
مركز دراسات عربستان الأحواز- عبدالعزيز هواشم- كاتب أحوازي- يُعدّ التحليل الاستشرافي، أو ما يُعرف باستشراف المستقبل، من أهم أدوات التفكير الاستراتيجي التي تعتمدها الدول المتقدمة ومراكز الدراسات المؤثرة في العالم. فقبل اتخاذ أي قرار سياسي أو اقتصادي أو حتى ثقافي، تلجأ الحكومات، ولا سيما في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الغربية عمومًا، إلى تكليف مراكز أبحاث متخصصة بإعداد دراسات استشرافية تتناول السيناريوهات المحتملة، والنتائج المتوقعة، والمخاطر الكامنة، والفرص الممكنة، الناتجة عن أي خطوة أو سياسة قيد الدراسة.
هذه الدراسات لا تقدّم إجابة واحدة، بل تطرح عدة سيناريوهات مستقبلية لحدث واحد، تتعامل معها الحكومات والأجهزة الرسمية بجدية وحذر شديدين، بهدف تفادي الانزلاق نحو أزمات غير محسوبة العواقب. فهي أداة وقائية بقدر ما هي أداة تخطيط، تسعى إلى تقليل الخسائر وتعظيم المكاسب في عالم يتّسم بالتعقيد وعدم اليقين.
غالبًا ما تكون مراكز البحوث والدراسات في الدول المتقدمة مستقلة، ويقودها أكاديميون متخصصون، بعيدًا عن أي ولاءات للدولة، مما يتيح لها تقديم رؤى علمية واستشرافية موضوعية. على النقيض من ذلك، في العديد من الدول العربية والشرق أوسطية، تُنشأ المراكز عادةً لأغراض الولاءات وليس للكفاءة. يتم تعيين شخص مقرب من السلطة لتأسيس المركز، ويُوجّه تفكيره وتخطيطه وفقًا لرغبات الدولة، بحيث لا يجرؤ على تقديم صورة أو تحليل مغاير خوفًا من فقدان الدعم المالي السنوي الذي يتلقاه المركز.
نتيجة لذلك، تفتقر هذه المراكز إلى الاستقلالية الأكاديمية، ويصبح دورها في الأساس مطيّة لتبرير سياسات السلطة وليس لإنتاج معرفة موضوعية. فحتى المراكز الموجودة غالبًا ما تكون مهمشة، ولا تُؤخذ نتائجها على محمل الجد، مما يجعل القرار العربي في كثير من الأحيان رد فعل متأخرًا، بدل أن يكون فعلًا استباقيًا واعيًا.
العراق نموذجًا للفشل الاستشرافي
عندما قررت الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، احتلال العراق عام 2003، كان الموقف العربي بين مؤيد ومتفرج، دون قراءة حقيقية لتداعيات إسقاط الدولة العراقية، لا مجرد تغيير النظام. فغياب التحليل الاستشرافي العربي، وعدم التمييز بين إسقاط النظام وتدمير الدولة، أدّيا إلى نتائج كارثية على الأمن القومي العربي برمّته.
في المقابل، كانت مراكز الدراسات الغربية تدرك تمامًا أن إسقاط الدولة العراقية سيؤدي إلى فراغ استراتيجي خطير، ويمنح إيران فرصة تاريخية للتمدد والنفوذ داخل العراق والمنطقة. وقد عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ذلك صراحة حين قال إن سقوط العراق أسقط السدّ الذي كان يواجه التوسع الإيراني لقرون، ومكّن طهران من السيطرة على مفاصل الدولة العراقية، لا على النظام فقط.
عودة القومية الفارسية… الخطر القادم
اليوم، يقف العرب أمام مفترق طرق مشابه، مع تصاعد الحديث عن عودة التيار القومي الفارسي، المعروف بالتيار الملكي الشاهنشاهي، بقيادة نجل محمد رضا بهلوي. فالمواقف العربية تتراوح مرة أخرى بين التأييد السلبي، أو الترقب، أو اللامبالاة، دون دراسة معمّقة لعواقب هذا التحول على المدى المتوسط والبعيد.
هذا التيار، في حال عودته إلى السلطة، لن يكون مشروعًا ديمقراطيًا مسالمًا كما يتخيل البعض، بل يحمل في جوهره مشروعًا قوميًا توسعيًا، سرعان ما سيصطدم مع العالم العربي. وستبدأ أولى تجليات هذا الصدام بإعادة فتح ملفات حساسة، مثل تسمية الخليج العربي، والمطالبة بتبعية البحرين، والتصعيد بشأن الجزر الإماراتية الثلاث، فضلًا عن تكريس سياسات القمع والاضطهاد ضد الشعب العربي الأحوازي داخل إيران.
