البسيتين في ذاكرة المكان والزمان (5)- حامد الكناني

على الرغم من الحكايات التي كانت تتناسل في البسيتين كما تتناسل الأساطير في ليالي الشتاء، وتفيض بغرابتها حتى يخيّل للسامع أنها وُلدت من خيالٍ محض، فإن المدينة في نهارها كانت شيئًا آخر تمامًا: كائنًا تجاريًا يقظًا، لا ينام إلا ليستجمع أنفاسه. كان سوقها قلبًا لا يعرف التوقّف، ينبض بإيقاعٍ ثابت، ويضخّ الحياة في ما يقارب اثنتين وخمسين قرية تحيط بها كما تحيط الكواكب بنجمٍ قديم. منه كانت القرى تتزوّد بالقوت، وبشيءٍ خفيّ من الأمل، لا يُباع ولا يُشترى، لكنه يُستشعر في العيون.

في الدكاكين وأمامها، كانت خيرات الأرض مصطفّة كما لو أنها جاءت طائعة إلى السوق: أسماكٌ ما تزال رطبة بذكريات الماء، وطيورٌ حرّة مهاجرة، تحمل في ريشها ذاكرةً جماعية دوّنتها المسافات البعيدة، واستعادت فيها محطّات رحلةٍ طويلة تمتدّ من الغرب إلى الشرق، قبل أن تقع فريسةً لشباك الصيادين. كانوا ينصبون شباكهم تحت وليمةٍ مجانية من الحبوب، خاتلين في «النوشة»، يراقبون السماء بعيونٍ صبورة، وينتظرون اللحظة التي تهبط فيها الطيور، ثم لحظة سحب الشباك، حيث ينقلب الطيران إلى صمت.

وكان هناك صيادون آخرون يجوبون الأهوار، يحملون بنادق صيدٍ بدائية، ويتنقّلون في قوارب صغيرة جدًا تُسمّى «الهويري»، ينسابون فوق الماء كما لو أنهم جزءٌ منه. من بينهم كان أكرِيّم الغضب، صديق والدي، الذي عرفت ملامحه كيف تقرأ حركة الطير، وصمته كيف يسبق الطلقة. إلى جانب ذلك، كانت اللحوم والألبان، والحبوب التي يتقدّمها الشلب وحنطة أم الدبس، تلك التي كانت الحقول تنبتها بسخاءٍ يشبه الحكمة، كأنها تعرف منذ الأزل أنها عماد حياة الناس وملجؤهم في القحط.

ومن الجهة الأخرى، كان التجّار يشدّون الرحال من الأحواز ومدنٍ بعيدة، يدخلون السوق حاملين فضولهم، ويغادرونه محمّلين بالبضائع والحكايات معًا. يشترون الرزّ والألبان والطيور والسمك، ثم يعودون إلى مدنهم وهم يروون أخبار النهر والقرى، حتى غدت البسيتين عقدةً في شبكةٍ لا تُرى، مركزًا تتشابك فيه الأرواح كما تتشابك طرق التجارة، وموضعًا لم يكن مجرّد مدينة، بل صلة وصلٍ حيّة بين الناس والأرض والزمن.

كان معظم أهل البسيتين قد استقرّوا في قلبها، حيث الأزقّة الضيّقة التي تعرف وجوه ساكنيها وتحفظ أسرارهم. أمّا الأطراف، فكانت عالمًا آخر؛ أحزمةً قبليّة تحيط بالمركز كما تحيط الذاكرة بالوعي، تمنعه من الذوبان الكامل في قبضة السلطة. هناك، لم تكن الأحياء تُعرَف بالخرائط، بل بالأسماء، ولا بالعناوين، بل بالأنساب.

