هل تجاوزت طهران الخط الأحمر وبدأ العدّ التنازلي لنهاية النظام

مركز دراسات عربستان الأحواز– شهدت الأيام الماضية حولات خطيرة في شكل الصراع بين طهران والغرب، أعلنت إيران تصنيف جيوش دول الاتحاد الأوروبي “جماعات إرهابية”، في خطوة انتقامية مباشرة على قرار الاتحاد الأوروبي إدراج الحرس الثوري الإيراني رسميًا على قائمة المنظمات الإرهابية. هذا القرار الإيراني لا يمكن اعتباره ردّ فعل دبلوماسيًا عابرًا، بل يمثل انتقالًا واضحًا من مرحلة التوتر السياسي إلى مرحلة كسر المحرمات، والدخول في المنطقة الحمراء التي غالبًا ما تكون بوابتها الأولى نحو مواجهات كبرى وتداعيات مصيرية.

قرار الاتحاد الأوروبي جاء بعد سنوات من الجدل والمطالبات، واستند إلى سجل طويل من الانتهاكات التي ارتكبها الحرس الثوري، سواء داخل إيران عبر القمع الدموي للاحتجاجات وإعدام المعارضين، أو خارجها من خلال زعزعة استقرار المنطقة وتهديد الأمن الأوروبي مباشرة. وقد عبّر وزير الخارجية الألماني بوضوح عن جوهر الموقف الأوروبي حين أكد أن تصنيف الحرس الثوري “يرسل رسالة سياسية قوية طال انتظارها”، ويضع الاتحاد الأوروبي في صف الشعب الإيراني، دفاعًا عن الإنسانية ورفضًا للقمع، مشددًا على أن أيدي الحرس الثوري “ملطخة بالدماء”، وأنه أداة رئيسية بيد النظام الإيراني لنشر العنف داخليًا وخارجيًا.

في المقابل، جاء الرد الإيراني بتصنيف جيوش عشرات الدول الأوروبية كمنظمات إرهابية، وهو رد يكشف أكثر مما يخفي. فهو لا يعكس قوة سياسية أو قدرة على الردع، بقدر ما يعكس حالة ارتباك ويأس، ومحاولة للهروب إلى الأمام عبر التصعيد. فالاتحاد الأوروبي ليس دولة واحدة، بل منظومة سياسية واقتصادية ضخمة، تمتلك أدوات ضغط هادئة لكنها شديدة الفعالية، وتتشابك مصالحها مع دول المنطقة المحيطة بإيران، فضلًا عن وجود ملايين الإيرانيين داخل أوروبا نفسها، وروابط اقتصادية وإنسانية عميقة تجعل أي قطيعة شاملة ذات كلفة باهظة على طهران قبل غيرها.

هنا يبرز السؤال المصيري: هل دخلت إيران المنطقة الحمراء؟ المؤشرات كلها تقول نعم. فما أقدمت عليه طهران يذكّر بمسارات تاريخية معروفة، أبرزها المسار الذي وُضع فيه النظام العراقي سابقًا، حين بدأت القصة بتصعيد سياسي وعقوبات، ثم انتقلت إلى التفتيش الدولي والعزل، وانتهت بعد سنوات طويلة بسقوط النظام. اليوم، تسير إيران على طريق مشابه، لكنها تواجه اتحادًا أوروبيًا يتقن سياسة “القتل بالقطن”، أي الضغط الهادئ والمتدرج الذي يخنق الأنظمة من الداخل، سياسيًا واقتصاديًا وقانونيًا، دون ضجيج عسكري مباشر.

خطورة الموقف الإيراني لا تتوقف عند الرد على التصنيف الأوروبي، بل تتغذى من عوامل أعمق، في مقدمتها خمسة عقود من الحكم الديني الذي أفرز نظامًا ديكتاتوريًا مأزومًا، وسياسات توسع إقليمي عبر جماعات ولائية باتت تهدد أمن المنطقة والعالم، إضافة إلى التجاسر على استهداف إسرائيل بالصواريخ البالستية، وهو خط أحمر أثبت التاريخ أنه لا يمر دون حساب. كما أن تمدد النفوذ الإيراني داخل المجتمعات الغربية، وارتباطه بمحاولات تهديد للأمن الأوروبي، نقل الأزمة من إطارها الإقليمي إلى مواجهة مباشرة مع الحضارة الغربية نفسها.

اليوم تقف إيران عند مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في سياسة التحدي والمواجهة، وهو خيار يعني مزيدًا من العزلة والعقوبات والتآكل الداخلي، وربما تسريع الجهود الدولية لإسقاط النظام، أو القبول باستسلام سياسي مشروط، تُفرض فيه قيود صارمة على البرنامج النووي والصاروخي، وتُفتح المواقع للتفتيش في أي زمان ومكان، ويُجبر النظام على وقف تمدده الإقليمي وكشف كل شبكاته وأدواته في المنطقة. كلا الخيارين مكلف، لكن النظام الإيراني هو من دفع نفسه إلى هذا المأزق.

إن تصنيف إيران لجيوش الاتحاد الأوروبي كـ”جماعات إرهابية” لا يمكن فصله عن الشعور بأن الخناق يضيق، وأن الخيارات تتلاشى. هو إعلان غير مباشر بأن مرحلة المناورة قد انتهت، وأن العدّ التنازلي ربما بدأ بالفعل. فحين تتجاوز الأنظمة الخطوط الحمر، وتضع نفسها في مواجهة منظومة دولية كاملة، فإن التاريخ غالبًا ما يكون قاسيًا في أحكامه، ولا يمنح فرصًا كثيرة للعودة إلى الوراء.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