ولا يمكن تجاهل الارتباط الوثيق بين هذا التيار وإسرائيل، ما يعني أن الأخيرة ستكون حاضرة بقوة في صياغة السياسة الخارجية الإيرانية، خصوصًا تلك الموجّهة ضد الدول العربية الغير مطبعة علنا مع إسرائيل. كما أن التوجه التوسعي الإيراني، تاريخيًا، لم يكن نحو الشرق أو الشمال، بل ظلّ متركزًا باتجاه الجنوب، أي نحو الجغرافيا العربية.
السيناريو القادم ودروس التاريخ القريب
يقدّم التاريخ القريب مثالًا صارخًا على نكران الالتزامات وعدم الوفاء بالعهود، ولا سيما في التجربة الإيرانية الحديثة. فـرضا خان بهلوي، الذي كان جنديا بسيطا في جيش القزاق ثم شغل منصب رئيس وزراء إيران، لم يصل إلى الحكم صدفة، بل جاء بدعم مباشر من بريطانيا التي اختارته بديلًا للنظام القاجاري، ومهّدت له الطريق ليصبح شاهًا على إيران في سياق إعادة تشكيل المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى.
هذا الرجل، الذي تولّى الحكم بعد الاحتلال العسكري للأحواز، أقسم على الصداقة والتحالف مع الشيخ خزعل بن جابر آل مرداو، حاكم عربستان، وقطع له وعودًا صريحة بإعادة الأمور إلى نصابها واحترام الوضع شبه المستقل للإقليم، الذي كان يتبع الدولة الفارسية اسمياً فقط، ويتمتع باستقلال داخلي واسع. لكن ما إن عاد رضا خان إلى طهران وثبّت أركان حكمه، حتى انقلب على وعوده، وأمر باختطاف الشيخ خزعل وولي عهده، وفرض السيطرة العسكرية المباشرة على عربستان، ليتحوّل الوضع من علاقة اسمية إلى احتلال عسكري كامل ما زال قائمًا حتى اليوم.
والمفارقة التاريخية أن رضا شاه، الذي صعد إلى الحكم بدعم بريطاني، لم يلبث بعد عقد ونصف من حكمه أن ارتمى في أحضان ألمانيا النازية، وتحالف مع أدولف هتلر، في خيانة واضحة لحلفائه السابقين. هذا التحالف كان سببًا مباشرًا في إسقاط حكمه عام 1941 على يد قوات الحلفاء، وخلعه من العرش، ونفيه مذلولًا أولًا إلى الهند، ثم إلى جزيرة موريشيوس في المحيط الهندي، حيث انتهت مسيرته السياسية.
أما ابنه محمد رضا بهلوي، فقد جرى تنصيبه شاهًا لإيران بقرار دولي ضمن ترتيبات مؤتمر طهران عام 1943، الذي حضره الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، والزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. ورغم أن حكمه بدأ تحت مظلة دولية، إلا أنه سرعان ما اتجه إلى الدكتاتورية، واصطدم حتى بحلفائه، قبل أن يُطاح به لاحقًا ويضطر إلى الهروب من إيران.
وكانت الحكومة العراقية آنذاك من بين الجهات التي استقبلته وساهمت في تهيئة عودته إلى الحكم بدعم أمريكي، لكن ما إن عاد الشاه وثبّت أقدامه مرة أخرى، حتى بدأ سياسة عدائية تجاه العراق، أبرزها إثارة ملف شط العرب، وما رافق ذلك من توترات حادة بين بغداد وطهران أدت إلى عقد معاهدة الجزائر عام 1975. كما كان هو المسؤول عن احتلال الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى، طنب الصغرى، وأبو موسى)، وكاد أن يوسّع هذا الاحتلال لولا أن أوقفت بريطانيا اندفاعه عند حدود معينة.
كذلك طالب الشاه علنًا بضم البحرين إلى إيران، لكنه تراجع عن ذلك حين أُبلغ بأن نقل الملف إلى مجلس الأمن الدولي سيفتح في المقابل ملف احتلال عربستان، وهو ما كانت إحدى الدول العربية، الجزائر، مستعدة لطرحه دوليًا، الأمر الذي دفعه إلى القبول باستقلال البحرين وترك تقرير المصير لشعبها.