في الشمارية، وقفت البيوت كعلاماتٍ ثابتة في أرضٍ لا تحبّ التبدّل، تتوارثها العائلات كما يُتوارث الاسم والملامح. وفي الداير وما يليها، امتدّت بيوت بيت صياح، وبيت مهاوي، وبيت زاير علي وتفرّعت عنها بيوت أخرى، فصار المكان شجرة نسبٍ مفتوحة على السماء. وفي أبو چلاچ، تجمّعت بيوت من التويرات، والكروشات، وبيت صخر، وبيت صافي—ليشكّلوا مع غيرهم نسيجًا من القوّة المحليّة، يحمل التاريخ كما يُحمل الإرث الثقيل: بحذرٍ وفخر، وخشيةٍ من أن يضيع.

أمّا المدينة الحديثة، ولا سيما سوقها المركزي، فكانت أقلّ وفاءً لأهلها الأصليين. هناك، ظهرت بيوتٌ جاءت بها السلطات من مناطق بعيدة، قُطِعت لها الأرض كما تُقطع قطعة شطرنج وتوضع في غير مكانها. لم يكن الهدف خافيًا: تهميش أهل الأرض، وكسر هيمنة قبائل بني طرف، تلك القبائل التي عُرفت بعنادها، وبمقاومتها التي لم تُجدِ معها الأوامر ولا البنادق، ولا خطى الجندرمة الثقيلة في الأزقّة.

ومن تلك التخوم ذاتها، حيث كانت البيوت تتكاثر كما تتكاثر المظالم، انبعثت شرارة المقاومة. لم تكن ومضةً خاطفة، بل نارًا خفيّة تخلّقت ببطء، كما تتكوّن العواصف في صدر السماء. بدأت من غزوات يرو أبو هيلة، الذي نزل من الميناو ناصرًا، ثم امتدّ صداها إلى دعير البستان، وإلى اكريّم الواعي، قبل أن تبلغ حته وبطوش وسيد فهد ومن سار على خطاهم. هناك، لم يكن التمرّد بيانًا ولا شعارًا، بل فعل حياةٍ يومي، ردًّا غريزيًا على ظلمٍ يُستقبل مع الفجر، ويُرافق الناس حتى نومهم.

وعند أطراف البسيتين، حيث تلتقي الأرض بالذاكرة، شُيِّد معلمٌ تذكاري لأحد أبرز عتاة الجندرمة، المعروف بـ«غفوري»، بعد مقتله. وقف المعلم كعلامةٍ ثقيلة، لا للاحتفاء، بل للتذكير، كأن المكان أراد أن يحفظ المفارقة في صمته: حجرٌ يُخلّد القهر، وصدورٌ تحفظ المقاومة. هناك تعلّم الناس أن الدفاع عن الأرض لا يُروى في المجالس، ولا يُكتب في السجلات، بل يُمارس في الخفاء، ويُدفن في ذاكرة التراب، انتظارًا ليومٍ تخرج فيه الحكاية كاملةً إلى الضوء، كما خرجت مدنٌ كثيرة من قبل، مدنٌ لم تمت، وإن طال بها زمن العزلة.

لم تكن البسيتين، كما قيل، مجرد سوقٍ أو محطة تجارة، بل كانت كائنًا متعدّد الطبقات، مدينةً ذات وجوهٍ كثيرة تتبدّل مع كل خطوة. فيها تتجاور القبائل دون أن تذوب، وتنبض التجارة كقلبٍ لا يهدأ، وتتحوّل المدينة إلى جسورٍ تربط القرى بعضها ببعض، كما يربط النهر ضفتيه. كانت محطة عبور، ليس للبضائع وحدها، بل للأفكار والآمال والرجال الذين يحملون معهم قصصًا من بعيد.

ومنها، كان بعض أبناء البسيتين يشدّون الرحال إلى الكويت، ثم إلى الإمارات العربية المتحدة، خاصة دبي، التي كانت آنذاك مدينةً مفتوحة على العالم، تعجّ بالحركة، ويُشاد بأهلها لعلوّ مستوى التعليم واتساع الأفق. هناك، تعلّم أبناء البسيتين كيف تُدار الأسواق البعيدة، ثم يعودون—أو يرسلون أثرهم—محملين بخبرة المدن وروح البسيتين التي لا تتخلّى عن أبنائها مهما ابتعدوا، كأن المدينة تترك فيهم علامة لا تُمحى.

