البسيتين في ذاكرة المكان والزمان (2)/ حامد الكناني

لم ينسَ سكان مدينة البسيتين النائية بدايات الحرب الإيرانية–العراقية، ولا ذلك اليوم الأول منها، في سبتمبر عام 1980. كان شهر سبتمبر قد حلّ، وهو الشهر الذي تبدأ فيه المدارس عادة، وكانت المدينة تستعد لعامٍ دراسي جديد، بملامح هادئة تشبه كل الأعوام السابقة. لكن الهدوء لم يدم.

فجأة، دوّى صوت الطائرات، تلاه هدير المدافع، وسقطت القذائف في محيط المدينة. خرج الناس إلى الشوارع مذعورين، يركضون بلا اتجاه، لا يعرفون إلى أين يذهبون ولا ما الذي يحدث.

في وسط الشارع، وقف أحد وجهاء المدينة، مرتديًا الزي العربي؛ الكوفية والبشت. كان يتساءل بقلق عمّا يجري، وهو يسأل المارّين من حوله: ماذا حدث؟

لم يكن يسمع أصوات المدافع، فقد كان أصمّ. لكن حين سقطت قذيفة على أحد البيوت القريبة منه، وشاهد الدخان والدمار، أدرك الحقيقة فجأة… فاندفع يركض، مثل الجميع، هاربًا من الموت.

وفي تلك اللحظات القاسية، كانت هناك عجوز من منطقة الخرابة. وحين بدأت المدافع تدكّ أطراف قريتها بلا رحمة، اضطر أهلها إلى الفرار باتجاه مدينة البسيتين. قصدوا منزلنا، إذ كانت تربط والدتهم بنا صلة قرابة. وجاءت العجوز معهم، تحمل صُرّة صغيرة تضم بعض الملابس وحُليًّا فضية، وقد أثقل الخوف خطاها، وأتعبها طول الطريق، فبدت كأنها تحمل عمرها كلّه على كتفيها.

كانت الخرابة، بالنسبة لها، كل العالم. لم تعرف مدينة غيرها وغير البسيتين. وحين اكتشفت أن البسيتين نفسها تتعرض للقصف، قرر الجميع الهرب إلى مدينة أبعد. لكن العجوز رفضت بشدة، وهي تقول بحرقة: «لا تذهبوا… أنا لا أعرف مدينة غير الخرابة والبسيتين».

في وعي تلك العجوز، كانت البسيتين تشكّل حدود العالم، وما بعدها مجهول لا يُحتمل.

وكيف لذاكرة المكان أن تمحو الزمن، لكنها لا تمحو الدم؟ كيف يمكن لتلك اللحظات الأولى أن تُنسى؟

أول ضحايا تلك الحرب في مدينتنا لم يكن جنديًا ولا مقاتلًا، بل كانت عروسًا حديثة وزميلتي في الدراسة، ملوك. قُتلت إثر أول قذيفة حربية سقطت على البسيتين.

ملوك بنت جبار، من أهل السوق كما يُطلق على سكان الأحياء القريبة من سوق المدينة. كانت تنتمي إلى عائلة ميسورة، وعاشت في شيء من الترف والدلال. وحين تقدّم عزيز لخطبتها، لم تتردد عائلتها؛ فقد كان حديث التخرّج، عُيّن موظفًا رسميًا في بنك المدينة، واشترى بيتًا صغيرًا ليبدأا فيه حياتهما معًا.

سكن الزوجان وحدهما، شابين في مطلع العمر، لم تمضِ على زواجهما سوى أشهر قليلة. ثم سقطت القذيفة. سقطت في منزلهما، وقطعت الحلم في لحظة. كانت تلك اللحظة إعلانًا قاسيًا بأن البسيتين، المدينة الهادئة، قد دخلت زمن النار.

ثم وقعت مجزرة أخرى، لا تزال تفاصيلها غامضة حتى اليوم؛ فلا يُعرف على وجه اليقين إن كانت قد ارتُكبت على يد القوات العراقية أم الإيرانية. كنت شاهدًا على تلك الفاجعة. عشرات الجثث لمدنيين نازحين، كانوا في طريقهم من البسيتين نحو مدينة الخفاجية. عند الجسر الثاني المقابل لقرية الحريزات، تعرّضوا لإطلاق نار كثيف، يُرجّح أنه من أسلحة دفاع جوي أو رشاشات ثقيلة. كانت الجثث مبعثرة على جانبي الطريق. عرفت كثيرين منهم: عباس بن حسين الهويشم، ابن حارتنا، الذي كنا نلعب معًا صغارًا؛ وبرزان (أبزين) من عشيرة الكرو‌شات؛ وامرأة مسنّة، عرفت لاحقًا أنها زوجة غلوم سبزقبائي، بائعة الحلوى المعروفة في سوق البسيتين.

وبين الجثث، كنت أبحث عن أمي. للحظةٍ ظننت أنني وجدتها. تجمّدت في مكاني. لكن حين رفعت الرياح ثوب المرأة، ظهر لون سروالها الملوّن، فعرفت أنها ليست أمي.

تلك المشاهد لا تُمحى من ذاكرة أهل البسيتين؛ يوم تحوّلت الحياة الهادئة، بلا إنذار، إلى خرابٍ ودم، وإلى نزيفٍ مفتوح لم يُغلق حتى اليوم.

كانت البسيتين، بحكم موقعها وتاريخها، ساحةً مفتوحة لكلّ الصراعات. فمن جهة، شكّلت هدفًا للثوّار والمقاومين الذين أطلقت عليهم السلطات الفارسية وصف «الفرّارية»، فيما وصفتهم الوثائق البريطانية بـ «الخارجين عن القانون». غير أنّ الحقيقة كانت شيئًا آخر تمامًا.

