يتناول المقال المنشور في The Jerusalem Post تصوراً استراتيجياً لمستقبل إيران في أعقاب عمليات عسكرية مشتركة نُسبت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل عام 2026، ويطرح أطروحة مفادها أن إسقاط رأس النظام أو تحييد قيادته المركزية لا يكفي لإحداث تحول سياسي دائم، ما لم يُترجم ذلك إلى تغيير بنيوي في علاقة المركز بالأطراف. ووفق هذا التصور، فإن ما يسميه الكاتب “المحيط” – أي المناطق ذات الغالبية الكردية والبلوشية والعربية الأحوازية – يمثل مفتاح إعادة تشكيل الدولة الإيرانية، لا بوصفه هامشاً جغرافياً، بل باعتباره مركز ثقل استراتيجي قادراً على فرض معادلة سياسية جديدة.
ينطلق التحليل من فرضية أن الضربات الجوية، مهما بلغت دقتها، تظل محدودة الأثر إذا لم تُستكمل بوجود فعلي على الأرض، أو على الأقل بتمكين قوى محلية منظمة وقادرة على ملء فراغ السلطة. ومن هنا تأتي الدعوة إلى إنشاء منطقة حظر طيران فوق كردستان وبلوشستان وخوزستان، باعتبارها أداة لتحويل التفوق الجوي المؤقت إلى واقع سياسي مستدام. فالحظر الجوي، بحسب الطرح، لا يُنظر إليه كإجراء عسكري فحسب، بل كضمانة سياسية تمنع عودة القبضة المركزية عبر القوة الجوية، وتوفر مظلة أمان للقوى المحلية كي تدير شؤونها دون خشية من القمع.
ويضع المقال الشعوب غير الفارسية في إيران في صدارة المشهد، معتبراً أنها تمثل “الأسنان البرية” القادرة على تثبيت نتائج أي تحول عسكري. فالأكراد، وفقاً للتحليل، يمتلكون بنية سياسية وتنظيمية متقدمة، وقد أعلنوا تشكيل “ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران” (CPFIK) في فبراير 2026، متضمناً غرفة عمليات عسكرية مشتركة وخطة لإدارة المناطق ذات الغالبية الكردية في حال انهيار السلطة المركزية. أما البلوش، فقد وحّدوا فصائلهم المسلحة في إطار “جبهة المقاتلين الشعبيين” أواخر عام 2025، معبرين صراحة عن رفضهم للنظام الديني المركزي واستعدادهم لتأمين مناطقهم في الجنوب الشرقي. وفي الأحواز (خوزستان)، يُنظر إلى العرب الأحوازيين باعتبارهم عنصر الثقل الاقتصادي، نظراً لتمركز الثروة النفطية في مناطقهم، وهو ما يمنحهم موقعاً حاسماً في أي معادلة انتقالية.
التحليل يربط بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة، معتبراً أن السيطرة على الأطراف تعني عملياً التحكم في شرايين الدولة الحيوية. فالأحواز، بوصفها خزّان الطاقة الإيراني، تمثل ركيزة مالية للنظام؛ وأي تحول في إدارتها ينعكس مباشرة على قدرة المركز على تمويل أجهزته العسكرية أو نشاطاته الإقليمية. ومن هنا تبرز فكرة اللامركزية لا كخيار إداري فقط، بل كأداة لإعادة توزيع القوة داخل الدولة، ومنع عودة الهيمنة المركزية المطلقة.
ويحذر المقال من تكرار نموذج العراق عام 2003، حيث أدى إسقاط النظام المركزي دون وجود بديل منظم إلى فراغ أمني واسع. ويؤكد أن الفارق في الحالة الإيرانية – بحسب الطرح – يتمثل في وجود قوى محلية تمتلك هياكل سياسية وخططاً إدارية مسبقة، ما يتيح انتقالاً أقل فوضوية إذا ما توفرت لها الحماية والاعتراف الدولي. لذلك يُطرح الحظر الجوي بوصفه “الجسر” الذي يصل بين النصر العسكري والنتيجة السياسية، ويحول دون إعادة تجميع السلطة المركزية لقواها عبر الممرات الجوية الداخلية.
على المستوى الإقليمي، يرى التحليل أن ردود الفعل الإيرانية العشوائية تجاه بعض دول الخليج أسهمت في خلق تقارب غير مسبوق بين هذه الدول والولايات المتحدة وإسرائيل، ما أدى إلى إعادة رسم الاصطفافات. ووفق هذا المنظور، فإن دول الخليج العربي قد تجد في إيران اللامركزية ضمانة لأمنها، إذ إن دولة فيدرالية ضعيفة المركز ستكون أقل قدرة على تمويل حلفائها الإقليميين أو تصدير أزماتها إلى الخارج.
النموذج المقترح لمستقبل إيران يتمثل في دولة فيدرالية ديمقراطية لا مركزية، تُمنح فيها الأقاليم ذات الغالبية القومية صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها السياسية والاقتصادية، بما في ذلك إدارة الموارد الطبيعية. ويُفترض أن يؤدي ذلك إلى معالجة المظالم التاريخية المرتبطة بالتهميش الاقتصادي والثقافي، وخلق توازن قوى بين المركز والأطراف يمنع عودة الاستبداد. وفي هذا السياق، لا يُطرح الاستقلال الكامل كخيار معلن في الخطاب الدولي، بل يُقدَّم الحكم الذاتي ضمن إطار الدولة الواحدة باعتباره الصيغة الأكثر قابلية للقبول إقليمياً ودولياً.
غير أن نجاح هذا السيناريو، كما يعترف التحليل نفسه، يظل مشروطاً بعوامل خارجية وداخلية معقدة: استمرار الدعم الدولي، تثبيت التفوق الجوي عبر آلية قانونية وسياسية، تنسيق فعّال بين القوى المحلية المختلفة، وتجنب الانزلاق إلى صراعات بينية على الموارد والسلطة. كما أن مسألة توزيع عائدات النفط تمثل حجر الزاوية في استقرار الدولة الفيدرالية المفترضة؛ إذ إن بقاء هذه العائدات في الأقاليم المنتجة قد يخلق حوافز للتنمية المحلية، لكنه في الوقت ذاته يتطلب آلية عادلة لتقاسم الموارد الوطنية ومنع تفكك اقتصادي كامل.
في المحصلة، يقدّم المقال رؤية تعتبر أن مفتاح التغيير في إيران لا يكمن في إسقاط المركز فحسب، بل في إعادة تعريف العلاقة بينه وبين محيطه. فـ”الأسد الهادر”، بحسب الاستعارة المستخدمة، يحتاج إلى وجود فعلي على الأرض كي يترجم زئيره إلى واقع سياسي. ومن دون تمكين الأطراف وحمايتها، سيبقى أي تفوق عسكري لحظة عابرة في صراع طويل على شكل الدولة وهوية السلطة.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.