سوالفنا سوالف (2) القبيلة وثقافة القبلية-بقلم الكاتب رحيم حمداوي

1

للثورة معاني عديدة, القاسم المشترك بينها يتلخص في العبارة التالية: الخروج عن الوضع الراهن, أما أن يكون نحو الأحسن أم نحو الأسوأ. لهذا قيل إن للثورة معنى ايجابي ويقصد التطور الايجابي كما هو متعارف عليه في مجال التكنولوجيا والمعلومات حيث يستخدم مصطلح الثورة في الإشارة إلى ثورة المعلومات والتكنولوجيا. لكن الثورة لا تتوقف على حقل من حقول الحياة, بل أنها تشمل كافة المجالات. لهذا يمكن القيام بثورة في مجال ما منفصلة عن أخواتها في المجالات الأخرى, هذا وان كان من الصعب بل حتى المستحيل التفريق بين الثورة في المجال الاجتماعي على سبيل المثال عن تلك التي تحدث في الحقل السياسي. بين هذا وذاك فان ملخص القول إن الثورة هي إصلاح مكثف إذا جاز التعبير. أنها تعني اندفاع عنيف نحو تغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية تغييرا أساسيا, لكن ما يهمنا هنا هو الحديث عن الثورة في مجال الفكر ومواجهة الحالة التي يعيشها الفرد في مجتمع ما. انه يريد أن يتسلح بسلاح الثورة ويواجه الأفكار, أو المعتقدات, ناسيا أو متجاهلا بان المعتقدات والأفكار لا تتكون بين عشية وضحاها, أنها نتاج عمل جماعي وذاكرة جماعية أنتجتها عبر التاريخ تلبية لظروف ما, ومرت بمراحل عدة منها تلك التي رميت جانبا لأنها لم تستطيع مواكبة الحالة التي كان يعيشها الفرد, ومنها تلك التي بقت على المعمورة إلى يومنا هذا… لا أريد الخوض في هذا الجانب, لان الحديث يطول بنا, فالخص القول بان المحاولات التي تريد أن تواجه الفكر والمعتقد, بفكر ثوري, ولم تدرس الواقع لا تجني ثمارا ولنا خير أمثلة في تاريخ المنطقة … .

2

حاول العديد من الإبستمولوجيين والفلاسفة،وضع تحقيب لتطورالمعرفةا لعلمي, فحددوا مراحل ماقبل العلمية والمرحلة العلمية بناءا على معاييرأوخصائص محددة, منهم المفكر الفرنسي “غاستون باشلار”. هذا المفكر ومن خلال مؤلفة المعنون بـ “تكوين الفكر العلمي” يسهب بالحديث عن تكوين الفكر العلمي ويورد نماذج عديدة في هذا المجال التي تبرهن على كيفية تكوين الفكر العلمي على أنقاض الفكر السابق له, الذي اثبت عدم جدارته بالحياة على المعمورة, فمر بأيامه الأخيرة, ثم لقي حتفه ولم يبق إلا في الكتب التاريخية. إن الفكرة الباشلارية تتلخص كالتالي: “لا يمكن أن يتقدم الفكر العلمي إلا بتهديم المعارف الخاطئة الراسخة”. أنها بشكل وجيز تتلخص بـ “نظرية الاستبدال “. يقول باشلار” لا تحدتالمعرفةإلا ضد معرفة سابقة لها”. هذا يعني إن الفكر والمعتقدات التي يتبناها أو يمارسها الشخص طوال حياته لم تنشأ من فراغ, أنها تتكون عبر زمن طوي, ثم إن تكوين الفكر المعارض لها وتنفيذه على ارض الواقع, للإطاحة بالفكر السابق, يشترط تجاوز الفكرة السابقة وهذا يعد كشرط مسبق, ثم انه لا يمكن إزالة الفكرة عن الوجود بمحاضرة أو مقالة أو كتاب, بل إن إزالتها يحتاج إلى عمل مستمر ومبرمج ومؤسساتي, تتداخل فيه عوامل عدة. تدخل هنا قضية غاية في الأهمية وهي قضية “التقمص الجسدي للعقائد” كما بلورها المفكر “بيير بورديو” أنها عبارة عن الأشياء التي نتلقاها من وضعنا الاجتماعي والتي تتحكم بسلوكنا وردود فعلنا, شئنا أم أبينا, كما تعني إن الناس يمتصون الرأسمال الرمزي, مثلا القبيلة عند الشعب الأهوازي, عن طريق الشعائر والطقوس, إلى حد انه يصبح جزءا لا يتجزأ من أجسادهم. فان الفرد هنا لم ولن يتصور بان يعيش يوما ما بدون مفاهيم القبيلة أو الطائفة أو الشيخ والمنظومة التي تكون القبيلة, ناهيك عن انه لم يسمع بأضدادها. فالقبيلة هنا هي الرأسمال الرمزي الذي تكونت عبر الأجيال حتى أصبحت مصداقا لتلك المعرفة التي يتحدث عنها باشلار.

