

قراءة وتحليل: الاتحاد الوطني الأحوازي- مع دخول الاحتجاجات الإيرانية أسبوعها الثالث، بدأت تطفو إلى السطح تسريبات عن إعادة فتح قنوات تواصل بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني. فقد تداولت بعض وسائل الإعلام أنباء عن اتصالات أو محادثات غير معلنة بين وزير الخارجية الإيراني ومسؤولين مقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ورغم نفي البيت الأبيض أو تقليله من أهمية هذه الأخبار، واعتباره أن طهران قد تكون تسعى فقط إلى كسب الوقت وتخفيف الضغوط، إلا أن مجرد تسريب خبر كهذا يحمل دلالات سياسية عميقة لا يمكن تجاهلها.
فالولايات المتحدة، تاريخيًا، تُدار بعقلية الصفقات، والرئيس دونالد ترامب معروف بنزعته إلى الحلول التفاوضية المفاجئة، حتى في ذروة التوتر. ومن هذا المنطلق، لا يمكن استبعاد وجود صفقة غير معلنة قيد التشكل، خاصة إذا ما ربطنا هذه التسريبات بجملة من المؤشرات الميدانية التي تلتها مباشرة.
من أبرز هذه المؤشرات، منح النظام الإيراني هامشًا زمنيًا تزامن مع قطع شامل للإنترنت، واستخدام مفرط للقوة لقمع الاحتجاجات الشعبية. كما برزت تقارير عن إعادة انتشار لقوات موالية لطهران داخل إيران، شملت عناصر من الحشد الشعبي العراقي، وقوات فاطميون العائدة من أفغانستان، إلى جانب عناصر من حزب الله، فضلًا عن التصعيد الكبير في دور الحرس الثوري والأجهزة الأمنية.
وفي الوقت الذي كانت فيه أنظار العالم تتجه نحو البيت الأبيض، وترقب أي خطوة عملية أو عسكرية ضد إيران، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن أن أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران ستُفرض عليها رسوم جمركية بنسبة 25% على تعاملاتها مع الولايات المتحدة. وهو ما يشير بوضوح إلى عودة ترامب إلى سلاحه التقليدي: العقوبات الاقتصادية، بدلًا من أي تحرك مباشر كان قد لوّح به سابقًا، حين توعد النظام الإيراني بضربات قاسية في حال استمر في قتل المحتجين.
يأتي هذا في ظل مشاهد صادمة خرجت إلى العلن، تُظهر أكوامًا من جثث الشباب المحتجين، وارتكاب مجازر في عدد من المدن الإيرانية، لا سيما في المدن العربية في الأحواز، إلى جانب حملات اعتقال واسعة بالآلاف، وحضور علني لقوات الحشد الشعبي التي تحركت من جنوب العراق باتجاه الأحواز ثم إلى مدن إيرانية أخرى. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يعقل أن تمر هذه الأرتال العسكرية دون علم أو رصد أمريكي؟ أم أن ما يجري يتم تحت سقف تفاهمات غير معلنة؟
لقد أثبتت التجربة أن العقوبات، مهما اشتدت، لا تُسقط النظام الإيراني، بل غالبًا ما تمنحه هامشًا أوسع لقمع الشارع وتجويع الناس. تأثير العقوبات حقيقي لكنه طويل الأمد، بينما يمتلك النظام أدوات متعددة للالتفاف عليها. في المقابل، لم تتجاوز مواقف الاتحاد الأوروبي—بما فيه ألمانيا وفرنسا وبريطانيا—حدود التصريحات الخجولة والإدانات اللفظية، دون أي خطوات عملية جادة.
كل ذلك دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن النظام حصل على ضوء أخضر غير معلن لإنهاء الاحتجاجات بالقوة. وهو ما عبّر عنه أحد النشطاء الإيرانيين حين كتب: «يبدو أن اللعبة قد انتهت». غير أن هذا الاستنتاج يتجاهل حقيقة أساسية: ما يجري اليوم ليس نهاية، بل حلقة جديدة في مسار نضالي طويل.
