رؤية في الخطاب القومي الإيراني المعادي للعرب – القسم الخامس والأخير

للكاتب الاستاذ  احمد حسن مبلغ/ترجمة :الاستاذ جابر احمد

القومية الحكومية  الرسمية :

 شكل معاداة الإسلام و العرب و التغني ” بأمجاد ” إيران القديمة  احد العناصر الأساسية  لأيديولوجية  الدولة  الحديثة  التي أسسها رضا شاه البهلوي ، وهذا  هو  وجه الاشتراك بين  القومية  الحكومية و الخطاب  القومي  للمثقفين الإيرانيين  ” الفرس ”  ونشاهد في هذه القومية الرسمية ” دخول  عنصر جديدا إلا وهو تمجيد  الماضي الإيراني وخاصة تمجيد  ملوك إيران ما قبل الإسلام . (1)

استندت القومية الحكومية  في توجهاتها على التاريخ الإيراني وعلى عظمة الإمبراطوريات الإيرانية  قبل الإسلام الأمر الذي من شأنه ان يلحق  ضررا  بالغا  بتاريخ إيران بعد الإسلام ، لأنه من خلال  هذا الموقف  نظر إلى الإسلام كدين غريب  جاء به ” العرب  الذين لا ثقافة لهم و لا حضارة ” و الذي كان السبب   في  قطع علاقة إيران  مع ” ماضيها العظيم ” ، كما بدأت  سياسة  التعليم  مع طبع  الكتب المدرسية  و البدء  بتأليف  المؤلفات التاريخية  التي من شأنها ان تربط  الجيل الإيراني الجديد  مع ماضيه   ما قبل الإسلام  .

وفي عام  1933 تم الإعلان عن تأسيس مجمع اللغة الفارسية  ولعل من أهداف هذا المجمع  هو تنقية هذه  اللغة من مفردات اللغة  العربية  وذلك من اجل  حمايتها   في جميع مجالات الطباعة  ولكي تحل الكلمات الفارسية محل الكلمات و المفردات العربية  في جميع مجالات التأليف و الطباعة و   النشر .

وفي عام  1934 أعلن رضا شاه وعبر إصدار  مرسوم  بتشجيع  من السفارة الإيرانية في ألمانيا النازية  تغير اسم البلاد  في جميع المراسلات و الوثائق  الدبلوماسية  من ” فارس ” إلى  ” إيران ”  ، و  في الغرب  أيضا يجب ان يستخدم بدل من اسم  ” برسيا ” ” اسم  “إيران  ” لأن  هذا الاسم  يذكر  بعظمة  الماضي و  يدل على  الرغبة في الانتماء  إلى  العرق الآري ”  وان يستفاد  من أفكار و آمال  إيران  قبل الإسلام  وذلك من  اجل الاقتراب   إلى سياسة  بعيدة عن الدين  وان كان لم يهاجم الدين الإسلامي بشكل مباشر ، إلا أنهم  علموا  الجيل الجديد  بأن الإسلام  دين غريب  فرض على إيران  من قبل ” العرب  الفاقدين  للثقافة و الحضارة ومن نطفة سامية ” ( ارامش دوستدار) .(2)

وشهدت افغانستان في  العقد الثالث من القرن العشرين  حركة مماثلة  حيث بدأت آنذاك  القومية الرسمية ” الحكومية ” وتم  الإعلان عن الآرية  تماما مثل ما حدث في إيران  متأثرين بالفكر النازي الألماني  و هذه الأسطورة  لا تزال  موجودة بقوة بين طيف واسع من  أوساط المثقفين الأفغان و أنها  باستثناء  بعض الحالات المحدودة جدا  لم تتبدل كما هو الحال في إيران  إلى معاداة العرب وان دراسة  الظاهرة  الأفغانية  ومقارنتها من حيث  الاختلاف و الاتفاق مع مثيلتها الإيرانية  تحتاج إلى  بحث منفصل  سوف نقوم به  في اقرب فرصة ممكنة . (3)