وفي سماء أخرى من حياة المدينة، كانت السياسة تسير بخطى ثقيلة، لكنها محسوبة كخطى رجلٍ يعرف متى يخطو ومتى يتراجع. فقد اعتاد الشاه محمد رضا بهلوي، عامًا بعد عام، أن يستدعي شيوخ العرب من عربستان، إلى جانب خانات البختياريين، في طقس سياسي يشبه المواسم الرسمية، وكأنه موسم حصادٍ لا يخص الأرض وحدها، بل يخص الولاء والسلطة. كانوا يُستقبلون في فنادق فاخرة، تُقدَّم لهم الهدايا، ويُغدق عليهم التقدير، مقابل البيعة والدعم.

وقد وثّقت المصادر البريطانية هذه اللقاءات بدقّة باردة، ورأت فيها تحولًا واضحًا في سياسة الشاه بعد الحرب العالمية الثانية، حين خلف والده رضا خان. إذ لاحظت أن محمد رضا اتخذ مسارًا مختلفًا عن قسوة الأب، فأصبحت بريطانيا، بعد طرد رضا خان، تراقب مصالحها النفطية في المنطقة بعينٍ أكثر حذرًا، ودفعته إلى سياسةٍ أكثر ليونة، تقوم على كسب ودّ الشيوخ العرب والخانات البختيارية، لضمان استقرار المنطقة وحماية مصالحها الاقتصادية.

كانت مهمة الشاه السنوية واضحة، كطقسٍ لا يخطئه أحد: يستدعي الشيوخ والخانات إلى طهران، يبقيهم يومين أو ثلاثة، يفيض عليهم بالهدايا، ثم ينتزع منهم البيعة في صورة رسمية، كما يُنتزع الزرع من الأرض. تُلتقط الصور، وتُحرّر الوثائق، ثم تُرسل إلى العواصم الكبرى—بريطانيا، وأمريكا، وحتى روسيا جزئيًا—كأنها رسائلٍ تُثبت أن القبائل ما زالت تحت السيطرة، وأن السياسة تسير وفق المخطط، وأن الولاء لم يزل يُكتب بالحبر والابتسامات.

ويروي أحد المشايخ، وقد شابت ذاكرته كما شابت لحيته، أنّه في أحد تلك اللقاءات، تلقّى شيوخ بني طرف وبعض الخانات البختيارية هدايا من الشاه، كان من بينها بندقية برنو. غير أنهم، على غير ما توقّعه البلاط، لم يطلبوا السلاح، بل طلبوا ما هو أبقى أثرًا: مدارس ومدرّسين لمناطقهم النائية، كي يتعلّم أبناؤهم، ولا يظلّوا أسرى الجهل والبعد. ويُقال إن الشاه استجاب، فأُرسلت المدارس والمعلمون، وبدأت نهضة تعليمية هادئة في مناطق بني طرف والحويزة، امتد صداها لاحقًا إلى البسيتين والخفاجية.

ومع مرور العقود، أثمرت تلك البذور. صارت الحويزة والبسيتين والخفاجية مدنًا عامرة بالمتعلمين وأصحاب الشهادات، حتى إن معظم من وصلوا إلى البرلمان عن هذه المناطق، أو عن مدينة الأحواز نفسها، كانوا من أبنائها. وعلى الضفة الأخرى من المقارنة، بقيت مناطق في شمال الإقليم أقل حظًا، إذ لم تطلب مدارس ولا معلمين، فظلّ التعليم فيها ضعيفًا، كأرضٍ لم تُزرع في موسمها.

وهكذا، أسهمت السياسات التعليمية والسياسية للشاه—بقصدٍ أو بغير قصد—في تكوين كوادر علمية ومهنية من الحويزة والبسيتين والخفاجية، غدت لاحقًا رافدًا أساسيًا للمجتمع العربي الأحوازي، في ميادين شتّى.

