
مركز دراسات عربستان الأحواز- حامد الكناني- في كل مرة تنطلق فيها موجة احتجاجات شعبية داخل إيران، يطفو إلى السطح التيار الملكي المفلس بقيادة رضا بهلوي، محاولًا تسويق نفسه بوصفه البديل الجاهز والوحيد لسقوط النظام القائم. ولا يكتفي هذا التيار بمحاولة التأثير على الرأي العام داخل إيران، بل يوجّه جهوده أساسًا نحو المجتمع الدولي، مستندًا إلى دعم مالي وإعلامي منظم، ومستفيدًا من انتشار بقايا النظام السابق في الولايات المتحدة وأوروبا، وقرب بعضهم من مراكز صنع القرار. وقد أسهم ذلك في خلق انطباع مضلل لدى بعض الدوائر الغربية والعربية بأن رضا بهلوي قد يكون الخيار «الأكثر أمانًا» لإدارة المرحلة المقبلة.
ولتعزيز هذا الوهم، يعتمد التيار الملكي على حملات إعلامية واسعة النطاق، تتضمن فبركات واضحة، من بينها تركيب هتافات مؤيدة له على مقاطع مصوّرة من الاحتجاجات الجارية داخل إيران. وقد كُشف عن عدد من هذه الفبركات بجهود قوى معارضة أخرى، فيما مرّ بعضها عبر قنوات تلفزيونية عربية وأجنبية من دون تدقيق مهني. وفي هذا السياق، برز دور قناتين إعلاميتين لعبتا دورًا محوريًا في تسويق التيار الملكي؛ الأولى قناة «من وتو»، التي يُقال إنها ممولة من داخل إيران، ويُعتقد أن وظيفتها الدائمة إبقاء خيار الملكية حاضرًا، إما لتخويف الداخل الإيراني من التغيير، أو لإرباك أي حراك ثوري قد يقود إلى إسقاط النظام. أما القناة الثانية فهي «إيران إنترنشنال»، والتي يبدو أن هدفها لا يقتصر على تغيير شكل النظام، بقدر ما يتمثل في البحث عن بديل يحافظ على وحدة الدولة الإيرانية ويمنع تفككها، انطلاقًا من هواجس إقليمية تتعلق بتداعيات أي تفكك محتمل على دول الجوار.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن للولايات المتحدة، في حال دعمت الاحتجاجات وأسقطت النظام الإيراني، أن تفرض رضا بهلوي بالقوة على الشارع الإيراني، وعلى الشعوب غير الفارسية التي تشكّل غالبية سكان البلاد؟ يصعب تصديق ذلك. فالدولة الإيرانية، نظريًا وواقعيًا، تعاني من تفكك بنيوي عميق، وقد بدأت الشعوب غير الفارسية تبحث بجدية عن حلول جذرية لمشاكلها التاريخية، سواء عبر تفكيك الدولة الإيرانية بصيغتها الحالية أو عبر كسر مركزيتها الطاغية. ومن هنا، تبدو فرص نجاح أي تيار شمولي يرفض كسر المركزية أو لا يعترف بحق الشعوب غير الفارسية في تقرير مصيرها—حتى ضمن الدولة الواحدة عبر نظام أقاليم ذات إدارة ذاتية—معدومة تمامًا.
كما أن فرض أي تيار سياسي بالقوة على مكونات إيران لا ينسجم مع توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فالتجربة الفنزويلية الأخيرة تقدّم مثالًا واضحًا على أن واشنطن لا تلتزم بأشخاص بعينهم، بل تتحرك وفق منطق المصالح. إذ كانت التوقعات تشير إلى أن زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو ستكون البديل الطبيعي بعد اعتقال نيكولاس مادورو، غير أن تصريحات ترامب الأخيرة أوضحت أن الإدارة الأمريكية، رغم احترامها لها، لا تراها قادرة على إدارة البلاد. وهذا يؤكد أن الولايات المتحدة لا تبحث عن رموز أو وجوه ثورية، بقدر ما تبحث عن أطراف تضمن استمرارية مصالحها الاستراتيجية.
