
في موطني الأحواز، على تلك الأرضٍ الخصبةٍ العائمة على بحيراتٌ من النفط والغاز، يعيش شعبٌ عربيٌّ لم يمنحه العالم حقه في أن يكون إنسانًا. الأحوازٌ تُعدّ من أغنى أراضي الأرض، لكنها في عيون الاستعمار الفارسي مجرد بؤرة تُستنزف وتُهمش، تُقمع وتُطمس، تُسلب فيها الحياة كما تُسلب فيها الثروات.
هنا، حيث كان يفترض أن يزهر الخير وتُروى الحقول، صار الوطن سجناً بلا أبواب، والهواء نفسه عبئًا، والهوية جريمةً تُعاقب عليها السلطات، واللغة جريمةً تُقيد بها الألسنة.
أُجبر الأحوازيون على الهجرة القسرية، ليس لأنهم يريدون الرحيل، بل لأنهم لا يملكون خيارًا آخر. يضرمون النار باجسادهم أو يرحلون من أرضٍ تُغتال فيها الإنسانية ببطء، ليقفزوا إلى البحر كأنهم يرمون أنفسهم في فمٍ مفتوح لا يرحم. يركبون قواربٍ هشة، ويشقّون أمواجًا هائجة، حاملين في صدورهم أملًا واحدًا: الوصول إلى برّ الأمان، والنجاة من العنصرية الفارسية المقيتة التي تسعى إلى محوهم من الوجود.
وهكذا، يتحول البحر إلى طريقٍ ليس فيه إلا خيارين: إما النجاة، أو أن تُكتب قصتك على صفحةٍ من ماء.
على مدى أربعة أيام، ظلّ المحيط الهادئ مفتوحًا على فاجعةٍ لا تُغلق، كجرحٍ يتنفّس ولا يلتئم. كانت الأمواج تصعد وتهبط، غير آبهةٍ بالأسماء التي ابتلعتها، فيما واصل رجال الإنقاذ في إندونيسيا تمشيط المياه، يبحثون في الزرقة اللامتناهية عن بقايا بشرٍ خرجوا من اليابسة ولم يصلوا إليها من جديد. قاربهم الهشّ، المصنوع من خشبٍ متعب ومحركاتٍ واهنة، لم يكن سوى حلقةٍ أخرى في سلسلة موتٍ باتت مألوفة؛ قاربًا يُفترض أن يلتقي بسفينةٍ أكبر في عرض البحر، ليكمل الرحلة نحو أستراليا، لكن البحر—كعادته—كان أسرع من الوعود.
بدأت الرحلة صباح الثلاثاء، الثالث والعشرين من تموز/يوليو 2013، من سواحل جايانتي، البلدة الساحلية الهادئة في سيانجور الإندونيسية. هناك، وعلى رصيفٍ ضيق يطلّ على ماءٍ لا يُقرأ، صعد اللاجئون—أحوازيون وغيرهم—إلى القارب وهم يحملون ما تبقى من أعمارهم في حقائب خفيفة، وأحلامًا ثقيلة لا تطفو. لم يكن بينهم من يجهل المخاطرة، لكنهم جميعًا كانوا يعرفون أن اليابسة التي تركوها أخطر من البحر الذي يقبلون عليه.
من بين نحو مئتين وأربعة لاجئين، وصل 189 ناجيًا إلى برّ الأمان، بملابس ممزقة وعيونٍ متعبة، فيما قُدّر عدد الضحايا بخمسة عشر إنسانًا. خمسة عشر رقمًا في التقارير، لكنهم في الحقيقة عوالم كاملة: رضيع لم يعرف من الدنيا سوى الماء، وطفلة في العاشرة من عمرها كانت الرحلة بالنسبة لها لعبةً طويلة انتهت فجأة، وامرأة أحوازية في الأربعين من عمرها، كانت البحر آخر ما رأت، وأبناؤها آخر من تشبّثت به ذاكرتها.
