البسيتين في ذاكرة المكان والزمان (6)- حامد الكناني

كانت سيارات الجندرمة الخضراء، من نوع «جيب»، تظهر على أطراف البسيتين كما تظهر النذور السيئة في الأحلام، بلا موعدٍ ولا تفسير. لم تكن بحاجة إلى صفّارات ولا أوامر؛ كان يكفي أن يلمع هيكلها المعدني تحت الشمس حتى يختلّ انتظام القلوب. وكان الناس يقولون إن لونها ليس أخضر، بل لون خوفٍ قديم، خوفٍ تعلّم عبر السنين كيف يختبئ في العيون، وكيف ينتقل من جيلٍ إلى جيل كما تنتقل الأسماء. وفي القرى ما إن تلمحها النساء حتى يعلو الصراخ في الأزقّة: «حوم… حوم»،

كأن الكلمات نفسها تعويذة تُقذف في الهواء لصدّ الشرّ، أو نداء استغاثة موجَّه إلى السماء حين تخذل الأرض أهلها. عندها، كان المشهد يتبدّل في لحظة: الأبواب تُغلق، الوجوه تختفي، والشبان يتوارون كما تتوارى الطيور قبل العاصفة. بعضهم يلوذ بالحقول، يندسّ بين سنابل القمح، وبعضهم يختفي في الأهوار، حيث الماء يعرف أبناءه ولا يشي بهم، وآخرون ينكمشون في البيوت، في زوايا لا نوافذ لها ولا أسئلة.

لم يكن هذا الخوف وليد تلك السنوات وحدها، بل كان ذاكرةً موروثة، محفورة في الحكايات التي تُروى همسًا في الليالي الطويلة. فالناس لم ينسوا ما فعلته الدولة العثمانية حين كانت تعتقل شبّان جنوب العراق، وتسوقهم إلى جبهاتٍ لا يعرفون أسماءها، في البلقان أو غيرها، حيث يموتون بلا قبور، وتضيع أخبارهم كما يضيع الصوت في الريح. كان التجنيد يومها مرادفًا للاختفاء، لذلك صار الخوف منه إرثًا، ينتقل كما تنتقل الوصايا الثقيلة.

وذات يوم، ذهب لويتي بن غافل، ابن عشيرة البوجلدة، إلى العراق لزيارة أقاربه، ولم يعد كما ذهب. اعتُقل، واختفى خمس سنوات كاملة، لا رسالة ولا خبر. وحين عاد، عاد رجلًا آخر: تغيّر صوته، وثقلت مشيته، وعلى كتفيه رتبة «عريف» لم تكن وسامًا بقدر ما كانت أثرًا من آثار الحرب. كان الناس يرونه في شوارع البسيتين، فيصمتون لحظة، كأنهم يرون أمامهم صورة حيّة لما تصنعه الجيوش بالبشر. لم تكن عودته نجاةً خالصة، بل شهادةً تمشي على قدمين، تقول إن من يذهب قد يعود، لكنّه لا يعود كما كان أبدًا.

ومع مجيء رضا خان، لم يعد التجنيد الإجباري إجراءً عابرًا أو استثناءً ظرفيًا، بل تحوّل إلى سياسةٍ ثابتة، لا تعرف التراجع ولا تعترف بالخصوصيات. وهي سياسة لم يكن الأحوازيون قد عرفوها من قبل في عهود الاستقلال والسيادة العربية، حين كانت العلاقة بين الأرض وأهلها قائمة على الانتماء لا على القسر. لكن في زمن الاحتلال، تغيّر كل شيء، وصارت الجندرمة الفارسية تُرسل إلى القرى كما تُرسل الرياح القاسية، لا تُميّز بين بيتٍ وآخر، ولا بين شابٍ وآخر.

