
لندن- مركز دراسات عربستان الأحواز- دائمًا ما يتبادر إلى ذهني هذا السؤال: كيف يمكننا أن نلتفّ حول شخصٍ ما ونعتبره زعيمًا؟ نحن اليوم بحاجة إلى زعيم مطلوب لا إلى زعيمٍ منقذ، زعيم يكون مقبولًا من جميع الأطراف، أو على الأقل من غالبية الأطراف الأحوازية الموجودة في الخارج. يأتي هذا السؤال في ظل حالة واضحة من التشرذم التنظيمي والفكري والشخصي، ليس فقط على مستوى الحركات والتنظيمات، بل حتى داخل أوساط الجاليات الأحوازية في الخارج. يضاف إلى ذلك رسوبات الثقافة القبلية والمناطقية، وهي عوامل حاضرة بقوة. ورغم أنه لا فضل فيها، إلا أنها واقع قائم لا يمكن القفز عليه أو تجاهله أو غضّ الطرف عنه، لأنها متجذّرة في سلوكنا، وتصرفاتنا، وحتى في كثير من ألقابنا التي تحمل دلالات الانتماء. من هنا، لا بد من التعامل مع هذه الظواهر عبر إدارتها وضبطها لا إنكارها أو محاولة تجاوزها نظريًا. وفي هذا السياق يمكن التركيز على نقطتين أساسيتين: الأولى، أن الزعيم أو القائد يجب أن يكون قائدًا نحتاج إليه فعلًا، لا مجرد شخصية كبيرة أو ذات كاريزما أو حضور رمزي فقط. الثانية، مسألة القبيلة والمنطقة، والتي يجب احتواؤها وإدارتها بوعي، بدل تجاهلها أو رفضها أو اعتبارها غير موجودة. وبناءً على ذلك، فإن أي مشروع لصناعة القيادة يتجاهل هاتين النقطتين، مهما بدا نخبوياً أو نظرياً، أعتقد أنه سيكون مصيره الفشل.
الزعيم أو القائد الأحوازي المطلوب ليس شخصية مثالية أو معصومة من الخطأ. فالفكرة الشائعة، والمتجذّرة في ثقافتنا الاجتماعية والمذهبية، تقوم على البحث الدائم عن “المنقذ”. وفي الثقافة الشيعية، يتمثل هذا المنقذ في صورة المهدي المنتظر الذي سيأتي يومًا ليخلّص الناس، وهي فكرة دينية لها سياقها، لكنها حين تُسقَط على العمل السياسي تصبح إشكالية حقيقية. هذا التصوّر الخاطئ ينعكس على وعينا السياسي، حيث ينتظر الناس ظهور رجلٍ نقيّ، معصوم، خالٍ من الأخطاء، ليقودهم أو يحررهم، بينما الواقع يفرض منطقًا مختلفًا تمامًا. المطلوب ليس منقذًا، بل قيادة جماعية تقوم على التعاون، وتبادل الأفكار، والالتفاف حول زعيم توافقي لا تصادمي، وهذه نقطة جوهرية.
الزعيم التوافقي يجب أن يكون مقبولًا من الأغلبية، لا أن يفرض نفسه بحكم انتمائه إلى قبيلة كبرى. ففي المرحلة الأخيرة، ومع كامل الاحترام لقبيلة بني كعب ومكانتها التاريخية ودورها الاجتماعي، بات البعض يحاول ركوب موجة “الزعامة الأحوازية” عبر إضافة لقب “الكعبي” إلى اسمه، حتى من دون صلة حقيقية بالقبيلة، لأن هذا اللقب أصبح يُنظر إليه كلقب قيادي. الزعيم التوافقي قد يكون من بني كعب، وهذا على العين والرأس، وقد يكون من غيرها، ولا مشكلة في ذلك إطلاقًا. الأهم ألّا يأتي من قبيلة كبرى ليَفرض نفسه بقوة الحجم القبلي، كما لا يجوز أيضًا أن يُفرض من داخل نخبة معزولة عن المجتمع. لدينا بالفعل نخب سياسية وفكرية وثقافية مهمة، لكن كثيرًا منها يفتقر إلى التواصل الحقيقي مع المجتمع، لأسباب أمنية داخلية، أو معيشية وفكرية في الخارج. هذه النخب، رغم قيمتها، لا يمكن فرضها على الناس، وإنما يجب أن تأتي عبر التوافق والقبول العام.