ويكتمل هذا السياق التاريخي بمثال آخر أكثر حداثة، يتمثل في الخميني، الذي عاش في العراق أكثر من خمسة عشر عامًا ضيفًا مكرّمًا، يتمتع بالحماية والاحترام. غير أنه ما إن استولى على السلطة في إيران عام 1979، حتى بادر إلى مطالبة الجيش العراقي بإسقاط نظامه، وحرّض الشارع العراقي على الثورة، ما أدّى إلى توتر إقليمي حاد انتهى بحرب مدمّرة استمرت ثماني سنوات.
هذه الحرب أنهكت الدولة العراقية، ومهّدت الطريق لاحقًا لحرب الكويت، ثم لسلسلة من الأحداث والعقوبات والتدخلات العسكرية التي انتهت بتدمير الدولة العراقية بالكامل عام 2003. وهكذا يبرهن التاريخ، مرة بعد أخرى، أن تجاهل الدروس الاستشرافية، والرهان على نوايا الأنظمة القومية الفارسية، كان ولا يزال خيارًا مكلفًا للعرب.
ما اشبه اليوم بالبارحة
إن الثروات الخليجية اليوم تشبه إلى حد بعيد ثروات الأحواز في مطلع القرن العشرين، التي أغرت الاستعمار البريطاني، ودفعته إلى تمكين الدولة الفارسية المفلسة آنذاك من احتلال الإقليم ومصادرة ثرواته بالشراكة مع الغرب. وما زال هذا النموذج قائمًا حتى اليوم، حيث تُستثمر ثروات الشعوب المضطهدة مقابل ضمان الحماية السياسية للنظام.
والتحليل الاستشرافي ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية لضمان الأمن القومي العربي. فلو تخيّلنا للحظة واحدة وجود دراسات استشرافية دقيقة حول وضع العراق قبل الاحتلال الأمريكي عام 2003، وكانت هذه الدراسات تقدم سيناريوهات متعددة تشمل، على سبيل المثال، تمكين نجل صدام حسين، قصي صدام حسين، في قيادة الدولة وإدارة مرحلة انتقالية تضمن استقرار الدولة العراقية، وتوجيه الجيل الجديد بعيدًا عن سياسات البعث القديمة، لربما كانت المنطقة قد تجنبت تداعيات كارثية لاحقة.
في هذه الحالة، لما تمكنت إيران من فرض سيطرتها على العراق، ولا لحق التوسع الإقليمي لقوات فيلق القدس، ولا ظهور داعش أو التيارات الإسلامية المتشددة بشقيها السني والشيعي، ولا تعطلت التنمية في العراق وسوريا ولبنان وحتى اليمن، ولا تكبدت المنطقة خسائر بشرية ومادية هائلة.
بنفس المنطق، لو وُجدت مراكز دراسات استشرافية عربية حقيقية في اليمن، وتقدمت بالسيناريوهات المناسبة بعد عملية تفجير جامع دار الرئاسة بصنعاء ومحاولة اغتيال الرئيس علي عبد الله صالح عام 2011 ونقله إلى المملكة العربية السعودية، مثل تكليف نجله بقيادة الدولة وإعادة ضخ الدماء الشبابية في الحكم لضمان وحدة الدولة واستقرارها، لربما كانت اليمن قد نجت من الانزلاق في الفوضى، ولما تمكن الحوثي من استغلال الفراغ السياسي والقفز على مؤسسات الدولة ومقدراتها، ولما دخلت البلاد في دوامة الأزمات التي لا تزال مستمرة حتى اليوم.
هذه الأمثلة تؤكد أن غياب التخطيط الاستشرافي المنهجي، وعدم الاهتمام بتطوير مراكز أبحاث متخصصة لرسم السيناريوهات المحتملة، يجعل الدول العربية دائمًا رهينة للأحداث الخارجية والتدخلات الإقليمية، مع تبعات مدمرة على الأمن القومي والتنمية البشرية والسياسية.
وعلى الدول العربية، خصوصًا تلك التي تدعم التيار الملكي الإيراني إعلاميًا أو ماليًا، أن تعيد النظر في سياساتها، وأن تدرك أن هذا التيار ليس مشروعًا للخلاص، بل جزء من نهج استعماري تاريخي أوسع يسعى للهيمنة على المنطقة وتحقيق مصالح خارجية على حساب شعوبها.
الأيام وحدها ستكشف الحقائق، لكن التاريخ – لمن أراد أن يتعلّم – قد قال كلمته مبكرًا.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.