تلك المرأة كانت سميرة عبدالله نواصر، من مدينة الأحواز. في الدقائق الأولى للفاجعة، وبين صراخ الأمواج وتكسّر الخشب وارتطام الأجساد، باغتتها نوبة قلبية، كأن قلبها اختار التوقف قبل أن يبتلعها البحر. توقّف القلب، وبقي الجسد. أمسك شقيقها وابنها علي—الشاب ذو الأربعة والعشرين عامًا—بجثمانها لأكثر من أربع ساعات، وسط بحرٍ هائج لا يرحم، يرفعهم مرةً ويُسقطهم مرة، ولا يمنحهم حتى رفاهية البكاء. كانت الأمواج تتناوب على جسدها، بينما كانا يتناوبان على التشبّث بها، خوفًا من أن تضيع كما ضاعت أحلامهم الأولى. وحين وصلت النجدة، كانت سميرة قد خرجت من عداد الناجين، ودخلت—نهائيًا—في ذاكرة البحر.
تعتقد الشرطة الإندونيسية أن القارب كان يقلّ مهاجرين من سريلانكا وإيران—غالبيتهم من الأحوازيين—والعراق. وبعد مرور أربعة أيام، تضاءلت فرص العثور على ناجين آخرين، وأُدرج المفقودون في عداد الموتى، كأن البحر قد قال كلمته الأخيرة. ومع كل ساعة تمرّ، كانت الأسماء التي لم تُعرف بعد تتحوّل إلى أرقام، والأرقام إلى صمت، مع ترجيح وجود ضحايا أحوازيين آخرين لم تصل أسماؤهم بعد إلى اليابسة.
لم تكن هذه الحادثة الأولى، ولن تكون الأخيرة، في سجلّ موت الأحوازيين على طرق اللجوء عبر المحيط الهادئ. فهذه الرحلات ليست نزوة، ولا مغامرة عابرة، بل نتيجة مباشرة لسياسات اقتلاعٍ ممنهجة، وبرامج تطهيرٍ عرقي، وظروف قهرٍ طويلة فرضتها سلطات الاحتلال الإيراني على شعبٍ عربيّ يعيش مفارقة قاسية: يُعدّ من أغنى شعوب العالم ثروة، وأفقرهم حياة.
الأحواز أرض النفط والغاز، والمياه العذبة، والأراضي الزراعية، والمعادن، والإنسان. لكنها أيضًا أرض النهب، والإقصاء، والتجفيف المتعمّد للحياة. لم تكتفِ السلطات الإيرانية بسلب الثروات، بل مضت، على مدى عقود، في تنفيذ مخطط التغيير الديموغرافي الذي صاغه أكبر رفسنجاني، واعتمدته لاحقًا حكوماتٌ رفعت شعارات الإصلاح وحوار الحضارات، بينما كانت، على الأرض، تهجّر العرب وتوطّن أكثر من مليوني فارسي ولوري وبختياري في أرضهم. أمام هذا الخنق البطيء، لم يجد كثير من أبناء الأحواز سوى البحر مخرجًا، ولو كان مخرجًا إلى الموت.
وفي سجلّ الضحايا، أسماء لا تُنسى، لأن النسيان تواطؤ آخر مع القتل:
أميرة سليماني (بني تميم)، ابنة المحمرة، ذات السبعة والثلاثين عامًا، وابنتها مدينا ذات الأعوام الثمانية، اللتان غرقتا في كانون الأول/ديسمبر 2011 أثناء رحلة لجوء من إندونيسيا إلى أستراليا. نجا الزوج محمد حرداني وابنته الثانية موبينا (10 أعوام)، بينما أُضيفت أميرة ومدينا إلى قائمة الغياب الأبدي. كما فقد الأحوازيون الطفل مصطفى خالد بيت لفته، ذو الأعوام الثلاثة، الذي لم يمهله البحر ليكبر، ولم يمنحه العالم وقتًا ليُحَبّ.
ومع ذلك، لم تكن هناك أسماء أكبر من الأثر الذي يتركه الطفل على الحياة، فقد ظهرت تينا، الفتاة ذات العشر سنوات، بعد أسبوعٍ واحد فقط من الكارثة، كصوتٍ جديد يخرج من جرح قديم. كانت تينا إحدى ثلاثة أطفال نجا من ركاب السفينة الغارقة، وكان ما تبقّى من عائلتها فقط: حقيبة صغيرة، حلقات أذنٍ صغيرة، وذاكرة طفلة تتأرجح بين ما تذكره وما فقدته.
