
كانت مراسم الزواج في مدينة البسيتين ومحيطها تبدأ كأنها نبوءة طويلة تُعدّ لها شهور وحتى سنين،تبدا بالنيشان ثم الجهاز وتستمر الاحتفالات لأكثر من أسبوع، تتلوها ليالٍ تلو ليالٍ كأنها حلقات من قصة لا تنتهي. لا تقتصر الاحتفالات على يوم واحد، بل تتوزع كأطيافٍ في سماء المدينة: ليال وأيام في بيت العريس حصراً، ثم ليلة الزفة التي تأتي كخاتمةٍ مُبهرة، أو كما يقول أهل البسيتين: ليلة الدخلة، تلك الليلة التي لا تُنسى.
كانت ليلة الدخلة أكثر ليالي العرس توتّرًا، وأكثرها هشاشةً بالنسبة للعروس وذويها. ليلةٌ يُعلَّق فيها الفرح كلّه على لحظةٍ قصيرة، ويُختزل مستقبل امرأةٍ كاملة في إشارةٍ غامضة، قد تظهر أو لا تظهر.
في ختام الاحتفالات، يدخل العريس غرفة العروس، يرافقه أصدقاؤه وأقرب الناس إليه. يرقصون عند الباب، يطلقون الأهازيج، يضحكون، ثم ينسحبون واحدًا تلو الآخر، كأنهم يسلّمونه إلى قدره. بعدها يعود الجميع إلى الساحة، يجلسون في انتظارٍ ثقيل، لا يشبه انتظار الفرح، بل انتظار الحكم.
كان المتعارف عليه أن يخرج العريس بعد أقل من ساعة، يحمل في يده قطعة قماشٍ بيضاء، “النيشان”، وقد تلطخت بدمٍ صغير، يكفي ليُشعل الطبول والدفوف من جديد، وتعلو الهوسات، ويُعلن أن العرس اكتمل، وأن الشرف قد عاد إلى مكانه، مطمئنًا. عندها فقط، يعود العريس إلى غرفته، لا كضيفٍ بعد الآن، بل كزوج، وتدخل أم العروس أو خالتها أو عمتها—تلك المرأة التي لا تفارقها—بعينين دامعتين، تختلط فيهما الراحة بالفرح، كأنها نجت من امتحانٍ لا تعرف أسئلته.
لكن الحياة، كما كانت تُعرف في البسيتين، لا تسير دائمًا وفق ما يُتوقَّع.
في حالاتٍ نادرة، وصامتة، وغامضة الأسباب، لا يخرج العريس حاملاً النيشان. يتأخر الباب، يطول الصمت، ويتحوّل الانتظار إلى خوفٍ كثيف. عندها، لا يُسأل السؤال بصوتٍ عالٍ، لكنه يكون حاضرًا في كل وجه.
في بعض تلك الحالات، يُقال إن العريس لم يستطع، فيلجؤون إلى الشيخ، أو الملا، أو رجلٍ يُقال إن له علمًا بما لا يُرى. يأتي في اليوم التالي، لا ليغيّر الجسد، بل ليُرمّم النفس، ليقنع الرجل بأنه قادر، وأن ما جرى ليس عجزًا ولا نذير شؤم.
وفي حالاتٍ أشدّ قسوة، يخرج العريس غاضبًا، معلنًا أن العروس “ليست كما يجب”. عندها، تنتهي المراسم دفعةً واحدة، كأن يدًا خفية أطفأت الضوء. تخرج أم العروس تلطم وجهها، ويهبط الخبر على البيت كالموت. في الصباح، تُعاد العروس إلى بيت أبيها، لا كابنةٍ عائدة، بل كعبءٍ ثقيل.
وفي كثيرٍ من تلك النهايات، لا تكون العودة سوى محطة قصيرة. بعض الفتيات يُقتلن بدعوى الشرف، وأخريات تُخفى قصتهن بزواجٍ سرّي، في مناطق بعيدة، لرجلٍ أكبر سنًا، أو متزوّج، أو عاجز، أو مشوَّه الملامح. زواجٌ لا يُراد له أن يُرى، ولا لها أن تعود بعده إلى المدينة. كأنها تُمحى من المكان، ومن الذاكرة، ومن الكلام.
هكذا كانت ليلة الدخلة، في تلك السنوات، ليلةً لا تخص العروس وحدها، بل ليلة تُحاكم فيها امرأة باسم الجماعة، ويُقاس جسدها بموازين لا تعرف الرحمة. ليلةٌ قد تنتهي بالدفوف، أو بالصمت، أو بالفقد، لكنّها، في كل الأحوال، تترك أثرها عميقًا في ذاكرة المدينة، أثرًا لا تمحوه الأعراس التالية، ولا تغطّيه الأغاني.