أما النقطة الثالثة، فهي أن الزعيم التوافقي غير التصادمي يجب أن يكون واعيًا لحساسية الانتماءات. يمكنه أن يسأل: من أين أنت؟ من أي مدينة أو قبيلة؟ بدافع المعرفة أو بناء الثقة، من دون أن يقع أسيرًا للمنطقة أو القبيلة أو يحاكم الناس من خلالها. الهوية الوطنية الأحوازية يجب أن تكون هوية جامعة، تتسع للهويات الفرعية ولا تلغيها، بل تعيد تعريف القبيلة والمنطقة بوصفهما جزءًا من الهوية الوطنية لا نقيضًا لها. فالخطاب السياسي المطلوب لا ينكر وجود القبيلة، بل يرفض الثقافة القبلية الضيقة، ويؤكد أن الوطن هو السقف الجامع للجميع. بعبارة أخرى: القبيلة قوة اجتماعية، لكن الوطن هو الأولوية. ومن خلال هذا الفهم يمكن توسيع التعريف الجامع للهوية الأحوازية، وترسيخ الهوية الوطنية باعتبارها الإطار الأعلى الذي يحتضن باقي الانتماءات، لا الذي يقصيها.
إن التعامل مع القبيلة والمنطقة عبر محاربتهما أو محاولة كسر البنية القبلية بالقوة لا يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والتشرذم. البديل الواقعي والناجع هو إدارة هذه البُنى واحتواؤها، لا إنكارها أو الاصطدام معها. ويقوم هذا البديل على تحويل شيوخ القبائل من خصوم محتملين إلى شركاء في المشروع الوطني. يتطلب ذلك دعوتهم للحوار، والتأكيد لهم أنهم شركاء في هذا الوطن، وأن مكانتهم الاجتماعية محترمة، وآراؤهم مسموعة، على أن تكون الوطنية هي السقف الأعلى. فشيوخ القبائل شركاء لا أوصياء، وهذه قاعدة أساسية لا بد من تثبيتها بوضوح. وفي هذا الإطار، يمكن إشراك شيوخ القبائل في مجالس استشارية اجتماعية، على غرار تجربة المجلس الاتحادي في دولة الإمارات العربية المتحدة، بحيث يكون دورهم استشاريًا واجتماعيًا لا أمنيًا ولا سياسيًا. الهدف هنا هو سحب الشرعية السياسية من الشيخ مع الإبقاء على دوره الاجتماعي الطبيعي، فليس كل شيخ قبيلة مؤهلًا أو مخوّلًا لتصدّر العمل السياسي. الدور السياسي يجب أن يبقى بيد الفاعلين السياسيين الذين يمتلكون الخبرة والمعرفة اللازمة لخدمة القضية الوطنية.
إلى جانب ذلك، لا بد من اعتماد توازن مناطقي واعٍ في أي قيادة أحوازية في الخارج، بحيث تعكس هذه القيادة تمثيلًا رمزيًا لمختلف مناطق الأحواز. فالقائد الحقيقي هو من يمتلك السلوك والخطاب والأخلاق التي تمكّنه من بناء جسور مع أبناء الأحواز في جميع مناطقهم، لا من يحصر علاقاته وخطابه في أبناء قبيلته أو منطقته أو عائلته فقط. الرمزية لا تُبنى بالشعارات الكبيرة وحدها، بل غالبًا ما تُصنع عبر تفاصيل صغيرة: في الخطاب، والأمثلة، واللهجة، وطريقة الحديث. فالتقرب الواعي من مختلف المناطق عبر اللغة والتواصل يعزز القبول ويمنح القائد بعدًا رمزيًا جامعًا. أما الشخص الذي يظهر في سلوكه وتنظيمه وخطابه تركيزًا دائمًا على أبناء قبيلته أو منطقته، فلا يمكنه أن يتحول إلى رمز وطني جامع في مجتمع يتميّز بهذا التنوع القبلي والمناطقي.