حتى قبل أيام، كانت تينا تعيش مع والديها وأختها موبينا الصغيرة، ذات الثماني سنوات، في بيتٍ كبير وحديقةٍ جميلة ومدرسةٍ رائعة، حيث كان الحديث عن أستراليا مثل حلمٍ بعيد لكنه ممكن. كانت الأم تخبرها عن شواطئها البيضاء، وعن الحياة التي ستُبنى هناك، وكأنها تُخبرها بأسطورةٍ ستتحقق. قبل شهر بالضبط، زاروا جدة الأب لتوديعها. كانت الجدة ترفض السفر بشدة، وكأن الأرض نفسها كانت ترفض الرحيل. لكن تينا وموبينا نجحتا في إقناعها. وفي لحظة الوداع، أخرجت الجدة صندوقًا صغيرًا وعلّقت أربع حلقات أذن في أذني تينا وموبينا، كأنها تمنحهما جزءًا من نفسها لتظلّ معهما، ولو رحلوا.
في ذهن تينا، ظهر مشهد هبوط الطائرة التي نقلت الأسرة من طهران إلى دبي، كفيلمٍ يمرّ سريعًا: جمال المطار، رفاهيةُ الناس، ومقارنة الأم بين هذا العالم وبين ما تركوه في الأحواز. قالت الأم بصدمة:
“يا إلهي، هل لدينا نحن أيضًا النفط والغاز؟ هل نحن بشر أيضًا؟ من يصدق أن أهل الساحل الذين يُنظر إليهم كفقراء وسود البشرة وعرُاة، هم بهذا الشكل المتحضر؟ الآن نحن مجبرون على الهروب من بيوتنا والبحث عن حياة في مكان آخر، وإلا فمن يترك وطنه ويغادر إلى البحر؟”
وأيد الأب كلامها قائلاً:
“لو لم تبيعنا إنجلترا لرضاخان، لكان وضعنا الآن أفضل بمئة مرة. كان لدينا أهوار جميلة جدًا وخمسة أنهار كبيرة من المياه العذبة وأراضٍ واسعة خصبة. كانت بساتين نخيلنا مشهورة عالميًا، قبل تسعين عامًا كان الشيخ خزعل يُعرف بـ ‘ملك التمور’. جاء الجار ودمّر كل شيء، ولم يستفد هو من هذه الثروة ولا تركنا لنعيش في بيوتنا مثل الآخرين. أخذوا منا الحياة، ولم يتركوا لنا شيئًا. مرّ تسعون عامًا حتى وصلنا إلى هذا اليوم الأسود، حيث نبيع كل ما نملك مع حقيبة من الفقر والحرمان والعنصرية، ونعطي دولاراتنا للمهربين ونركب أمواج البحار لعلهم يصلون بنا إلى شاطئ النجاة.”
كانت السفينة محمّلة بثقلٍ كبير، تمر بجزر صغيرة واحدة تلو الأخرى، وكانت تينا تراقب حركة القبطان باستمرار. كان القبطان قد تشاجر قبل ساعات مع والدها ومع بعض اللاجئين الآخرين، لأن السفينة كانت تُحمل أكثر من طاقتها. قال الوسطاء إن السفينة تستوعب مئة راكب فقط، لكن القبطان الجشع سمح لحوالي مئتين وخمسين إنسانًا تعساء بالركوب على سطح السفينة، أي بزيادة مئة وخمسين راكبًا عن الحد المسموح. اعترض الأب على القبطان، وتشابكا بالأيدي، فقال القبطان:
“يمكنك أن تأخذ زوجتك وأطفالك وتعود إلى الشاطئ، لكن اعلم أنني لن أعود إلى إندونيسيا قبل سبع سنوات.”
فجلس الأب مضطرًا وبكى.
كانت موبينا لا تفكر في شيء سوى الألعاب، فقد وعدتها والدتها بشراء جهاز نينتندو دي إس. أغمضت عينيها السوداوين المتعبتين ونامت. أما تينا فكانت تقرأ على وجه والدتها القلق والاضطراب. وكلما ابتعدت السفينة عن الساحل، كان الخوف والرهبة يظهران أكثر في عيني الأم. التزمت تينا الصمت وألقت عينيها على الأفق، محاولة أن تبحث عن أحلامها في شاطئ مجهول على الجانب الآخر من المحيط، شاطئ لا يشبه ساحل كارون الملوث ورائحة المجاري الكريهة.
