
مركز دراسات عربستان الأحواز- حامد الكناني- بعد مرور نحو أسبوعين على اندلاع المظاهرات والاحتجاجات في إيران، والتي عمّت أكثر من سبعٍ وعشرين محافظة، بدأت التحليلات والتوجيهات السياسية تتكثّف، ولا سيما على الساحة الأحوازية. ويعود ذلك إلى شعورٍ عام بوجود فراغ في القيادة، ما دفع العديد من الناشطين الأحوازيين إلى المبادرة، سواء بشكل فردي أو ضمن مجموعات صغيرة، لإلقاء خطابات ثورية ودعوة الشارع إلى النزول والتضامن والمشاركة في الاحتجاجات.
في المقابل، اتجه بعض الناشطين إلى طرح خيارات أكثر جذرية، مثل الدعوة إلى التحرير الكامل، والابتعاد عن أي حلول سياسية داخل الإطار الإيراني المستقبلي، كالنظام الفيدرالي أو اللامركزية أو الأقاليم، وصولًا إلى المطالبة بالاستقلال أو حق تقرير المصير. وهنا لا بد من التوضيح أن مفهوم حق تقرير المصير تطوّر كثيرًا في العقود الأخيرة، ولم يعد يعني بالضرورة الانفصال وتأسيس دولة مستقلة، بل بات يُفهم اليوم – وفق الرؤية الأوروبية والدولية – على أنه حق أي شعب في اختيار شكل الحكم الذي يريده داخل الدولة الأم: هل هي دولة مركزية، أم لامركزية، أم اتحادية، أم أقاليم فيدرالية، أو حتى كونفدرالية.
من هذا المنطلق، فإن كل هذه المشاريع السياسية مشروعة، ولا ينبغي تحويلها إلى نقاط خلاف أو عوائق في هذا الظرف الحساس. فالأهم في هذه المرحلة ليس الحسم المبكر لشكل الحل النهائي، بل توسيع قاعدة المشاركة الشعبية، وضمان انخراط جميع الشعوب المضطهدة داخل إيران في هذه الاحتجاجات، التي تجاوزت – على ما يبدو – نقطة اللاعودة.
من الواضح أن النظام الإيراني يعيش حالة تآكل داخلي نتيجة العقوبات الاقتصادية، وسوء الإدارة، والخيارات السياسية الخاطئة، لا سيما اندفاعه التوسعي الأيديولوجي في المنطقة العربية، وما سببه ذلك من دمار مباشر لأكثر من أربع دول عربية، وأعباء اقتصادية وأمنية جسيمة لدول أخرى. وقد شكّل هذا السلوك خرقًا صريحًا لتعهدات إيران كدولة عضو في الأمم المتحدة، حيث تحولت من دولة يُفترض أن تسهم في الاستقرار الإقليمي إلى طرف فاعل في تقويضه، سواء عبر الميليشيات أو التدخل العسكري المباشر.
ورغم ذلك، لا يبدو أن المجتمع الدولي أو الدول الإقليمية يتجهان في هذه المرحلة نحو تفكيك إيران. فالمسعى الأساسي حاليًا هو تخفيف قبضة الديكتاتورية، واستبدال النظام القائم بنظام يحترم القانون الدولي، وحسن الجوار، ويعالج أزماته الداخلية بدل تصديرها للخارج. أما سيناريو التفكك أو الاستقلال، فهو مرتبط بما ستؤول إليه الأوضاع لاحقًا، بعد سقوط النظام إن حدث ذلك.
فإذا سقط النظام، وبرزت قيادة واسعة وفاعلة تؤمن بالديمقراطية وحقوق الشعوب – حتى ضمن إطار الدولة الإيرانية – فقد تتجه الأمور نحو صيغ حكم ذاتي أو أقاليم، كما هو الحال في إقليم كردستان العراق. أما إذا انزلقت البلاد إلى صراعات داخلية وفوضى، فقد تفرز هذه الصراعات كيانات جديدة، وتكون الأحواز – بحكم موقعها وثرواتها وخلفيتها التاريخية – من أبرز المرشحين لذلك.
في هذا السياق، حذّرتُ مرارًا، ومعي كثيرون، من خطورة التيار الملكي الذي يتزعمه رضا بهلوي. فهذا التيار، في جوهره، تيار فاشي متخلف، أثبت فشله ودمويته خلال حكم رضا خان ثم ابنه محمد رضا بهلوي. إن محاولات فرض هذا التيار على واجهة الحراك الاحتجاجي، بدعم إعلامي كثيف، تمثل خطرًا حقيقيًا ليس على الأحوازيين فحسب، بل على شعوب إيران كافة، وعلى استقرار المنطقة.
ومع ذلك، فإن رفض هذا التيار لا يعني رفض حق أفراده في العمل السياسي. هم إيرانيون، ومن حقهم أن يكونوا جزءًا من المشهد المستقبلي إذا كان لهم جمهور حقيقي. لكن الادعاء بأنهم التيار الأكثر تمثيلًا للشعب الإيراني هو تضليل واضح، تشارك فيه بعض القنوات الإعلامية، عن قصد أو عن غير قصد، وربما بتقاطعات مريبة مع مصالح النظام نفسه.
إن عودة هذا التيار إلى الحكم ستكون – في تقديري – أخطر من استمرار النظام الحالي، لما تحمله من نزعة قومية متطرفة ستقود حتمًا إلى صدامات داخلية وقومية، واحتكاكات خطيرة مع دول الجوار العربي. وكلنا نعلم أن أي توتر إقليمي ينعكس مباشرة على وضع الأحوازيين في الداخل، كما حدث خلال الحرب الإيرانية–العراقية، وبعدها في كل أزمة سياسية أو رياضية أو إعلامية.
لذلك، فإن واجبنا اليوم هو المشاركة الفاعلة في هذه الاحتجاجات، وتشكيل قيادات ميدانية أحوازية واضحة. وإذا ما سقطت مدن بيد الثوار، كما تشير بعض المعطيات، فإن من يفرض حضوره على الأرض هو من يمتلك التنظيم والهوية الواضحة. وكما يحرص الأكراد على إبراز هويتهم في احتجاجاتهم، علينا نحن الأحوازيين أن نُظهر هويتنا العربية بوضوح، ولو برمز بسيط كالكوفية، لتثبيت الوجود والحق.
وفي الختام، أوجّه رسالة صريحة للناشطين في الخارج: العمل السياسي لا يكون بالادعاء ولا بتنصيب الذات مرجعية أو “قائدًا” للشعب الأحوازي. هذا السلوك يضر بالقضية أكثر مما يخدمها. المطلوب هو العمل الجماعي، المنظم، والمؤسسي، حيث يكون القرار نتاج تشاور، لا فردية، والنضال مسارًا مشتركًا لا منبرًا شخصيًا.
نحن نطالب بحق تقرير المصير، ونشارك في الميدان، ثم لكل حادث حديث. فالفرص تصنعها الوقائع، لا الشعارات، والقرارات الكبرى يجب أن تُتخذ في ضوء ما تفرضه الظروف على الأرض.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.