إذا كانت العروس من أهل المدينة، فإن الزفة تسير على الأقدام، كأنها موكبٌ من الزمن القديم، يمرُّ بين الأزقة والشوارع، تسبقها أصوات الطبول، وتلحقها أصوات الضحكات. أما إن كانت العروس من قرية نائية، فإن الطريق لا يكتمل إلا بالماء. فالماء هناك ليس مجرد وسيلة عبور، بل هو شريانٌ يربط القرى بالمدينة، ويجمع الناس كما تجمع الأنهار رواسبها.
تُستخدم القوارب التقليدية التي كانت تُدفع بالمجاديف قبل قدوم الماتور، وتسمّى المشاحيف. ومع مجيء الشختورة أو الماطور، صارت القوارب تُعرف باسم “الماطور” أيضًا، لكن الروح بقيت نفسها: صوت الماء، ورائحة الطين، وأجساد الرجال والنساء التي تتمايل مع كل موجة كأنها ترقص فرحًا. في تلك الرحلة، يكون الجميع جزءًا من الزفة: رجالٌ ونساءٌ، كبارٌ وصغارٌ، يرافقون العروس كأنهم يرافقون شيئًا قديمًا جدًا، لا يُفهم إلا من خلال المشاركة.
وفي المناطق الشرقية من البسيتين، حيث الأرض اليابسة، كان الناس يستأجرون باصات “الميني بوس”، فتذهب الزفة إلى مقر العروس، وتعود بها، وكأنها تجرّ معها نكهة القرية إلى المدينة. كانت الزفة أشبه بكَرنفالٍ صغير، تملأه الأهازيج، والطبول، والشموع، والوجوه المتوهجة، وكأن المدينة بأكملها قد اتّحدت في لحظة واحدة.
حين تتحرّك جموع الزوّار لنقل العروس من بيت أهلها، أو من قريتها، أو من مدينةٍ أخرى إلى البسيتين، لا تبدو الرحلة مجرّد انتقالٍ عائلي، بل أشبه بمسيرٍ احتفاليّ يحمل في طيّاته معنى الغلبة. كان المرافقون، أولئك الذين يُعرفون بـ“الزوافيف”، يدخلون المكان كأنهم قوّةٌ منتصرة، لا سيوف في أيديهم، بل أصواتٌ عالية، وأهازيج تُشقّ بها الطرق، وضحكاتٍ لا تخفي قصدها.
كانت العروس تُؤخذ كما تُؤخذ الغنيمة في حكاياتٍ قديمة، لا بمعنى السلب، بل بمعنى الظفر، ويُعلَن ذلك علنًا بالأغاني والهوسات التي تتحدّى المكان وأهله. تتردّد الكلمات في الأزقّة، تصطدم بالجدران، وتصل إلى أبواب البيوت حيث يقف الناس متفرّجين. وعلى الوجوه، كان يمكن قراءة خليطٍ من الدهشة والغيظ، شعورٍ مبهم بالهزيمة، كأن مدينةً أخرى جاءت لتثبت حضورها في أرضٍ ليست لها.
كان هذا الشعور يتضاعف حين تكون العروس من مدينةٍ كبرى، مثل الخفاجية. هناك، لا يُفهم الأمر على أنه زواج فحسب، بل كنوعٍ من التجاوز الرمزي، اختبارٍ للقوة بين المدن، ومنافسةٍ غير معلنة تُدار بالأصوات لا بالسلاح. وفي المقابل، كان مرافِقو العروس يلتقطون تلك النظرات، ويزيدون من الضجيج عمدًا، يرفعون الإيقاع، ويطلقون الأبيات التي تحمل في طيّاتها شماتةً خفيفة، وسخريةً مبطّنة، كأنهم يقولون: نحن هنا، وقد أخذنا ما جئنا من أجله.
لم تكن تلك الأهازيج بريئة تمامًا، ولا كانت قاسية تمامًا؛ كانت جزءًا من طقسٍ قديم، تُمارَس فيه الرجولة بالصوت، وتُقاس الهيبة بعلوّ الغناء. ومع انطلاق الموكب مبتعدًا، يبقى المكان خلفه مثقلاً بصدى الكلمات، فيما تمضي العروس إلى مدينةٍ جديدة، لا بوصفها فردًا فحسب، بل رمزًا لحكايةٍ ستُروى طويلًا عن ليلةٍ دخلت فيها البسيتين مدينةً أخرى، وغادرتها منتصرة بالأغاني.
