البسيتين في ذاكرة المكان والزمان (3)- حامد الكناني

من بين الأسواق والمدارس، والقرى والمشاحيف، تشكّلت حكايات الناس؛ حكايات تعليمٍ شقّ دربه بصبر طويل، وسياسةٍ حضرت بثقلها القاسي، ومقاومةٍ وُلدت من رحم الظلم، وهجرةٍ فتحت أبواب سهل ميسان على مصراعيها، دون أن تُغلق باب الذاكرة. هذه ليست سيرة مدينة فحسب، بل شهادة زمنٍ كامل، وذاكرة مكانٍ نابض، وحكاية إنسان عاش البسيتين يومًا بيوم، ونهرًا بنهر، ومرحلةً تلد مرحلة.

تُعدّ مدينة البسيتين، من حيث نسيجها الاجتماعي وبيئتها الطبيعية، امتدادًا عضويًا للجزء الغربي من ميسان التاريخية، بل يمكن النظر إليها بوصفها امتدادًا حيًّا لحضارة ميسان التي مزّقتها الحدود السياسية الحديثة. فقد أصبح الجزء الشرقي من هذا الامتداد يُعرف اليوم باسم «دشت آزادگان»، بعد أن كان يُسمّى في العهدين البهلوي الأول والثاني «دشت ميشان»، فيما بقي الجزء الغربي في العراق يُعرف بمحافظة ميسان، وعاصمتها مدينة العمارة.

لم تكن البسيتين بعيدة عن العمارة في شيء؛ تشابهتا في البنية القبلية، وفي نمط العيش المرتبط بالماء والأهوار، وفي إنسان القصب والطين. هنا عاش الناس الذين يُعرفون بـ«المعدان»، يعتمدون على الزراعة، وصيد الأسماك، وتربية المواشي، ولا سيما الجاموس. يبنون بيوتهم من القصب، ويفترشون الأرض بمفارش من القصب، ويتلذذون بشواء سمك القطان، يؤكل مع خبز الطابق المصنوع من دقيق الأرز. ولم تكن هذه تفاصيل معيشية عابرة أو مستوردة، بل امتدادًا ثقافيًا متواصلًا، تشكّل عبر آلاف السنين واستقر في الذاكرة كما يستقر النهر في مجراه.

في إحدى المرات، كنتُ مشاركًا إلى جانب نخبة من أبناء الشعوب غير الفارسية في إيران، في فعاليات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف. هناك، دار نقاشٌ طويل حول حضارات بلاد ما بين النهرين، ولا سيما الحضارتين العيلامية والسومرية. وحين أشرتُ إلى أن القسم الأكبر من المجال الجغرافي لعيلام وسومر يقع اليوم في الأحواز، وأن الشعب الأحوازي هو الوريث التاريخي والشرعي لهاتين الحضارتين، اعترض أحد الحاضرين، وهو أكاديمي يحمل شهادة دكتوراه ويُدرّس في جامعة أوروبية، مؤكدًا أن الحضارة السومرية «حضارتهم» وتعود إليهم.

سألته بهدوء لا يخلو من يقين: هل لديكم خبرة بصناعة المشاحيف؟ قال: لا.

هل تبنون بيوتكم من القصب؟ قال: لا.

هل تفترشون الأرض بمفارش من القصب؟ قال: لا.

هل تتلذذون بأكل سمك القطان المشوي؟ قال: لا.

هل تعرفون خبز الطابق؟ قال: لا.

هل تمارسون تربية الجاموس؟ قال: لا.

ثم التفتُّ إلى من زعم أن الحضارة العيلامية حضارتهم، وسألته بدوري: هل لديكم زقّورات؟ هل لديكم معابد مشيّدة كما هو الحال في السوس، حيث يقوم أكبر معبد عيلامي شُيّد في عهد أحد ملوك عيلام؟ قال: لا.

