أقسام السجن الذي كان يضم حينها حوالي 5000 سجين، رغم أنه مصمم في الأساس لحوالي 800 فقط”. إلا أن منشداوي تقاعد لاحقًا، وعادت السجون، وخاصة سجن كارون، إلى ما وصفه حيدري بـ”جحيم تُديره وحوش بلا رحمة، لا يعترفون بأي قانون أو رادع، ويتفننون في تعذيب السجناء المكبّلين بوسائل وحشية”.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.