لم يكن أولئك «فارّين» من سلطةٍ عادلة، بل هاربين بأرواحهم من آلة قمعٍ اشتهرت بالنهب والتعذيب والتنكيل وقتل العرب. فقد كانت قوات الجندرمة الفارسية قوةً إجرامية بكلّ المقاييس، وحين كان يُستدعى أيّ مواطن عربي إلى مراكزها، كان يدرك أنّ الاستدعاء قد يكون حكمًا بالإعدام، فيفرّ إلى الأهوار طلبًا للنجاة. هناك، وُسم بلقب «الفرّاري»، لا لأنه مجرم، بل لأنه رفض الموت صامتًا.

أما القناصل البريطانيون، الذين مهّدوا لسيطرة الفرس على هذه الأرض، فقد وصفوا هؤلاء الثائرين بـ«الخارجين عن القانون»، متناسين – أو متغافلين – أنّ ذلك «القانون» كُتب بيد المستعمر، وفُرض بقوة المحتل، ولم يكن يومًا تعبيرًا عن عدالة أو شرعية.

من هذه البيئة القلقة خرج يرو أبو هيلة، ثم حاتم (حته) بن جعلوش في الميناو، وادعير بن بستان ، واكريّم الواعي، واحريجة بن احنيحن في البسيتين، وأزويمل التميمي في المحمرة، وجبار الزرقاني في الأحواز. شكّل هؤلاء وغيرهم مجموعاتٍ مقاومة استهدفت المتعاونين مع السلطات البهلوية وعناصر الجندرمة، ردًّا على القمع والظلم الممنهج.

ومن جهةٍ أخرى، كانت البسيتين نفسها هدفًا دائمًا للحملات الأمنية والملاحقات، ثم تحوّلت لاحقًا إلى هدفٍ مباشر للقصف والتفجيرات مع اقتراب شبح الحرب، لتدفع ثمن موقعها ودورها، مرةً أخرى، بالدم والخوف والخراب.

أذكر جيدًا أحد أبشع التفجيرات التي رأيتها بعيني، حين استُهدفت محطة البنزين الواقعة عند مدخل المدينة. دوّى انفجار هائل، وتصاعد عمود كثيف من الدخان الأسود. هرعت إلى المكان مشيًا، فوجدت ثلاثة أطفال قد قُتلوا. كانوا ينقلون الوقود من المحطة إلى ضفاف نهر الكرخة لتزويد القوارب. كنت أعرفهم جيدًا، إذ كنت أملك قاربًا ومحركًا، وكنت أعتمد عليهم مقابل أجر بسيط. كانوا من عشيرة الكرو‌شات، ويسكنون قرب المحطة المقابلة للمستوصف المركزي. رحلوا فجأة، كما يرحل الأبرياء دائمًا في الحروب.

ولم تتوقف المآسي عند هذا الحد. سقط عدد من أبناء البسيتين أثناء وقوفهم في طابور الوقود في المحطة نفسها. سقطت بندقية كلاشينكوف من يد احد اولاد برجس، ويُرجّح أنه كان منخرطًا في الحركة الجماهيرية لتحرير عربستان التي رافقت القوات العراقية في بدايات الحرب. كما قُتل مظلوم بن جُبير، صاحب الكشك الصغير قرب كراج عبد الله بن الحاج افليّح، كان مظلوم رجل بسيط ومحترم كان يبيع العصائر والكعك، وكان قد فقد ولده احمُيّد سابقًا بمرض عضال. وسقط كذلك الشاب الوسيم عباس بن رحيمه الزبيله، و جُرح عدد آخر.

وقبل كل ذلك، شهدت البسيتين حادثة مأساوية كبرى أثناء تشييع ناصر بن كرم بن عبد النبي. كنت موجودا في ذلك الحادث، كان المعزون يهتفون بالأهازيج، ويحمل بعضهم بنادق كلاشينكوف، فسقطت أحدى البنادق من يد احدهم وانطلق الرصاص وحصد أرواحًا بريئة، من بينهم شقيق المتوفى محمود، شاب مهذب وطموح كان يدرس معي في المرحلة المتوسطة بمدرسة دقيقي، وابن عمه جبار بن نعيم العبدالنبي طالب معهد المعلمين، فيما جُرح عبدالحي بن عبدالسادة وحبيب بن رحيم الشويخي واغويلب بن مولى المحمد وآخرون. ثم لحقت بها حوادث سير دامية أودت بحياة شباب آخرين، في سلسلة فواجع لم يعتدها أهل المدينة.

كانت البسيتين مدينة لا تعرف موت الشباب؛ كانت تعرف فقط رحيل الكبار بهدوء. لكن تلك الأحداث كانت نذرًا لكارثة أكبر. جاءت الحرب الإيرانية–العراقية فحوّلت البسيتين إلى ركام، وفرّغتها من سكانها. نزح سكان القرى إلى داخل العراق، ونزح معظم سكان المدينة إلى المدن الداخلية في إيران وانقطعت شرايين الحياة عن المدينة التي كانت تعتمد على شبكة واسعة من القرى التابعة لها. كانت البسيتين مدينة تجارة وخدمات، تعيش من حركة الريف والأهوار، لكنها بعد الحرب تحوّلت عمليًا إلى قرية شبه مهجورة، تحمل في شوارعها وبيوتها ذاكرة ثقيلة لا تزال تنزف حتى اليوم.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