لقد سبق أن حذّر كثيرون من محاولات نجل شاه إيران، رضا بهلوي، ركوب موجات الاحتجاج، إذ غالبًا ما تنتهي هذه المحاولات بإرباك الحراك وإضعافه. ويعتقد عدد واسع من المتابعين أن تحركات التيار الملكي لا تهدف إلى إسقاط النظام بقدر ما تهدف إلى منع ثورة حقيقية قد تفضي إلى تفكك الدولة الإيرانية، وهو هاجس يشترك فيه النظام ومعه بعض القوى الإقليمية. ففرض شخصية ذات تاريخ استبدادي، مثل رضا بهلوي، يخيف قطاعات واسعة من شعوب إيران، ويُعيد إلى الأذهان شبح الديكتاتورية البهلوية.
ويرى الكاتب الإيراني مهدي جامي أن الاحتجاجات الأخيرة اتسمت بطابع «خارجي»، قادها التيار الملكي من الخارج دون قيادة داخلية حقيقية، واعتمدت على التضليل الإعلامي والاستقواء بالأجنبي، ما جعلها حركة عاجزة عن التحول إلى ثورة حقيقية. ويؤكد أن ما سُمّي بـ«ثورة الخارج» انتهى، وأن المستقبل لا يمكن أن يكون في استعادة الماضي، بل في الحراك الشعبي الداخلي.
في المقابل، يرى السير أليكس يونغر، الرئيس السابق للاستخبارات البريطانية (MI6)، أن ما تشهده إيران اليوم يمثل بداية النهاية للجمهورية الإسلامية على المدى البعيد، حتى لو نجح النظام مؤقتًا في قمع الاحتجاجات. فالقوة قد تفرض سيطرة آنية، لكنها لا تعيد شرعية مفقودة، بل تُدخل النظام في مسار انهيار بطيء واستنزاف داخلي.
وهنا تبرز الحقيقة الأهم: نضال الشعوب داخل إيران، وفي مقدمتها الشعب الأحوازي، ليس رهين لحظة احتجاج واحدة، ولا مرتبطًا بنجاح أو فشل انتفاضة بعينها. فالتاريخ الأحوازي حافل بمحطات مقاومة متراكمة: من انتفاضة المحمرة عام 1979، إلى انتفاضة الكرامة عام 1985، وانتفاضة نيسان 2005، واحتجاجات 2009، وانتفاضات 2011، وانتفاضات العطش، ومجزرة معشور عام 2018، وصولًا إلى الانتفاضات المتكررة في السنوات الأخيرة.
هذه التجارب، بكل ما حملته من تضحيات وقمع، راكمت وعيًا وخبرة نضالية لدى الشعب الأحوازي وبقية الشعوب غير الفارسية، وحتى قطاعات واسعة من الشعب الفارسي نفسه. وما نشهده اليوم هو قطيعة كاملة بين المواطن والنظام، وشرخ لا يمكن ترميمه.
سواء نجحت هذه الثورة الآن أو تأجلت، فلن يتوقف مسار الكفاح. الشعب الذي دفع هذه التكاليف الباهظة وتدرّب على مواجهة القمع لن يعود إلى نقطة الصفر.
مستقبل التيار الملكي وولي عهد الفرس المزعوم، خصوصًا، قد ينتهي تمامًا بانتهاء الاحتجاجات وفشلها. كما أعلن هذا التيار مرارًا: «هذه المعركة الأخيرة»، فقد كانت الفرصة الأخيرة للتيار العنصري الفاشي والعنيف الذي أثبت خلال الأحداث الأخيرة وفترتي حكم رضاخان ومحمد رضا بهلوي فشله وسوء إدارته للبلاد.
ما يحدث اليوم هو جزء من فصل طويل، يحمل رسالة واضحة: شرعية النظام في تراجع، وعهد الطاعة قد انتهى، حتى لو تأخر التغيير السياسي.
الاتحاد الوطني العربي في الأحواز
13 يناير 2026
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.