حبس اللاجئون أنفاسهم، فلم يُسمع إلا صوت تلاطم مياه البحر وموتورات السفينة المتعبة. الجميع كانوا يفكرون في اليابسة. كان الأب والأم ينظران إلى بعضهما بهدوء، كأنهما يقرآن نظرات بعضهما، كأنهما ينتظران الفراق. استيقظت موبينا من النوم، وكسر نظرات الخوف لدى والديها، وطلبت من أمها أن تأخذها إلى الحمام. أخذتها الأم إلى زاوية السفينة حيث كان هناك مرحاض، بينما وضعت تينا رأسها على كتف والدها لتنام. لكن صوتًا هائلًا في ظلمة الليل حطم كل شيء، وانقسمت السفينة إلى نصفين ثم انقلبت.
أمسك الأب ابنته بإحكام، وحاول القفز إلى النصف الآخر من السفينة حيث كانت أميرة وموبينا، لكن المسافة بين النصفين المتكسرين كانت تتزايد. في ذلك الضجيج كانوا ينادون بعضهم. كانت أميرة تحتضن موبينا بقوة وتطلب من محمد أن يعتني بتينا. وبعد دقائق اختفت الأم وابنتها ذات الثماني سنوات مع نصف ركاب السفينة في قلب الليل.
مرّت ست ساعات على الحادث. كان محمد ممسكًا بتينا بيد واحدة، ومتشبثًا بالنصف المكسور من السفينة باليد الأخرى. لم يعد لديه قوة. بدأ يستسلم، أراد الانضمام إلى أميرة وموبينا، لكن نظرته إلى تينا غيرت قراره. كانت موجة هادرة تهاجم المهاجرين الملتصقين بجذع السفينة المتكسر، وتسحبهم داخل الماء. كانوا يرون الموت بأم أعينهم.
شاب كان بجانب محمد وابنته أمسك بيد تينا النحيلة، وضعها حول عنقه وابتعد عن الآخرين، وسبح نحو قارب صيد صغير كان قد رآه قبل الآخرين. كان القارب يحمل صيادين اثنين فقط، وكانا خائفين من الاقتراب من السفينة المكسورة وركابها التعساء. أقنعهم الشاب أكبر سلامتي، وهو شاب إيراني يبلغ من العمر 34 عامًا، بصعوبة إنجليزية أنه لا ينوي ركوب القارب لنفسه ولا يفكر في إنقاذ نفسه، وطلب منهم إنقاذ الأطفال الثلاثة فقط، فوافقا. تعلم أكبر السباحة في أحد أنهار إيلام، وبعد إنقاذ تينا أوصل الطفلين الآخرين إلى القارب، ثم عاد إلى رفاقه المقهورين ليبقى معهم.
عندما وصلت تينا إلى الشاطئ، تعاطف معها الكثير من الناس. لم تكن وحدها، فكان الطفلان الآخران معها، وزارهم صحفي من صحيفة “ديلي تلغراف” الإندونيسية والتقط لها صورة. عندما سألها الصحفي من أين أتيت ولماذا؟ تذكرت تينا كلمات والديها وقالت:
“أنا عربية ومن الأحواز، وهناك يقتلون العرب.”
مرّت ثلاثة أيام على وصول تينا إلى الشاطئ. كانت عينيها تلتصقان بالباب دائمًا، فهذه الطفلة المسكينة لم تعد تحتمل هذا البلاء. لم تعد تتحمل الانتظار، ولم يعد لديها أمل في رؤية عائلتها مرة أخرى. كانت تجلس بجانب النافذة وتلمس أذنيها باستمرار، وتلمس حلقاتها الصغيرة. كانت الحلقات هي الشيء الوحيد الذي تبقى لها، فهي خيط رفيع يربطها بهويتها. كانت تلمس الحلقات فتشعر بشعور غريب، كأنها تلمس يدي جدتها الحنونة.
دخل أحد اللاجئين الأفغان الناجين وهو يحمل نسخة من صحيفة “ديلي تلغراف” وهو في حالة ذعر، وتوجه إلى تينا وأخرج الصحيفة أمام عينيها. وراءه تدفق عدد كبير من الناس إلى الغرفة منتظرين رد فعل تينا. كانت تينا مذهولة تنظر إلى صورة والدها، حيث كان الأب بوجه متعب مليء بالحزن، يحمل صورة ابنته المؤطرة على صدره.
محمد حرداني، اللاجئ العربي الأحوازي، كان مع اثني عشر لاجئًا آخر آخر الناجين من السفينة المنقلبة. لقد صمدوا ثلاثة أيام في البحر وقاتلوا الموت. فقد فقد زوجته السيدة أميرة سليماني وابنته ذات الثماني سنوات موبينا في هذه الحادثة.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.