3

أورد ميشيل فوكو فكرة الأركيولوجية في تاريخ العلوم الإنسانية. إن هذه الفكرة تبحث في الظروف التي أوجدت الخطاب والحقل العملي لاستخدامه وتوسيع رقعته. يمكننا استخدام نظرياته في موضوع بحثنا والقول بـ أركيولوجية القبيلة, بغية البحث في الظروف التي أوجدت القبيلة والبحث عن الدور التاريخي الذي لعبته القبيلة وصيرورتها عبر التاريخ والخطاب الذي تكونه عند الشعب نتيجة حضور القبيلة في تاريخهم. من هذا المنظار تبدو القبيلة وفي احد سماتها كـ أسلوب للحكم, تحل محل الدولة, تتعرض لتحولات داخلية أو خارجية رغما عنها, سنأتي للحديث عن هذا الجانب لاحقا, كما تظهر القبيلة كـ فضاء تتصارع فيه قوى اجتماعية: رأس الهرم وهو الشيخ وعائلة الشيخ, أعوانه, أو بيت الشيخ, أصدقائه المقربين من يعتبرون السند له خارج البيت والحكومة وفي الطرف الثاني يقف أولئك المثقفون من يريدون إزاحته باعتباره مظهر التخلف والماضوية, أما الحكومة تقوم بدعم الشيخ, فيصبح اتفاق غير مكتوب بينها وبين الشيخ في كبح جماح المعارض وهو في الأغلب, الدارس أو البيوت المنافسة, من يريدون كرسي الشيخ. دعونا نشرح البحث أكثر فنقول: إننا هنا أمام تنقيب حول تاريخ تكوين القبيلة والظروف التي وجدت فيها القبيلة, ثم علينا أن نبحث في قضية استمرارية القبيلة إلى يومنا هذا. أما الفضاء المذكور آنفا, فانه يشكل الفضاء السيميائي أو الرمزي,[1] لدى أصحابه بما انه منتج لسلوكهم,وهو ذلك الفضاء الذي يحيط بالإنسان وهو مكون من العلامات والرموز والعادات والتقاليد كـ الحركات والإشارات و… فمن هذا المنظار إن محيط ابن المدينة غير مناخ الريفي و… إن هذا الفضاء يكون فكر الإنسان والفكر هو الذي يكون الواقع والممارسة الشخصية على ارض الواقع. إن الفضاء الرمزي يبقى في الساحة حتى يتعرض إلى هزات عظيمة, تريد الإطاحة به, إن هذه الهزات ربما لا تستطيع الإطاحة بما تعارضه والقضاء عليه, إلا إذا كانت تتمتع بدعم قوي من جهات عديدة, ثم لا ننسى انه إذا تعرض الفضاء الرمزي إلى أي هزة عنيفة, فانه يبدي مقاومة شرسة للوقوف في وجه من يريد العبث به, انه لا يترك الساحة بمجرد كلام أو خطاب. لنضرب مثالا واضحا ونشرح الموضوع, فنقول بأن الدارس للمجتمع العربي عند ظهور الإسلام وبدايات الدعوة المحمدية والدارس للخطاب القرآني, يدرك بوضوح المقاومة التي كان تبديها الأطراف الأخرى التي سميت بـ الكفار والمشركين والطواغيت و… ثم إن هذه المفاهيم وبعد أن ازداد النبي قوة وكون الدولة الإسلامية لم تختفي نهائيا, بل كانت تطل برأسها عندما تضعف العوامل الأخرى التي كانت قد أرغمتها على التراجع, فان ضعف تلك العوامل كان سببا في قوتها والعكس صحيح, لا ننسى بان الفضاء الرمزي وفي فترات من حياته يتراجع تكتيكيا, كما حدث بعد