وفي البسيتين نفسها، نشأت مدارسٌ صارت معالم في ذاكرة الأحياء، كما تنشأ الأنهار الصغيرة بين الصخور. كانت هناك مدرسة دقيقي، ثم أُضيفت إليها مدرسة بابايان قرب كراج البسيتين الذي كان يملكه الحاج عبد الله بن حاج فليح عند مدخل المدينة، كأنها علامة ترحيب للمسافرين والدارسين على حدّ سواء. كما قامت مدرسة في منطقة الداير، وأخرى في الجهة الشرقية الجنوبية عُرفت باسم باسارجاد، كأنها أسماءٌ تُنسى فتعود لتُذكر مع كل فصلٍ جديد.

كانت مدرسة دقيقي الحدّ الأقصى لما تسمح به البسيتين لأبنائها من تعليم؛ تمتدّ حتى الصف التاسع، ثم تتوقّف، كأن المعرفة نفسها كانت تُطالَب بأن تعرف حدّها. أمّا المدارس الأخرى—بابايان، ومدارس الداير، ومدرسة المنابيه على الضفة الشرقية لنهر الكرخة—فلم تكن سوى محطّات أولى، تهيّئ الصغار لعبورٍ لا يكتمل داخل المدينة. ومن أراد أن يرى أبعد من ذلك، أن يلمس أفق الثانوية والجامعة، كان عليه أن يغادر، أن يشدّ الرحال إلى الخفاجية، حيث الفرع العلمي، ذلك الممرّ الضيّق الذي يقود، لمن يصبر، إلى الجامعة، وإلى كلية الطب على وجه الخصوص.

أما أنا، فبعد أن أتممت الصف التاسع في مدرسة دقيقي، صار الطريق بين البسيتين والخفاجية جزءًا من جسدي، أقطعه كل يوم، ولمدة أربع سنوات، ذهابًا وإيابًا، نحو ثلاثين كيلومترًا. كان الطريق يبدو أطول من الجغرافيا نفسها، كأنه امتدادٌ لزمنٍ لا ينتهي، طريقٌ لا يُقاس بالأميال بل بالصبر، وبسخونة الشمس، وبصمت الليالي التي تمرّ دون أن تسأل عن شيء.

كنت أحمل حقيبتي على كتفي، ومعها أحلامًا أثقل من التعب، وأوسع من الطريق، أحملها كما يُحمل سرٌّ مقدّس، أو وعدٌ لا يُفكّ. لم يكن ذلك اختياري وحدي، بل كان ثمرة تخطيطٍ هادئ من شقيقي أبي علي، رحمه الله، الذي رأى فيَّ طبيبًا قبل أن أرى نفسي طالبًا، وأراد لي أن أكون حاملاً لمستقبل العائلة كما يُحمل الإرث القديم: بجدٍّ، وبخشيةٍ، وبإحساسٍ ثقيلٍ بالمسؤولية.

لكن الحرب جاءت، كريحٍ عمياء، لم تُعرَف من أين جاءت ولا إلى أين تتجه، قلبت الموازين، وتلاعبت المدافع بمصائر الناس كما تتلاعب الأقدار بالنرد، فمال الطريق عن مساره، واخترت لنفسي دربًا آخر، بعيدًا عن الطب، قريبًا من ما سمح به الزمن القاسي.

وفي كل رحلة، لم أكن أسافر وحدي. كانت آمال البيت تسير بمحاذاة خطاي، وأحلام الحيّ تجلس إلى جواري، وترافقني البسيتين كلّها بصمتها العميق، كأنها تقول لي: «إننا نؤمن بك، وإن الطريق ليس نهايةً بل بداية». مدينةٌ آمنت، باكرًا، أن التعليم هو الطريق الوحيد الذي لا يجفّ ولا يفيض، ولا يخون من يسلكه، حتى وإن طال، وحتى وإن أثقل الخطى.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