فقلت له: كيف تزعمون إذن أن الحضارة العيلامية تعود إليكم، ولا يوجد في بلادكم معبد واحد يشبه المعبد العيلامي في السوس، أو أي معبد من معابد عيلام وبابل في بلاد ما بين النهرين؟

وهل من المعقول أن نجد مساجد إسلامية منتشرة في شتى بقاع العالم، دون أن يكون أول مسجد قد شُيّد في الأرض التي ظهر فيها الإسلام أولا؟!

فقلت له: من طبيعة الأمم، حين تحترم تاريخها وقادتها، أن تشيّد معابدها في أرضها الأصلية أولًا. ثم، في مرحلة لاحقة، وحين تنتشر الفكرة أو العقيدة خارج حدودها، تُشيَّد معابد أو مساجد مشابهة في البلدان البعيدة. هكذا سارت الأمم عبر التاريخ، بلا استثناء.

فكيف تزعمون أن الحضارة العيلامية حضارتكم، وأنتم لا تملكون أدوات العيش التي كان يعيش بها سكان عيلام؟ ولا تملكون معابد في جغرافيتكم تشبه ما نجده في الشوش وبلاد ما بين النهرين؟

إن هذه الحضارات ليست مجرد أسماء في الكتب، بل كيانات مرتبطة جغرافيًا وثقافيًا ببلاد ما بين النهرين، حيث نجد تشابهًا واضحًا في أدوات العيش، وأنماط البناء، وأشكال المعابد والزقّورات، ضمن رقعة جغرافية واحدة متصلة.

أما في بلدانكم، البعيدة أصلًا عن هذه الجغرافيا، فلا نجد مثل هذه التشابهات. إذ تفصل بينكم وبين بلاد عيلام وبلاد سومر جبال زاغروس، ذلك الحدّ الطبيعي والتاريخي الواضح، الذي شكّل عبر آلاف السنين فاصلًا بين حضارتين مختلفتين: حضارة بلاد ما بين النهرين من جهة، وحضارة الهضبة الإيرانية من جهة أخرى.

وإن وُجد ما يثبت حضوركم في هذه الجغرافيا، فإنه لا يخرج عن كونه حضور غزاة أو محتلين؛ كما سبقكم الإغريق والرومان وشعوب أخرى، ثم جاء بعدهم المغول فالأتراك، وحتى العرب الذين حكموا بلدانكم قرونًا طويلة. وكان لكم أنتم أيضًا أدوار احتلال في بلدان العرب. غير أن الاحتلال، مهما طال، لا يصنع حضارة، ولا يمنح حق الادعاء بالانتماء إلى تاريخ ليس لكم.

فالتاريخ لا يُكتب بالعبور العسكري، بل بالاستقرار، ولا يُثبت بالسيف، بل بالإنسان: بأدوات عيشه، وبمعابده، وباستمرارية حضارته في المكان ذاته عبر الزمن.

ثم قلت له: كيف تدّعي الانتماء إلى حضارة لا تملك من أدوات عيشها أداة واحدة؟ هذه الأدوات لم تُستخرج من المتاحف، بل لا تزال حيّة ومتوارثة في جنوب العراق وفي الأحواز، ولا سيما في سهل ميسان، إلى يومنا هذا. فالحضارة ليست نصوصًا منقولة ولا ادعاءات أكاديمية، بل أسلوب حياةٍ مستمر، وإنسانٌ ما زال يحملها في تفاصيل يومه.

وهكذا يتبيّن أن الادّعاء بالانتماء إلى حضارة دون امتلاك عناصرها المادية والثقافية ليس سوى قطيعة مع التاريخ، لا امتدادًا له.

