في ظل العدوان الإيراني على الدول العربية وتهديد الأمن والاستقرار الاقليمي والدولي، هل بات الطريق مفتوحاً نحو تحالف دولي جديد؟

مركز دراسات عربستان الأحواز- في أعقاب الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، دخلت إيران مرحلة جديدة من الانفتاح والمراقبة الدولية، إذ انتقل ملفها النووي من قائمة العقوبات إلى إطار إشرافي دولي محدد. غير أن الأحداث الأخيرة، من هجمات على دول الخليج والمملكة الأردنية، أعادت الملف الإيراني إلى دائرة الاهتمام الأمني الدولي، مما يعكس تصاعد التوترات في المنطقة وإمكانية تشكيل تحالفات دولية لمواجهة تهديدات إيران المتزايدة على الأمن الإقليمي والدولي.

في عام 2015، وبعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني المعروف رسميًا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، دخلت إيران مرحلة جديدة في علاقتها مع المجتمع الدولي بشأن برنامجها النووي. الاتفاق بين إيران والدول الست الكبرى (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، روسيا، الصين، وألمانيا) هدف إلى تقييد البرنامج النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. قبل الاتفاق، كان ملف البرنامج النووي الإيراني موضوعًا لمجلس الأمن الدولي بسبب القرارات السابقة، مثل القرارات 1696 و1737 و1747، التي فرضت قيودًا على إيران بسبب أنشطتها النووية.

مع توقيع الاتفاق، تبنى مجلس الأمن القرار 2231، الذي أنهى بعض التدابير التقييدية السابقة ورفع القضايا التي كانت قد حُوّلت إلى المجلس، وأعطى الاتفاق نوعًا من الشرعية الدولية، وأصبح ملزمًا مع إشراف مفتشين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبهذا القرار، لم تعد إيران خاضعة لمراقبة مجلس الأمن نفسها كما كانت سابقًا، إذ تم تعليق أو رفع القضايا التي كانت قيد النظر، وأصبح برنامجها النووي خاضعًا فقط للاتفاق وللإشراف الدولي.

باختصار، إيران لم تسحب ملفها بمبادرة منفردة، بل تم تعديل وضع الملف في مجلس الأمن بموجب القرار 2231، ليُنتقل البرنامج النووي الإيراني من قائمة العقوبات إلى إطار إشرافي دولي جديد يضمن التزامات إيران بموجب الاتفاق النووي.

واليوم، وبعد العدوان الإيراني السافر على دول مجلس التعاون الخليجي، واستهداف البنية التحتية والتجمعات الصناعية والمدنية، بالإضافة إلى الاعتداء على المملكة الأردنية الهاشمية، عاد ملف إيران إلى مجلس الأمن. فقد اعتمد المجلس القرار رقم 2817 في 11 مارس 2026، في خطوة تهدف إلى التصدي لتصاعد العنف في منطقة الخليج العربي، خصوصاً بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والمملكة الأردنية الهاشمية.

وقد قدّمت مملكة البحرين هذا المشروع نيابة عن دول مجلس التعاون الخليجي، التي تضم السعودية والإمارات وقطر والكويت وسلطنة عمان، إلى جانب الأردن. وتم اعتماد القرار بأغلبية 13 صوتاً، فيما امتنعت روسيا والصين عن التصويت، دون تسجيل أي معارضة مباشرة.

وينص القرار على إدانة شديدة للهجمات الإيرانية التي طالت الأراضي السكنية والبنى التحتية في دول الخليج العربي والأردن، معتبرةً أن هذه الهجمات تشكل انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً خطيراً للسلام والأمن الدوليين. كما طالب القرار بوقف فوري وغير مشروط لهذه الهجمات، مع تأكيد دعم سيادة الدول المستهدفة واستقلالها السياسي وسلامتها الإقليمية. وشمل القرار أيضاً إدانات لأي تهديدات أو إجراءات قد تعيق الملاحة الدولية، مثل تهديدات إيران بإغلاق مضيق هرمز، باعتبارها تهديداً للسلم والأمن الدوليين.

وقد رحبت دول مجلس التعاون الخليجي والأردن بالقرار، معتبرين أنه يعكس موقفاً دولياً موحداً لدعم السيادة والسلامة الإقليمية، كما عبرت الجامعة العربية ورابطة العالم الإسلامي عن ترحيبها به. وعلى الرغم من امتناع روسيا والصين عن التصويت، فإن القرار حظي بدعم واسع من أعضاء مجلس الأمن، ما يعكس حشداً دولياً غير مسبوق لمواجهة الهجمات التي تهدد استقرار المنطقة وأمنها.

عند مراجعة تحركات المجتمع الدولي وتحالفاته، تتضح أن الدول التي تتجاوز حدود سيادة الدول الأخرى وتهدد الأمن والاستقرار الدولي غالبًا ما تواجه عقوبات وتحركات عسكرية. التاريخ يعكس ذلك بوضوح: فالاتحاد الدولي تمكن من تفكيك جمهورية يوغوسلافيا سابقًا، وتحريك قواته لتحرير الكويت بعد غزو العراق عام 1990، وإسقاط نظام طالبان في أفغانستان، والإطاحة بالنظام العراقي عام 2003، ثم النظام الليبي عام 2011. هذه التجارب كلها تشير إلى أن المجتمع الدولي يتعامل بحزم مع الدول التي تشكل تهديدًا للأمن الإقليمي والدولي.