الزعامة لا تُعلَن فجأة، ولا تُفرض عبر خطاب أو بيان، بل تُبنى بوصفها مسارًا تراكميًا يمر بثلاث مراحل أساسية: الشرعية الأخلاقية، والشرعية العملية، ثم الشرعية التمثيلية. في المرحلة الأولى، يجب أن يمتلك الشخص مواقف واضحة وثابتة ضد الفساد، وضد التبعية، وضد تصفية الحسابات بين الأحوازيين. فلا يشارك في الفساد، ولا يربط قضية الشعب العربي الأحوازي بأجندات عربية أو أجنبية، ولا يجعل من إثارة النزاعات الداخلية وسيلة للحضور أو النفوذ. كما تتجلى الشرعية الأخلاقية في استمرارية الخطاب؛ فعند تتبّع تصريحاته وخطاباته، ينبغي أن يظهر نهج واضح ومتّسق، عقلاني وغير متقلّب، ما يعكس وعيًا ومسؤولية سياسية. من خلال هذه الاستمرارية، يكتسب القائد ثقة الناس وشرعيته الأخلاقية.
المرحلة الثانية، الشرعية العملية (التنفيذية)، تتطلب ترجمة المواقف إلى قدرة فعلية على إدارة ملفات محددة، مثل: الإعلام، وحقوق الإنسان، وملف الأسرى والسجناء وعائلاتهم. فالقائد المطلوب هو من يستطيع توحيد الجهود حول هذه الملفات وتحقيق حدّ أدنى من التنسيق والإنجاز. وفي هذا السياق، تُعد القدرة اللغوية جزءًا من الكفاءة العملية. فعندما يتحدث القائد باللغة العربية، يجب أن تكون لغته سليمة ومقبولة. ليس المطلوب فصاحة مثالية أو مستوى نحوي أكاديمي، لكن الحد الأدنى من السلامة اللغوية ضروري. ولا يُعد تحميل الاحتلال الفارسي مسؤولية ضعف اللغة مبررًا مقبولًا، خصوصًا إذا كان الشخص قد عاش معظم حياته خارج الأحواز، وفي زمن تتوافر فيه وسائل التعلم عبر الإنترنت والتواصل الاجتماعي. إن الإصرار على عدم تطوير المهارات اللغوية يضعف الكفاءة العملية ولا يساهم في بناء الشرعية التنفيذية. إلى جانب ذلك، ينبغي أن يكون لهذا الشخص إنجازات ملموسة، ولو كانت صغيرة، لكنها تمسّ مشاعر الناس وتعكس أثرًا حقيقيًا. غير أن هذه الإنجازات تفقد قيمتها إذا شعر المتلقي بأنها موجهة لتلميع الشخص نفسه، أو تنظيمه، أو عائلته، أو منطقته، أو قبيلته. ما يمنح الإنجاز قوته هو أن يُنظر إليه باعتباره إنجازًا وطنيًا لا تنظيميًا أو حزبيًا أو فئويًا.
تُعد أخطر الإشكاليات التي تقوّض أي محاولة جادة لبناء زعامة أحوازية وطنية هي تسييس القبيلة بشكل فجّ؛ حين يحاول شخص ما تحويل قبيلته، أو منطقته، أو دائرة أصدقائه الضيقة إلى ما يشبه تنظيمًا سياسيًا، ثم تسويق هذا التجمّع بوصفه قيادة وطنية. في هذه الحالة، لا نكون أمام مشروع سياسي، بل أمام قبيلة أو شلّة بلباس سياسي. الخطر الثاني هو ارتهان القرار الأحوازي للخارج، سواء بدوافع مادية، أو اعتبارات عرقية أو مذهبية. فأن يصل الشخص إلى حد ربط القرار الأحوازي بإرادة من يدعمه أو يشاركه الانتماء الفكري أو المذهبي، يُعد انحرافًا خطيرًا. نعم، يمكن السعي إلى دعم عربي أو دولي، لكن القرار يجب أن يبقى أحوازيًا مستقلًا، لا خاضعًا لأي جهة خارجية. أما الخطر الثالث، فهو خطاب التخوين والإقصاء الوطني. فالزعيم الذي يُراد له أن يكون مقبولًا لدى الجميع، لا يمكن أن يمتلك سجلًا في تخوين