
مركز دراسات عربستان الأحواز- يُعدّ المرسوم رقم (13) لعام 2026 الصادر عن رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع والمتعلق بحقوق المواطنين الكُرد السوريين وثيقةً بالغة الأهمية من منظور الحقوق السياسية والهوية والتاريخ. فهذا المرسوم لا يكتسب دلالته من السياق السوري فحسب، بل يفتح، عند مقارنته بوضع الشعوب غير الفارسية في إيران، باباً واسعاً لطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة، ومفهوم الأمة، وعدالة التعدد القومي في الشرق الأوسط المعاصر.
ينصّ المرسوم بوضوح على أن الكُرد السوريين «جزءٌ أساسي وأصيل من الأمة السورية»، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تُعدّ جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والمتكاملة. ولا يقتصر هذا الاعتراف على الطابع الرمزي، بل يشمل التزام الدولة بدعم التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق المواطنين الكُرد في إحياء تراثهم وتطوير لغتهم الأم في إطار السيادة الوطنية. وقد جرى الاعتراف باللغة الكُردية كلغة وطنية، مع السماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكّل فيها الكُرد نسبةً معتبرة من السكان. كما يُعدّ إلغاء الآثار القانونية للِإحصاء الاستثنائي لعام 1962 في محافظة الحسكة، ومنح الجنسية السورية لجميع المواطنين الكُرد المحرومين منها، خطوةً جوهرية في سبيل تصحيح ظلمٍ تاريخي طال هذه الشريحة. ويأتي اعتماد عيد نوروز عطلةً وطنية رسمية على مستوى البلاد ليجسّد إدماج عنصر ثقافي جامع وغير إقصائي في الهوية الرسمية للدولة.
وعند مقارنة هذا التوجه بوضع الحقوق القومية والإثنية للشعوب غير الفارسية في إيران، تتجلّى فجوة عميقة وبنيوية. فالقومية العربية في الأحواز، على سبيل المثال، لا تُعترف بها كقومية أو كشريك في الوطن، بل تُواجَه مطالبها الهوياتية غالباً بنظرة أمنية. ويظل التعليم باللغة العربية الأم في المدارس الرسمية شبه محظور أو محدوداً شكلياً، في ظل تمييز اقتصادي منهجي، وتغيير للأسماء الجغرافية، وقمع للنشطاء الثقافيين.
أما القومية التركية في أذربيجان الإيرانية، فتواجه إنكاراً مؤسسياً لهويتها. فاللغة التركية، رغم ملايين المتحدثين بها، لا مكان لها في النظام التعليمي الرسمي، فيما تُمارَس سياسات التحقير الثقافي وملاحقة الناشطين بتهم «الانفصالية». وفي الوقت الذي تُعلن فيه الكُردية لغةً وطنية في سوريا، تُعدّ المطالبة بتعليم التركية أو الكُردية في إيران من المحرّمات السياسية.
ويعاني الكُرد في كردستان إيران بدورهم من غياب أي اعتراف بالحقوق الجماعية. فتعليم اللغة الكُردية يقتصر على أنشطة غير رسمية أو نطاق جامعي محدود، وتخضع المناطق الكُردية لإدارة أمنية دائمة، مع حرمان اقتصادي مزمن. وفي مفارقة لافتة، يُعترف بعيد نوروز عيداً وطنياً شاملاً في سوريا، بينما قد تواجه بعض مظاهر الاحتفال بهوية نوروز الكُردية في إيران قيوداً أو إجراءات أمنية.
أما وضع القومية البلوشية في بلوشستان إيران فهو أشد قسوة، إذ تتقاطع الفقر البنيوي مع التمييز المذهبي، وارتفاع معدلات الإعدام، والحرمان الكامل من التعليم باللغة الأم. وتواجه القومية التركمانية في تركمن-صحرا، إلى جانب قوميات أخرى غير فارسية، تهميشاً مماثلاً، مع إقصائها من السردية الرسمية للأمة وحرمانها من أبسط الحقوق الثقافية واللغوية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الإشارة إلى اختلاف منشأ السلطة لدى أحمد الشرع مقارنةً بالنخب الحاكمة أو حتى قطاعات واسعة من المعارضة الإيرانية. فالشرع لم يكن معارضاً مقيماً في الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، ولم يبنِ شرعيته على شعارات قومية رومانسية من قبيل «سوريا بيتي» أو «إن لم تكن سوريا فلا حياة لي». كما لم يوظّف خطاب «الحضارة القديمة» لتبرير الإقصاء أو فرض هوية أحادية، بل انبثق من قلب مجتمعٍ سوري مأزوم ومتعدد ومجروح، فوجد نفسه مضطراً للاعتراف بحقيقة التعدد القومي بوصفه شرطاً للاستقرار.
في المقابل، تأسست الدولة الحديثة في إيران على سياسة فارسية مضى عليها أكثر من قرن، تقوم على منطق «أمة واحدة، لغة واحدة، وتاريخ واحدة». وفي ظل هذا الإطار، يُقابَل أي مطلب قومي من الشعوب غير الفارسية باتهامات جاهزة بـ«الانفصالية» أو «تهديد وحدة البلاد»، ما يجعل الحوار الحقيقي حول العدالة القومية أمراً شبه مستحيل.
وفي الختام، فإن مرسوم أحمد الشرع، بصرف النظر عن مآلات تطبيقه، يذكّر بحقيقة تاريخية مفصلية: الدول التي تولد من رحم أزمات عميقة لا مفرّ لها من الاعتراف بالتعدد وإنهاء سياسات الإنكار. وهنا يبرز السؤال المصيري:
هل يمكن توقّع انهيار النظام المركزي الفارسي ونهاية قرنٍ من السياسات غير الإنسانية القائمة على استعمار القوميات غير الفارسية؟ وهل يمكن أن يشهد المجتمع الإيراني المتعدد القوميات تحوّلاً تاريخياً مماثلاً لما حدث في سوريا؟
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.