كانت تدخل البيوت بلا استئذان، تجمع الرجال عشوائيًا، وتدفع بهم إلى لجانٍ باردة، تفحص الأجساد كما تُفحص الدواب في الأسواق: من يصلح، ومن لا يصلح. لم تكن تلك اللجان ترى ما وراء اللحم والعظم؛ لم ترَ الحقول التي ستبقى بلا من يحرثها، ولا الأهوار التي ستخلو من صيّاديها، ولا المواشي التي ستتيه في البراري بلا رعاة. كان الشاب يُنتزع من سياقه، ويُرسل إلى معسكرات بعيدة في شمال إيران أو شرقها أو غربها، يُلقى في لغة لا يعرفها، وطقسٍ لا يشبه جلده، ونظامٍ لا يرى فيه سوى رقمٍ يُؤمر ويُعاقَب.

وفي الخلف، بعيدًا عن تلك المعسكرات، كانت الأسر تنكسر ببطء، بلا ضجيج: فقر يتسلّل إلى البيوت، جوع يُقاس بعدد الوجبات الناقصة، وانتظار بلا نهاية، انتظار يعود مع كل مساء ولا يحمل جوابًا. كانت الأمهات يعدن الأيام كما تُعدّ الخسارات، والآباء يصمتون لأن الكلام لا يعيد الغائبين.

لهذا، لم تكن أسماء بعض ضباط الجندرمة تُذكر علنًا، بل تُهمس همسًا، كما تُهمس أسماء الأمراض المخيفة التي يُخشى استدعاؤها. الهلالي، الذي اشتهر بدمه البارد، لا يتردّد في الإيذاء، ولا يرفّ له جفن وهو يضرب أو يعتقل، كأن القسوة كانت جزءًا من تكوينه. وأحمد زاده، الذي حوّل منصبه—وحتى حملات نزع السلاح من العرب—إلى تجارةٍ مربحة، يبتزّ الناس، يعتقل ليأخذ المال، ويطلق سراح من يدفع أكثر، غير عابئ بما يتركه خلفه من خراب.

لم يكن هؤلاء بحاجة إلى تماثيل أو سجلات رسمية لتخليد أسمائهم؛ فقد تولّت الذاكرة الشعبية تلك المهمّة بطريقتها الخاصة. حفظتهم في الحكايات، وفي الأهازيج، وفي الصمت المشحون بالخوف، لأن ما يُدوَّن في الذاكرة الجماعية لا يزول، حتى وإن حاولت السلطات أن تمحو أثره من الورق.

في الصيف، كان الأطفال يسبحون في نهر الكرخة كما لو أنهم يسبحون في صفحةٍ من التاريخ. كانوا يبحثون عن «الگوش»، تلك البقعة المرتفعة وسط الماء، يقفون عليها كأنهم يطالبون الأرض بأن تمنحهم مكانًا ثابتًا في وسط المتغير. وهناك، بينما يترنّحون على موجاتٍ صغيرة، ينشدون كلماتٍ لم يفهموا عمقها بعد، لكنهم حفظوها كما يُحفظ اللحن:

«هذا الگوش يعياده، ربع المولی شراده… هذا الگوش هذا الگوش… امسودن وما عندك هوش… كل وكت شيبك مملوش… وسطرات من أحمد زاده…»

لم يكونوا يدركون أنهم في تلك اللحظة لا يلهون فحسب، بل يدفنون في ذاكرة الماء تاريخًا كاملًا. كانت الأبيات الساخرة تتحول إلى قصائد هجاء، تؤرخ الأحداث وتلاحق أسماء الجلّادين في الوعي الجمعي، حتى صار الشعر ملاذًا، وسلاحًا، وطريقةً للضحك في وجه الخوف.

ومع مرور الأيام، صار اسم «خسرو» يطفو على اللسان كرمزٍ للقسوة، كأنه كائنٌ حيٌّ يعيش بين الناس، يتنفس فيهم، ويترك أثره في كل زاوية. لم يعد مجرد ضابط، بل صار اسمه علامةً تُحذّر منها الأمهات أبناءهن، وذكره الشيوخ في مجالسهم كتحذير من العتمة.