في الماضي، لم تكن مدينة البسيتين سوى قرية صغيرة جدًا، سواء في عهد الأمير الشيخ خزعل، أو قبله في عهد المشعشعيين. وكان سهل ميسان آنذاك تجمعًا لمدن وبلدات صغيرة، مثل الخفاجية والبسيتين، ومدن أخرى كثيرة لم يعد لها اليوم أثر واضح، كمدينة الشوييب على الحدود العراقية، التي كانت في زمنها مجمعًا سكانيًا كبيرًا. ومع الاحتلال والتحولات السياسية، تغيّرت الأولويات والمراكز، فتحولت بعض هذه المدن إلى قرى، ثم أُزيلت تدريجيًا من الخرائط الرسمية.

توسّعت مدينة البسيتين بشكل ملحوظ لاحقاً، حيث شُيّدت شوارع وأحياء جديدة أُضيفت إلى المدينة القديمة. ومن يتأمل البسيتين اليوم، يلاحظ أن شوارعها مخططة بدقة، في دليل واضح على حداثة عمرانها نسبيًا؛ إذ إن المدن القديمة غالبًا ما تكون حاراتها ضيقة وزقاقها ملتوية، بعكس البسيتين التي قُسّمت أراضيها وأحياؤها وفق تخطيط هندسي منظم. ويبدو ان هذا التخطيط حدث بعد الحرب العالمية الثانية، حين جائت بريطانيا وأمريكا بنجل رضا خان مشترطة تحسين أوضاع العرب المعيشية وتخصيص جزءا من ثرواتهم النفطية للاعمار وهكذا جرى تنظيم المدينة وإضافة أراضٍ جديدة، مع إجلاء عدد كبير من سكان الحويزة والمناطق المحيطة بها.

كان نهر الكرخة يغذّي مدينة الحويزة ويمنحها الحياة، لكنه حين تعرّض للجفاف الجزئي، وفقد مصادره الطبيعية عند مدينة كوت سيد نعيم، تحوّل إلى نهر شبه ميت، فأطلق عليه الناس اسم «الكرخة العمياء» أو «الكرخ الميتة»، وهو ما تُرجم إلى الفارسية باسم «كرخه كور». وقد ترك هذا التحول البيئي أثره العميق على المدن والقرى الواقعة على ضفاف النهر، فأدى إلى اندثار بعضها، ونزوح سكانها إلى أماكن أخرى، كانت البسيتين من بينها.

واليوم، يشكّل سكان مدينة البسيتين خليطًا من السكان الأصليين والمستقرين القادمين من الحويزة وما حولها، إلى جانب عائلات جاءت من مناطق أخرى. ويُعرف السوق المحلي باسم «أهل السوق المستقرين»، ومعظمهم من أصول حويزية أو من الهوفل وبيوت من قبائل بني لام (عيلام)، ما جعل البسيتين مدينة حديثة النسيج الاجتماعي، لكنها تحمل في أعماقها تاريخًا غنيًا متجذرًا في الحضارة الميسانية والأهوار المحيطة.

كان السوق والشارع القريب من نهر الكرخة قلب الحياة في مدينة البسيتين. وما زلت أتذكر الجدران الطينية السميكة التي شكّلت جزءًا من هويتها المعمارية التقليدية. وعلى واجهة السوق، كان هناك مقهى لفارسي يُعرف باسم «علي العجمي»، يقع بجوار منزل الحاج صالح الرسن، أحد وجهاء المدينة ووالد الأستاذ عزيز بدر زاده، وبالقرب من محلات بيت الحاج ابديّر التجارية. وفي الجهة المقابلة من النهر، كان يقوم مقر الجندرمة العسكري، المعروف باسم «الباسگاه»، حيث تقطن عشيرة المنابيه بجواره.

كان هذا المقر العسكري مرتبطًا بالطريق الذي يصل مدينة الخفاجية بالبسيتين، مارًّا عبر رمال جبل مشداح، المعروفة باسم «منطقة السناف»، ثم يمتد إلى بلدة الهوفل، ومنها إلى مناطق أخرى، مثل الخزعلية، مقر بيت الحاج سبهان، أحد بيوت قبيلة بني طرف الخمسة.