وفاة النبي وما أثير من حروب عرفت بـ حروب الردة, مثل هذا الأمر حدث عندنا في العقد الماضي, عندما بلغ النقاش حول القبيلة إلى ذروته, فان الخطاب القبلي تراجع وعندما اختفت تلك الأسباب التي كانت تعارض القبيلة, فإنه رجع إلى مكانته, هذا ولا ننسى بأن القبيلة لم تسلم بشكل نهائي من الهزات التي تعرضت لها ولم تتمكن من لملمة أوراقها فان العمل المبرمج الذي مورس على الساحة قد أتي بثماره واستطاع أن يروج الخطاب المتنور الذي يرفض العيش في أفكار القرون الوسطى والحضور في عصر ما بعد الحداثة, فلقي ترحيبا واسعا عند الشباب… أما الفضاء الرمزي والأفكار والمعتقدات إذا ما حوربت بشكل شرس, فان أصحابها يقومون بكافة الأعمال كي يدافعوا عنها, لأنهم قد تمثلوها جسديا, ولنا خير مثال في هذا المجال العنف الذي يمارس في الساحة وبالتحديد ذلك العنف الذي يمارسه المؤمنون حتى يصل الأمر بهم إلى القيام بعمليات انتحارية, فان الشيخ وأعوانه إذا ما واجهوا محاربة عنيفة على أفكارهم التي عاشوا لعقود من الزمن عليها, فأنهم بالتأكيد لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذا الأمر, من هنا يأتي الحديث عن تركيز الحكومات على تغيير مناهج الدراسية في الدول المتخلفة لأنها ببساطة تعمل على تغيير الأفكار بهدوء وبأسلوب علمي. والنتيجة بان العمل على إزاحة الفضاء الرمزي والأفكار والمعتقدات لا يتم بمحاربتها, بل انه يريد عمل مبرمج ومؤسساتي وكما يوصينا به لينين “خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء”.

4

إن القبيلة هي نظام اجتماعي مؤسس على رابطة اجتماعية, أساسها الأصل الواحد وعلاقة الدم والقرابة والنسب والأخوة… إنها تمارس ادوار اجتماعية وسياسية وثقافية متعددة في آن واحد, على سبيل المثال أنها تمارس دورها الاجتماعي بما توفره من مظلة أمان لأفرادها في ظل علاقات اجتماعية, يميزها العرف وتحكمها سلوكيات التعاون والنصرة والتآزر والمساعدة تحت مظلة نظام اجتماعي قبلي مبني على تراتيبة في علاقاته ومصالحه وخصوماته وسلطاته وعصبياته. إن القبيلة تشكل ثقافة تسمى الثقافة القبلية, وغني عن القول إن الثقافة تتكون في فترة زمنية طويلة تتناقلها الأجيال عبر التاريخ, أما ابسط النتائج التي تطل برأسها علينا من هذا التعريف للقبيلة, تتجلى في عدم وجود قانون يحكم الجميع كما هو معمول به حاليا في الحكومات, فهنا يغيب مفهوم المواطن وما يحمله من معنى, بعبارة اجل إن الفرد في القبيلة يعيش تراتيبة لا يحكمها القانون, إن الناس منقسمون على أسس وضعتها القبيلة منذ سالف الزمن, فإن المفهوم المركزي في القبيلة يغدو العصبية التي تنطوي على قيم ضيقة من الانغلاق والتقوقع وتسمي الآخرين بأسماء مختلفة منهم منافس أو عدو، غالب ومغلوب منتصر ومهزوم.