وقد أخلده الشهيد الشاعر خلف يعقوب الصخراوي في قصيدته الشعبية، حين وصف لحظة دخوله إلى المضيف، فقال:

«يا هله… ابجيتك يا خسرو يا هله… والقلوب تصيح كلها لا هله…»

ثم جاء شقيقي الراحل أبو علي ، ليبارك هذا السرد في قصيدة أخرى، ويصف تجاوزات خسرو، ويختتم البيت الذي صار شائعًا بين الناس:

«سوالف خسرو أهوايه… السلف عيزان منه وتكفي الحچايه…»

لم تكن هذه مجرد حكايات تُروى بين جلسات السمر، بل كانت سجلاً شفهيًا للقهر، تلتفّ حوله الألسن كما تلتفّ الأيدي حول النار في الليالي الباردة. كان الناس يردّدونها ليقولوا إنهم لم ينسوا، ولن ينسوا، وأن الذاكرة لا تُمحى بسهولة، حتى وإن حاولت السلطات أن تمحوها بالحديد والرصاص.

ومع ذلك، لم يكن الشرّ كاملًا، ولا كان كل ضابطٍ يحمل سلاحًا يحمل قلبًا من حجر. كان هناك ضابط جندرمة واحد، مختلف، كأن في عينيه بقايا إنسانية حاولت أن تبقى رغم القسوة المحيطة. بنى صداقة مع أحد وجهاء البسيتين، يزوره يوميًا، يشرب الشاي والقهوة، ويبدو كأنه يحاول أن يكون إنسانًا قبل أن يكون جنديًا. لكن حتى هذا الرجل لم ينجُ من منطق القوة، من قانونٍ يجعل لكل شيء ثمنًا.

حين قرر الرحيل إلى شمال إيران، اصطحب صديقه العربی في رحلة صيد، بعيدًا عن المدينة، حيث لا أحد يراقب ولا أحد يسجّل. هناك، في تلك البقعة التي لا يعرفها أحد، قيّده وضربه ضربًا مبرحًا، كأنّه يود أن يثبت أن الصداقة لا تُنقذ أحدًا من مصيرٍ أكبر من البشر. لم يكن ذلك عقابًا بقدر ما كان درسًا قاسيًا في حقيقة السلطة.

وعندما فكّ قيوده، قال له بصوتٍ باردٍ، لكنه يحمل رسالةً أخيرة، كأنها وصية قبل الرحيل: «أنا راحل، وسيأتي غيري. ليس كل الجندرمة مثلي. لا تُدخل جندرميًا بيتك بعد اليوم.»

عاد الرجل مكسور الجسد، لكنه نجا، وحمل معه درسًا صار جزءًا من الوعي الجماعي: أن الصداقة مع السلطة وهمٌ خطير. وأنه لا يوجد جندرميٌّ «إنساني» في هذا النظام، بل إن الإنسانية تُسقط نفسها في لحظة، حين يُصبح الضابط جزءًا من آلةٍ لا تعرف الرحمة، آلةٌ لا تتوقف عند حدود الوجوه أو الأسماء، ولا تفرق بين صديقٍ وعدوّ.

كانت حملات التجنيد تبلغ ذروتها في موسم الشتاء، حين يكتسي البرد المدينة بثوبٍ رمادي، وتتشبث البيوت بجدرانها كما يتشبث الإنسان بذكرياته في الليالي الطويلة. كان الطقس يجمع الناس في بيوتهم، لكن شيئًا ما في الهواء يُخبرهم بأن الخطر لن يلتزم بالباب. ففي ذلك الوقت، تصبح الشوارع كأنها عازفة صامتة، لا تُصدر سوى صدى خطواتٍ متسرعة، وكمّامات من أنفاسٍ مختنقة، بينما تتحول المدينة إلى مسرحٍ تنتظر فيه الدولة فريستها.

وكان المسجد الجامع، الذي كان يُفترض أن يكون ملاذًا للسلام، يتحوّل إلى ساحةٍ تُقام فيها طقوس العنف باسم النظام. في الداخل، كانت الجدران التي شهدت الصلاة تتحول إلى جدرانٍ تسمع صدى الشتائم والضربات، وكأنها تتذكر كل صلاةٍ سُلبت من وقتها. كان الشباب يُجمعون هناك، لا ليُعلّموا، ولا ليُذكروا، بل ليُفحصوا كما تُفحص الدواب: من يصلح، ومن لا يصلح. وفي تلك اللحظات، كان الكلام يُطلق كأنه رصاصٌ، والضربات تتوالى كما تتوالى النذر السيئة في الليل، لا تنتهي إلا حين يُسكت آخر قلب.