 وفي عام  1971 وصلت  القومية  الحكومية الإيرانية  إلى أوجها  عبر مراسم غير مسبوقة كلفت ميزانية الدولة ما يقارب  (300مليون دولار )  وذلك احتفالا  بمرور  2500 سنة  على  الحكم الملكي  في إيران (4 )  في وقت  كانت  فيه  هذه   القومية  قد هبط سوقها  بفعل تنامي النشاطات الشيوعية و الإسلامية  بين أوساط المثقفين الإيرانيين ،  بالإضافة إلى أن النظام  نفسه  أصبح منفورا  .

 الاسلام  لا يعرف الحدود :

  وفي السنوات  الأولى و الثانية  من  عمر الثورة الإيرانية  رفع  شعار  “الإسلام لا يعرف  الحدود ” وكان   أكثر من أي شعار آخر تلفظه الألسن  في إيران ، والحق يقال  ان  هذا الشعار  يتطابق تماما  مع الروح الأممية  للإسلام  الذي لا ينحصر  في رقعة جغرافية  محددة  أو شخص  معين ، ولكن  القومية – الحكومية – كظاهرة متأخرة  اذا تم الحديث  عن حدود في الإسلام  في مثل هذه الحالة ”  فإن  حدود البلد  الإسلامي عقيدة و ليس حدود  جغرافية ” ( العلامة الطباطبائي  في ” تفسير الميزان “) إلى هذا الحد في النظرية  ، لكن  كيف الوضع من الناحية  العملية ؟

من الطبيعي في  الجمهورية الإسلامية  لم  يعد  بالإمكان  ان يكون  عنصري  معاداة الإسلام  و العرب جزء من  الأيدلوجية  الرسمية  ، و لكن من الخطأ الاعتقاد  ان  نظام الجمهورية الإسلامية   يفتقد  إلى السمات الأخرى   للقومية  ، وفي الحقيقة  هنا  يكمن التناقض   الداخلي  لإيديولوجية الحكم في إيران  ، ففي عصر الأمة  – الدولة  لا يمكن  لهذا النظام  ان يعيش بدون القومية ،  حتى انه  منذ البداية  فان داخل  الحزب الرسمي   للنظام الجديد كان ” للإيرانية “”دورا أساسيا في مرشح الانتخابات الرئاسية  للجمهورية .

 ان الإعلام  في  للجمهورية الإسلامية الإيرانية  له  رسالة   عالمية وكان على الدوام يؤكد على المساواة  بين جميع مسلمي العالم  في امة واحدة ،  الا انه على العكس من ذلك فان  دستور الجمهورية الاسلامية  و السياسة العملية  للنظام تؤكد على القومية الإيرانية ” اي ان احد الشروط  الأساسية للمواطنة  قائم على أساس   ” أصل إيراني “،وعندما  رشح جلال الدين الفارسي  و الذي يعد من اهم  تلامذة  آية الله  الخميني  المعتمدين نفسه  عام 1980  لانتخابات رئاسة  الجمهورية في ايران  ونظرا  لتلك القربى  ولشهرة نضالاته  يبدو ان  فوزه بتلك الانتخابات كان  امرا محتوما  ، الا انه فجئة منع من الاستمرار  في خوض المعركة الانتخابية  ،  لماذا ؟ لأنه جاء  في المادة  115 من الدستور الأيراني ما يلي .  أن يكون إيرانياً ويحمل الجنسية الإيرانية) …. و” يعتقد  بنظام الجمهورية الاسلامية و  المذهب  الرسمي للبلاد “

ان منافسي جلال الدين الفارسي داخل الحزب  لم يستطيعوا ان يأخذوا عليه  مأخذا  لان الشروط المسبقة المذكورة و الواردة في المادة  115  لمرشح الانتخابات الرئاسية  لا تجوز منعه  من  الترشح  بأستثناء  امرا واحدا  وهو ليس له  اساس قانوني ، ولكن منافسيه داخل الحزب   اكتشفوا   كون جلال الدين  الفارسي ليس “ايراني الأصل ”  لان والدته افغانية ! ( 5) .