الآخرين أو تكفيرهم وطنيًا. هذا الخطاب يدمّر الثقة، ويفكك المجتمع، ويحوّل الزعامة من مشروع جامع إلى أداة صراع داخلي. ويضاف إلى ذلك تضخيم الذات والتنافس المرضي، وهو واقع مؤسف لكنه موجود. غير أن الانزلاق إلى تنافس سلبي يتحول إلى حالة مرضية يقتل أي إمكانية لبناء زعامة حقيقية، ويحوّل العمل الوطني إلى ساحة استعراض شخصي وصراع نفوذ. ومن الأخطاء الخطيرة أيضًا تجاهل الداخل الأحوازي بذريعة صعوبة التواصل أو الظروف الأمنية. فالداخل هو جوهر القضية، وهو بحاجة إلى قيادة تشعر به وتتابع تطوراته، كما أن أي زعيم حقيقي يحتاج إلى فهم ما يجري في الداخل ليبني مواقفه وخطابه على واقع الناس لا على تصورات معزولة. إن أي شخص يقع في هذه الفخاخ، حتى لو امتلك حضورًا إعلاميًا أو كاريزما مؤقتة، فلن يتمكن من بناء زعامة حقيقية أو الاستمرار فيها، لأن الزعامة الوطنية لا تقوم على الفرض أو السرعة، بل على الثقة والاتساق والالتزام.
برأيي، لا بد من وضع حدّ لحالة الفراغ القيادي، أو على الأقل الخروج منها بشكل سليم ومسؤول. وربما، وحسب ما أراه في الساحة الأحوازية اليوم، لم يحن بعد وقت الزعيم الواحد، وذلك لأسباب عديدة يعرفها أبناء الأحواز في الداخل والخارج على حدّ سواء. لذلك أقترح، وهو رأي متواضع، التوجّه نحو قيادة جماعية ذكية: قيادة واعية، متعلّمة، تمتلك التأثير والخبرة، وتعمل بروح الفريق لا الفرد. ويمكن لهذه القيادة الجماعية أن تختار من يدير دفّتها لفترة زمنية محددة، ستة أشهر أو سنة مثلًا، على أن يكون هذا الدور دوريًا ومؤقتًا لا قسريًا ولا دائمًا. بهذه الآلية يمكن تجاوز إشكالية الزعامة الفردية في هذه المرحلة الحساسة، لأن ترك الباب مفتوحًا دون إطار واضح يسمح لمن لا يمتلكون مقومات القيادة أن يقدّموا أنفسهم كقادة، وأن يضخّموا ذواتهم، بل وقد يصدقوا أوهامهم، ما يؤدي إلى تضليل شرائح من المجتمع، ويفتح الباب للفتنة والانقسام داخل المجتمع الأحوازي.
وقد رأينا نموذجًا خطيرًا لذلك في الحالة الإيرانية، حين استغل حفيد رضا خان بهلوي الفراغ القيادي وفرض نفسه كقائد أو “منقذ”، معتمدا على خطاب التدخل الخارجي والدعاية الإعلامية، وهو ما أدى إلى نتائج كارثية ودفع ثمنه الآلاف من الناس الذين صدّقوا هذه الوعود الزائفة. إن السبب الجوهري لظهور مثل هذه الشخصيات ليس قوتها الحقيقية، بل الفراغ القيادي داخل المجتمعات والمكوّنات المختلفة في إيران. هذا الفراغ هو ما فتح المجال أمام شخصيات تملك المال والإعلام وشبكات النفوذ في الخارج لتقدّم نفسها بوصفها قيادة، دون امتلاك مقومات القيادة الفعلية. ومن هنا، أؤكد مجددًا على ضرورة أن يجتمع الأحوازيون ويختاروا قيادة بالتوافق لا بالتصادم. قيادة تُعبّر عنهم، وتعمل لمصلحتهم، وتختار من يديرها أو يمثّلها بشكل مؤقت أو دوري، ثم تفسح المجال لغيره، في إطار مؤسسي واضح، يمنع التفرد، ويغلق الباب أمام الزعامات الوهمية، ويحمي القضية الأحوازية من الاستغلال والانقسام.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.