وبالنظر إلى إيران، نجد أنها عادت لتتصدر قائمة الدول التي تُعتبر مصدر تهديد، سواء للأمن الإقليمي أو الدولي، مما يجعلها مؤهلة لمواجهة تحالفات دولية قوية. التحركات السابقة، مثل تحرير الكويت أو التدخل في يوغوسلافيا وأفغانستان وليبيا، كانت مدفوعة بانتهاكات مباشرة لسيادة دول أو بسلوك داخلي وحشٍ للنظام الحاكم، أو بمسائل محددة مثل تفجير الطائرة الأمريكية في لوكربي.

أما التحالف الدولي المحتمل ضد إيران، فسيكون مختلفًا من حيث الحجم والشدة. فسوف تشمل دوافعه ليس فقط أسبابًا سياسية وقانونية تتعلق بالقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، بل أيضًا دوافع اقتصادية. فدول مجلس التعاون الخليجي تشكل مركزًا اقتصاديًا عالميًا رئيسيًا يعتمد عليه العالم في الوقود والطاقة والاستثمار، وبالتالي أي تهديد لهذا المركز أو للبنية التحتية فيه سيكون له تأثير عالمي واسع.

كما أن تصرفات إيران الأخيرة، مثل استهداف مخازن الوقود وناقلات النفط، وتهديد مضيق هرمز، ستوحد المجتمع الدولي ضدها. وهذا سيؤدي إلى ظهور تحالف دولي واسع وقوي، أكثر فتكا من التحالفات السابقة، للحد من تهديدات إيران وحماية الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

داخليًا، من المتوقع أن تنتهي حقبة الدولة المركزية المتسلطة على الأقاليم غير الفارسية، وتعود إيران لما كانت عليه خلال العهد القاجاري، الذي كان يُعد نظامًا إمبراطوريًا منح مناطق الشعوب غير الفارسية استقلالًا داخليًا. وللتعرف على هذه الأقاليم، يكفي النظر إلى الخريطة الإيرانية وملاحظة الأقاليم الطرفية التي تحمل أسماء شعوبها متبوعة بـ”ستان” التي تعني “موطن”، مثل عربستان التي تغيرت إلى خوزستان، وكردستان، وبلوشستان، ولرستان.

هذا التحول يعني أن الشعب الفارسي سيضطر إلى قبول حقوق الشعوب الأخرى، والاعتراف بحقوقها القومية والسياسية، ومشاركة هذه الشعوب في السيادة والثروات. ومع ذلك، ونظرًا للتعصب القومي لدى معظم التيارات الشمولية المعارضة، سواء كانت ملكية أم يسارية، سيواجه مشروع كهذا تحديات كبيرة، مما يرفع احتمالية تفكك الدولة الإيرانية. هذا بدوره قد يمنح الشعوب غير الفارسية، وعلى رأسها الشعب الأحوازي في جنوب إيران، فرصة للعودة إلى الاستقلال بعد أكثر من مائة عام من السيطرة الفارسية.

في المقابل، قد يتراجع نفوذ الشعب الفارسي في المناطق الداخلية لإيران التاريخية، التي كانت تخضع لسيطرة الفرس مع حكام أتراك على مدى عقود، بينما تم تحويل مقدرات الأقاليم الهامشية مثل الأحواز وكردستان وبلوشستان وأذربيجان وتركمان صحرا إلى المركز الفارسي، الذي أصبح غنيًا بالمصانع والبنية التحتية. وقد تصبح أصفهان هي العاصمة المستقبلية لإيران المحدودة بالمناطق الفارسية فقط، في حين تنحصر سيطرة المركز على هذه الأراضي.

كل هذه المعطيات تشير إلى أن المنطقة تتجه نحو تحولات كبرى على المستوى الدولي، مشابهة لما حدث في تحرير الكويت، حيث قد تسعى دول الخليج العربي إلى التخلص من الدولة الإيرانية الكبيرة ذات التوجه القومي الفارسي والطائفي، التي تعتمد على التوسع الإقليمي والتحريض ودعم الإرهاب، فضلاً عن انتهاك سيادة الدول المحيطة بها وتقويض أمنها القومي لتحقيق أهدافها القومية والطائفية. ويُعد هذا السلوك انتهاكًا للقوانين الدولية والمبادئ الإنسانية، وتهديدًا مباشرًا للأمن والسلم الدولي والإقليمي.

مع تصاعد التهديدات الإيرانية على أمن دول الخليج العربي والأردن، تبدو المنطقة على أعتاب تحولات استراتيجية واسعة. من المرجح أن يشهد المستقبل تحركات دولية موحدة، قد تمتد لتشمل تدابير سياسية، اقتصادية، وربما عسكرية، مع إعادة توزيع النفوذ الداخلي في إيران نفسها، ما قد يمهد الطريق لإعادة تشكيل جيوسياسية المنطقة وإطلاق ديناميات جديدة لحقوق الشعوب غير الفارسية.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