5

لا يمكننا أن نتطرق إلى القبيلة والخوض في تعريفها وفي نفس الوقت نستبعد الأسئلة الملحة التي تفرض نفسها علينا, أسئلة تدور في عقيلة الجميع, حيث يتكون نتيجة الإجابة عليها إما صورة ضبابية تبعده عن الواقع كل البعد وإما تتكون لديه شكوك تجعله يفكر بشكل جدي في هذه الإشكالية, أما الأسئلة هي على سبيل المثال لا الحصر: هل القبيلة نتاج قروسطي؟ هل أنها إطار لحفظ الهوية العربية؟ هل أنها حلت محل الدولة ولعبت هذا الدور في تاريخها؟ سواء كانت الدولة المركزية في أوج عزها أم عندما كانت تمر في ظروف حرجة؟ هل إن الدولة المركزية قدمت لها العون وساندتها بكل ما تمتلك من قوة؟ والنتيجة إن القبيلة شكلت صمام الأمان للحكومة ورجالها؟ هل أنها ساهمت بشكل فعال في تخلفنا على كافة الأصعدة أم أنها كانت السبب الرئيسي في ذلك التخلف الرهيب؟ هل أنها ساهمت في التقوقع الرهيب والانفتاح الكارثي؟ واقصد من التقوقع تلك الصراعات التي نشبت بين الطوائف, فجعلتهم يتناحرون ويتصارعون وكلما اشتد الصراع, ابتعدوا عن البعض واختاروا العداوة, والعزلة, غني عن القول بان احد أسباب ظهور هذا الأمر هو العصبية التي ينجم عنها سلوك نمطي وقيمي تآلفي تجاه المركز وتناحري تباغضي تجاه الآخر أيا كان هذا الآخر وكيفما نظر إليه, ثم إن الانشغال بالمنازعات القبلية لا يترك المجال لتحقيق الوحدة حتى يتسنى لهم الخروج من إطارهم المسجونين به وفتح عيونهم على العالم من حولهم. أما الانفتاح الكارثي فاقصد تلك الحالة من الانفتاح التي رحبت بكل شخص وفتحت أحضانها له, مهما كانت نواياه, ومن كل حدب وصوب نزل, حيث سمحت له أن يتخذ من أراضيهم مسكنا له, حتى بلغ الأمر ببعضهم بأنهم أصبحوا مأوى للغريب, بمجرد انه غريب… أنها من ميزات البداوة والقبلية وأخلاقها, سواءا كانت تسمى بالكرم أو حسن الضيافة أو أسماء أخرى. لكن قاسمها المشترك أنها فتحت أحضانها للجميع وفي نفس الوقت كان تنظر إلى الأخ باعتباره العدو.