أما داخل بيت العريس، فتستمر الاحتفالات حتى منتصف الليل، وتُقدَّم الولائم، وتُسقى القهوة، وتُعزف الموسيقى الشعبية. ويجلس الرجال في ساحة مفتوحة إن كان الجو صيفًا، ويتوسطهم المطربون، بينما تلتف النساء في مكانٍ آخر، كأنهن يخلقن عالمًا موازياً من الحكايات والأسرار. وكانت الأغاني الشعبية تُردد كما تُردد الأذكار، ولكنها هذه المرة تحمل فرحًا، وأحيانًا حزنًا خفيفًا، كأن الزواج في البسيتين ليس مجرد اتحاد بين شخصين، بل اتحاد بين تاريخين: تاريخ العائلة، وتاريخ المدينة.
ومن بين أشهر المطربين في البسيتين:
عبد الجبار الدراجي، الذي كان صوته كأنه يحمل نبرة من بغداد أو من بغداد القديمة،
وكريم ابن اغليم ، صاحب الصوت العذب،
و سيلاوي، وهو رجل قصیر القامة، أسمر.
وكان من أبرز العازفين أيضًا مجيد بن اعبيد الدراي، المعروف بـ “الشحلي”، الذي كان يبدأ عزفه بالمطبق، ويطيل النغم حتى يغدو كأنه يروي قصة طويلة لا تنتهي. كان رجلاً طويل القامة، أسمر اللون، ذو ملامحٍ توحي بأصولٍ أفريقية، لكنه كان محبوبًا ومحترمًا، حتى أن حضوره وحده كان يكفي لإضفاء بهجة على الحفل.
وكانت الحفلات لا تخلو من فقرات كوميدية، يأتي بها المرحوم ليلو، بعد ما كانا عيسى وابدين هما ابرز من اشتهر بالكوميديا الشعبية. ليلو ذلك الإنسان الذي كان يجعل الضحكة تتسرب من بين أسنان الناس، ويجعلهم ينسون للحظات أن الزمن قد حمل معهم أعباءه. كان يحيي حفلات كثيرة، ويُدخل الفرح إلى القلوب كما يدخل الضوء إلى بيتٍ مظلم.
ولا ننسى أن بعض المطربين كانوا يأتون من خارج البسيتين، مثل:
عبد الأمير إدريس،
وأحمد كنعاني،
وحمدي صالح،
وكثيرين غيرهم، يأتون ضمن الزفات، كأنهم يأتون حاملين معهم رياح المدن البعيدة.
وكانت هناك أيضًا ليالٍ تتسلّمها فرق الغجر، أو كما كان أهل البسيتين يسمّونهم: الكَواوِلة. يأتون من مسافاتٍ بعيدة، من أطراف الأحواز، يحملون معهم أثر الطرق الطويلة، ولهجاتٍ لا تستقر، وملامح هندية لا تخطئها العين، مهما ارتدوا من أزياء عربية، أو حاولوا الذوبان في المكان. كانوا أشبه بزائرين عابرين للزمن، لا ينتمون تمامًا، ولا يُقصَون تمامًا.
ترافقهم النساء الفنانات، يرقصن ويغنين في آنٍ واحد، كأن الجسد والصوت خُلقا ليقولا الحكاية نفسها بطريقتين مختلفتين. تتسارع الإيقاعات، وترتفع الأصوات، ويذوب الليل في حركتهن، حتى تختفي الحدود بين المتفرّج والمشارك، بين الفرح المصنوع والفرح الحقيقي. في تلك اللحظات، كان الناس ينسون الخوف، ويؤجّلون الهموم، ويدفعون النقود لا بوصفها أجرًا، بل كأنها ثمن لحظةٍ مسروقة من القسوة، أو صدقة تُعطى للسحر كي لا يرحل سريعًا.
لم تكن تلك الحفلات مجرد صخبٍ عابر، بل كانت اختلالًا جميلًا في نظام الأيام، كأن المدينة تسمح لنفسها، مرةً واحدة، أن تخرج عن وقارها، وأن ترقص بلا حساب. وكان الغجر، في نظر البعض، نذير فرحٍ لا يدوم، وفي نظر آخرين، مرآةً لحريةٍ لا تُحتمل طويلًا.
وهكذا، لم تكن احتفالات الزواج في البسيتين مناسباتٍ اجتماعية فحسب، بل طقوسًا كاملة، تتداخل فيها اليابسة بالماء، والأغنية بالهوسة، والضحك بالخوف المؤجَّل. كانت أيامًا تُعاد فيها كتابة المدينة على مهل: بيوتٌ تفتح أبوابها، نساءٌ يراقبن من خلف الستائر، رجالٌ يتبادلون الصمت أكثر مما يتبادلون الكلام، وذاكرةٌ جماعية تُضاف إليها طبقةٌ جديدة من الحكايات.
في تلك الليالي، كانت البسيتين تتنفس بأكثر من روح:
روح الفرح، وروح الانتظار، وروح الحياة التي تعرف كيف تستمر، حتى وهي محاطةٌ بالخوف، وحتى وهي تمشي على حافة الغد.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.