وأحيانًا، عندما يتصاعد التوتر، تنفجر الاشتباكات، فتتحول أصوات الناس إلى صراخٍ يعلو فوق صوت الأذان، وكأن السماء نفسها ترفض أن تكون شاهدةً على هذا الفعل. كانت الأصوات تتصاعد إلى سماءٍ لا تسمع سوى صدى الألم، وتعود إلى الأرض محمّلةً برائحة الخوف، رائحةٍ تلتصق بالملابس، وتُحفر في الوجوه، وتستقر في الذاكرة كما تستقر الحِمى في الجسد..

ثم تأتي قوات مساندة من الخفاجية، كأنها تأتي من جهةٍ أخرى من الزمن، فتتسع المدينة وتضيق في آن واحد، وتتحوّل إلى ساحة خوفٍ كبير. الأمهات يركضن خلف الباصات، يلطمن وجوههن، يذررن الطين على رؤوسهن، كأنهن يشيّعن أبناءهن إلى موتٍ مجهول. الطين الذي يلطمن به رؤوسهن ليس طينًا عاديًا، بل طينٌ مشحونٌ بالدموع، وكأنه يرمز إلى الأرض التي ستظلّ بلا رجالٍ يزرعونها، وبلا شبابٍ يملؤونها بالضحك.

لا أحد يعرف أين يذهب الشبان، ولا متى يعودون، ولا إن كانوا سيعودون أصلًا. تتبدد الأحلام كما تتبدد الدخان، وتبقى الأجساد تُساق إلى مكانٍ بعيد لا يسمع فيه أحد صوتًا.

ومن بين تلك الصور، بقيت المرأة العجوز، أمّ «دگه»، ذلك الولد الوحيد الذي كان يحمل على كتفيه عبء عائلةٍ كاملة، وخمس بناتٍ يرقصن على أطراف الجوع. حين اقتادوه، ركضت خلف الباص تصرخ، بصوتٍ يقطع الليل:

«وصّيت من دگه بخواتک».

ضحك البعض من مرارة العبارة، كأن الضحك هو آخر ما تبقى للناس. لكنّها بقيت واقفة، شاهدةً على فجيعةٍ لا تحتاج إلى تفسير، كأنها تقول: إن الوجع لا يُفهم، بل يُعاش.

وفي ليلة شتاء، حاصرت الجندرمة حيًّا من أحياء أطراف البسيتين. دخلوا بيتًا وجدوا فيه نساءً عجائز ملتفّات حول “موگد” النار، وبينهن شاب متخفٍ بعباءة. كانت العجائز، في تلك الليلة، أشبه بزينةٍ قديمة تُحاول أن تُخفي ما لا يمكن إخفاؤه. وبينما كانت النار ترقص في وسط الغرفة، جاء الضوء من المصباح، وفضح الخطة. لم تنجح الحيلة. كان الخوف أذكى من التنكّر، وأسرع من أي عباءة.

هكذا عاشت البسيتين تلك السنوات: مدينةٌ تحفظ أسماء جلّاديها في الشعر، وتقاوم بالنكتة حينًا، وبالصمت حينًا، وبالدم حينًا آخر. مدينةٌ سلّمت ذاكرتها إلى القصائد والهوسات، لأن الشعر—كما آمن أهلها—كان ديوانهم الحقيقي، والسجلّ الذي لا تستطيع الجندرمة مصادرته، ولا المدافع محوه.

وفي كل مرة يُذكر فيها اسم «خسرو» أو «الهلالي» أو «أحمد زاده»، كانت المدينة كأنها تُعيد ترتيب نفسها: تستدعي الحزن، وتعيد الحكاية، وتثبت أنها لا تزال على قيد الحياة، رغم كل ما حاولت الدولة أن تقتلع من جذورها.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