6

يمكن القول بان القبيلة تقوم مقام الدولة في البداوة, فالفرد يجد فيها الأمان والضمان. أنها تحميه من كل مكروه قد يسببه له الآخر, ومن جهة أخرى تضمن له الأخذ بحقوقه. يبرز هنا مفهوم الثأر وهي العادة القبيلة الراسخة. من ثم أنها تقدم له العون اللامحدود طبقا لقاعدة ساعد أخاك مظلوما كان أو ظالما. لكن لا ينبغي أن نبالغ في هذا الأمر ونعتبر القبيلة هي الدولة في سالف الزمن وفي يومنا هذا, بل إن القبيلة كانت ومازالت تلعب دور الدولة البدائية التي كانت تقوم بحماية الفرد, فإنها لم تكن تعمل في الجانب الاقتصادي لتحمي الفرد, بل حتى كانت سببا في إفقار الأفراد في الكثير من الأحيان, حيث نراها تحتقر الكثير من المهن لأسباب عدة, منها أنها تقلل من شأن الرجل… كما إن القبيلة لم تكن لتقيم العدل والمساواة التي تنبني أسس الدولة عليها ويتوقف أساس تكوين الدولة على وجود مثل هذه الشروط المسبقة. لسنا هنا بصدد الحديث عن فوارق الدولة الحديثة قياسا بالقبيلة, لكن ما أردت أن الفت الانتباه إليه هو إن القبيلة ليست بتلك الدولة أو يمكنها أن تلعب هذا الدور, كما لم ينقل لنا التاريخ بأنها تحملت أعباء هذا الدور. ثم إن البداوة لا تقتضي وجود دولة قوية و مركزية تحكم الأشخاص, لكن علينا أن لا ننسى بان القبيلة عندما استوطنت في أوساط الحضر, تحضرت وفقدت طابعها الترحالي, أنها تسلحت بعدة أسلحة مكنتها من القيام بدور جبار وأكثر قوة أنها امتلكت أراضي زراعية, شهدت الاستقرار والهدوء.

7

ربما تكون احد أسباب تكوين القبيلة هي الظروف التي فرضت على الفرد اللجوء إليها, فمن هذا المنظر تبدو القبيلة احد أنواع أشكال السلطة التي سبقت حضور الدولة وكانت مرحلة عبرها الإنسان واخذ منها الكثير كي يبني مفاهيم الدولة الحديثة. هذا الرأي يتبعه رأي آخر وهو غاية في الأهمية إذا أردنا دراسة القبيلة دراسة علمية وهو دراسة الثقافة الاجتماعية التي تكونت من خلالها القبيلة وازدهرت, فان هذه الثقافة في تفاعل مستمر مع القبيلة. أما الثقافة الاجتماعية فهي مجموعة التقاليد والقواعد والأفكار الموجودة في أي امة من الأمم وهي تشمل مختلف شؤون الحياة فيها, كـ الدينية والأخلاقية والفنية والصناعية واللغوية والخرافية و… تقول العالمة في مجال علم الاجتماع روث بنديكت في هذا المجال إن الثقافة الاجتماعية تشبه المركب الكيماوي وتضرب مثل البارود, فهو مركب كيماوي مؤلف من مواد كبريت والفحم ونترات البوتاسوم وكل واحد من هذه المواد ليست لها قابلية الانفجار, لكنها بعد أن تتفاعل فيما بينها, يظهر مركب البارود الذي يتميز بالقابلية الشديدة للانفجار, فان ميزات الثقافة الاجتماعية لابد أن تجتمع معا كي تشكل الكل وبالفعل أنها تجتمع وتقوم بعملها عند الضرورة. ومن هنا يأتي الموضوع الهام وهو الشخصية وتعريفها, فإنها وبمعناها العلمي عبارة عن تركيب نفسي يتألف من صفات مختلفة وهو يميل نحو الانسجام والتوافق مع الثقافة الاجتماعية السائدة. إن الثقافة الاجتماعية ودراسة الشخصية يجيبان على الكثير من الأسئلة التي تطرح ببالنا, أنا لا أريد اخذ جانب التحفظ في هذا المجال وابرر الحالة الراهنة. لكن اشدد على هذه النقطة بان دراسة القبيلة, الثقافة الاجتماعية والشخصية تعد المفتاح الرئيسي لدراسة قضية القبيلة, أنا أطلق عليهن مثلث المجتمع الأهوازي, فان دراسة هذا المثلث تعد بمثابة البوابة الرئيسية لدراسة المجتمع الأهوازي من منظار السوسيولوجي وسيكولوجي.