لقد انتهى زمن الثورات الكلاسيكية التي يتصدر فيها شخص واحد المشهد منذ البداية، ثم يصادر الحراك الشعبي لصالحه. وتجربة الثورة الإيرانية عام 1979 لا تزال حاضرة بقوة؛ فقد كانت ثورة متعددة الأطياف، شارك فيها اليسار، والإسلاميون، والقوميات غير الفارسية، والتيارات الليبرالية، والنقابات، لكن الجميع قبل بتزعم الخميني، لتنتهي التجربة بخديعة جماعية، أُقصيت بعدها جميع هذه القوى أو صُفّيت. وكان التياران اليساريان، مثل حزب توده ومنظمة فدائيي خلق، وكذلك منظمة مجاهدي خلق، من أكثر المتضررين، رغم تضحياتهم الكبيرة في مواجهة نظام الشاه. هذا الدرس التاريخي يجعل من الصعب، إن لم يكن مستحيلًا، إعادة إنتاج السيناريو ذاته اليوم.
أما التيار الملكي نفسه، فهو تيار مفلس سياسيًا وأخلاقيًا. فمحاولة إعادته إلى إيران تصطدم بذاكرة تاريخية مثقلة بالاستبداد والنهب؛ إذ أُطيح برضا خان عام 1941 بعد حقبة ديكتاتورية سوداء راح ضحيتها مئات الآلاف، وغادر السلطة تاركًا خلفه ثروات منهوبة بالملايين في البنوك الأجنبية. ثم جاء ابنه محمد رضا شاه، الذي حكم نحو 28 عامًا، ليغادر البلاد هو الآخر بثروات تُقدّر هذه المرة بالمليارات. فمن يضمن ألّا يعيد حفيد رضا خان إنتاج الديكتاتورية العائلية نفسها؟ ومن يضمن نزاهته وعدم لجوئه مجددًا إلى القمع ونهب ثروات البلاد؟
يضاف إلى ذلك أن الخطاب القومي الفارسي الذي يستند إليه هذا التيار يحمل تشابهًا واضحًا مع الفاشية والنازية، إذ ينظر بعض القوميين الفرس إلى أنفسهم بوصفهم «آريين» وأبناء عمومة للألمان. هذا الخطاب مرفوض على نطاق واسع من قبل الشعوب غير الفارسية، التي تشكّل أكثر من 75% من سكان إيران، كما أنه مرفوض من التيارات اليسارية والعلمانية والديمقراطية. ورغم أن أقلية قومية تمتلك المال والإعلام وتحاول تصوير نفسها على أنها الأوفر حظًا في الوصول إلى السلطة، فإن الواقع الاجتماعي والسياسي الإيراني يفنّد هذا الادعاء.
وفي خضم الاحتجاجات المتصاعدة، دعا السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام الرئيس ترامب علنًا إلى دعم المتظاهرين، واصفًا علي خامنئي بـ«النازي الديني»، في خطاب يعكس مستوى متقدمًا من التصعيد السياسي. ومع ذلك، تشير استطلاعات الرأي داخل الولايات المتحدة إلى أن غالبية الأمريكيين لا يؤيدون تدخلًا عسكريًا مباشرًا. وحتى ترامب نفسه، كما ظهر في الحالة الفنزويلية، يترك الباب مفتوحًا أمام إدارة انتقالية أو تدخل محدود، من دون التزام ببديل محدد سلفًا.
في ضوء كل ما سبق، يبدو أن رضا بهلوي ليس أكثر من ورقة ضغط إعلامية وسياسية، وربما «حصان طروادة» يُستخدم مرحليًا ثم يُستغنى عنه عند انتفاء الحاجة، كما حدث مع شخصيات معارضة أخرى في تجارب حديثة. فإيران المتعددة القوميات، الخارجة من عقود طويلة من القمع والنهب، لن تقبل بسهولة بعودة نظام وراثي ثبت فشله مرتين، ولن تسمح بإعادة تدوير الاستبداد تحت لافتة «البديل الجاهز».
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.