أما مدينة الخفاجية، فهي تشبه البسيتين في جوانب كثيرة، وإن كانت الخفاجية الحديثة قد تشكّلت تدريجيًا. فالخفاجية الأصلية لم تكن سوى قرية صغيرة يسكنها بعض أفراد عائلة خفاجة، الذين كان يُطلق عليهم لقب «الصابئة» على ما يُظن، ولا صلة لهم بالقبيلة الكبيرة المعروفة باسم خفاجة في العراق. وفي الخفاجية الحديثة، يمكن ملاحظة التخطيط الهندسي للأحياء والشوارع، لكنه لا يعكس بساطة القرية القديمة، التي كانت أكثر التصاقًا بالنهر وبالطرق التقليدية للمنطقة.

وكما روى لي جدي، حين بدأ الشيخ خزعل حشد القبائل لمواجهة غزو رضا خان لعربستان، جاء الشيخ خزعل بنفسه في موكب مهیب وكبير في خريف عام 1924، ودخل هذه المنطقة، واجتمع بمشايخ بني طرف في الخزعلية، في بيت الحاج سبهان. وخاطبهم قائلًا إن عليهم نسيان الماضي، والالتفات إلى الحاضر والمستقبل، لأن غازيًا أو غريبًا قد يأتي لا يرحم أحدًا. وقال لهم: «منكم الرجال، ومني المال والسلاح، ندافع عن موطننا اليوم، ثم لكل حادث حديث». وأخذ بيعتهم، غير أن القوم ما إن غادر حتى اختلفوا، وسارت الأحداث بعكس ما كان يتوقع الأمير الشيخ خزعل، وبقيت التحولات في المنطقة تحمل كثيرًا من المفاجآت.

وبالطبع، تشبه الخفاجية البسيتين إلى حدّ كبير، سواء من حيث النسيج الاجتماعي أو الطبيعة البيئية؛ إذ تطورت كلتاهما من قرى صغيرة إلى تجمعات أكبر، وتعرضتا لتحولات عميقة بفعل الجغرافيا والسياسة والتغيرات الاقتصادية.

شهدت منطقتا البسيتين والخفاجية استيطانًا عربيًا ملحوظًا في عهد رضا خان، واستمر ذلك في عهد ابنه محمد رضا بهلوي. ففي عهد رضا خان، جرى التغيير الداخلي عبر نقل القبائل وإعادة توزيعها، أحيانًا على أراضٍ تعود لقبائل أخرى، بهدف خلق صراعات على الموارد، وإضعاف القوى القبلية من خلال إشغالها بصراعات داخلية، وهو ما شكّل جزءًا من سياسة السيطرة على المنطقة.

أما في عهد محمد رضا بهلوي، فقد جاء دور التخطيط العمراني والبناء الحديث. جرى جلب عائلات من مناطق أخرى في عربستان، ولا سيما من مدينتي القنيطرة (ديزفول) وتستر، وتوطينهم في الأحياء الجديدة المخططة. كما مُنح هؤلاء السكان الجدد محلات تجارية، ليصبحوا لاحقًا من أبرز تجار الخفاجية والبسيتين. وهكذا تشكّلت تركيبة سكانية جديدة، مزجت بين السكان العرب المحليين والقادمين من شمال عربستان، وأعطت المدن طابعًا اجتماعيًا واقتصاديًا مختلفًا عمّا كان عليه الحال في الماضي.

ومع هذه التحولات، فقدت البسيتين اسمها العربي، وأصبحت تُعرف باسم «بستان»، كما أصبحت الخفاجية تُعرف باسم «سوسنگرد». وكان أحد العرب المتعاونين مع السلطات الفارسية آنذاك هو من اقترح اسم «سوسنگرد»، وهو اسم مركّب من كلمتي «سوسن» و«گرد»، ويعني المدينة المحاطة بزهرة السوسن، التي كانت تنبت طبيعيًا في حقول القمح المحيطة بالمدينة.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