وهنا نشاهد تناقض رئيسي  بين اهداف  الامة الاسلامية  مع حقيقية  الدولة – الامة – الحديثة  لان  هنا  لم تعد العقيدة  تشكل  حدود البلد  الاسلامي  وانما الدم و التراب  وهنا ايضا تبتعد  الحقائق  العملية  اليومية  كما  هو على الدوام  من الأهداف والمعتقدات  الغير قابلة  للتطبيق  ” الامة الواحدة ”   واذا اسثنينا ذلك  فهنا ايضا ” ديالكتيك  القبول و النفي ” (dialectic of representational inclusion and exclusion) [39]   كامن  في كل  قومية ”  اثنية و يمينية ” وعلى اساسها  تعطي لسكان جزء من البلاد خصوصيات معينة وذاتية .وعبرها  تدفع  بقية  السكان من  المجالات  السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وفي البلدان الاسلامية  التي لا  يوجد فيها اي  مقوم   من مقومات  القانون والديمقراطية  فان القمع  يتضاعف ضد القوميات الى ابعد الحدود  خلافا لما  هو عليه   مكانة  القومية والدولة- الامة    في البلدان الاوروبية .

وفي  الثمانينات شاهدنا تنامي  نوع من العنصرية من لدن  نظام الجمهورية الاسلامة  كانت ارضيته قد تكونت  قبل انتصار الثورة في منتصف السبعينات اي  في عهد  الشاه ، وذلك  بعد    هجرة  الآلآف من الافغان  للبحث عن العمل في ايران حيث  ازدادت هذه العنصرية  ضد المهاجرين  الأفغان … وأصبحت سياسة  يومية مما  يكشف التناقض الحاد بين الأهداف الإسلامية  والوقائع اليومية ومواجهة   الجمهورية الأسلامية  مع ابناء دينهم ولغتهم المهاجرين من ابناء  قومية الهزارة  الافغان وفي هذا المجال يضرب  الباحث  عدد من الأمثلة  اثرنا عدم ترجمتها  اختصارا  للوقت  .

واخيرا  يتسأل الباحث  قائلا :

 في ظل هذا الكم الهائل  من التأليف و الترجمة  نرى ان المكتبة الإيرانية  خالية من اي كتاب سواء مترجم أو مؤلف عن العنصرية  في إيران ؟ وان الدليل الأساسي  حسب رؤية  الباحث  انه وحتى الآن  لم تتولد  لدى  المثقفين  الإيرانيين و الأفغان  فكرة  الوعي  بوجود ظاهرة اسمها التمييز العنصري  ؟ .

 ترجمها عن الفارسية : جابر احمد

 مراجع الحلقة الخامسة

 1. Mottahedeh, Roy: Der Mantel des Propheten. München 1987, S. 273

2. گارثویت، جین رالف: تاریخ سیاسی ایران. از شاهنشاهی هخامنشی تا کنون.

ترجمۀ بابایی. تهران1387، ص 397

3. جان فوران: مقاومت شکننده. تاریخ تحولات اجتماعی ایران از صفویه تا سالهای پس از انقلاب اسلامی. ترجمۀ احمد تدین. تهران (چاپ دوم) 1378، ص 338

4. لمزيد من الاطلاع راجع : (www.afghanasamai.com) (25 می 2006)

5 . لمزيد من الاطلاع راجع

Mottahedeh, Roy: Der Mantel des Propheten. München 1987, S. 288

رأي واحد حول “رؤية في الخطاب القومي الإيراني المعادي للعرب – القسم الخامس والأخير

اضافة لك

  1. اخي العزيز الاستاد جابر ترجمه رائعه شكرا لك و للاخ الباحث علي هذه المعلومات المفيده ونتمني المزيد

اترك رداً على قاري اهوزي إلغاء الرد

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