8

إن الحضارة تتميز بوجود دولة ومؤسسات وحياة اجتماعية يتم تحديثها يوما بعد يوم, أما البداوة تنشأ على العصبية. هناك نقطة تقول بان الناس إذا عاشوا في ظروف حضارية ينسون البداوة وقيمها شيئا فشيئا, لكن إذا ركنوا إلى البداوة فسيبقون على دائما, والعكس صحيح, إذا بقوا في ظروف البداوة, فان تلك المفاهيم تلقي بظلالها عليهم ابد الدهر, هذه النقطة تساعدنا على فهم وجود القبيلة والمفاهيم المرتبطة بها في الأهواز ونحن نعيش ما بعد الحداثة. لكن دعونا نتمعن في الأمر, إن القبيلة بقت إلى يومنا هذا ونحن عشنا الحضارة والمدنية, سكننا المدن, تعرفنا على الحياة الجديدة بحلوها ومرها, لكن نشاهد بان القبيلة والمفاهيم المحيطة بها بقت إلى يومنا هذا, لعل احد الأسباب في هذا الأمر هو تلبيتها لحاجات الناس, عدم وجود البديل, مساندتها من جهات حكومية وغير حكومية ودعم الدارسين لها و… فان الحضارة لا تعني بالضرورة القضاء على البداوة. هنا تبرز مشكلة نرددها كثيرا وهي ناتجة عن عدم استيعابنا للظروف وعدم دراستها من منظار انثربولوجي و سوسيولوجي. ولو أنا لا استبعد الانفعالية في كلامنا وردات فعلنا, إن المشكلة هي إن العالم يعيش ما بعد الحداثة وليس بالضرورة أن تعيش كافة الشعوب ما بعد الحداثة, هناك شعوب كشعبنا العربي الأهوازي يعيش مثلا في القرن الـ 12 أو 13, اعني انه حتى لم يدخل تناقضات القرون الوسطى, لكن التاريخ والزمن رميا به إلى ما نحن عليه اليوم, إن العيش في ظروف يختلف عن الحضور في تلك الظروف, فيمكننا أن نعيش في قلب اروبا لكن لا نعيش أفكارها وعقائدها بل نحن نعيش أفكارنا القروسطية, إن الشعب العربي الأهوازي يمر في نفس الظروف انه لا يعيش الحداثة ولا ما بعدها ولا يعرف هذه المفاهيم, هذا شأن أكثر شعوب المنطقة والعالم الثالث ولا عجب في هذا الأمر, بل العجب كل العجب بان النخبة يحملون الشعب ما لا يطاق, بصريح العبارة إن شعبنا أمي. نحن نعرف هذا, لكن لا نتمعن في هذا الأمر كي نكشف عن خبايا هذا الأمر وتداعياته…, فإذا مر الدارس في الشارع أو في المدارس وشاهد المشاهد المأساوية يلعن الظلام, بدلا من العمل على الإضاءة بقدر الإمكان أو على الأقل استيعاب الأمور… .

9

السمة البارزة للشعوب التي تعيش ما قبل العلمية هي اعتمادها على المحكي والمعاش, لأنها ببساطة لا تعرف القراءة والعلم وما يحمله من معاني. أنها تعتمد على الأساطير والخرافات بشكل رهيب, أنها تمجد الأسطورة والبطل والشيخ. إن الاعتماد على المحكي والمعاش يأتي في ظل غياب الكتب وعدم الاعتماد على الحبر والقلم والوسائل الحديثة. إن هذه النقطة هي الميزة البارزة للشعب الأهوازي, باعتباره مجتمع يعيش مرحلة الما قبل العلمية, إن الشعب الذي يعتمد على المحكي والمعاش, يعتمد بشكل كبير على الشيخ ورجال الدين ويعتمد على حاسة السمع, الشيخ سواءا كان كبير السن أو شيخ القبيلة, انه يروي القصص, يحمل التجارب, يفض النزاعات, انه يلعب الدور البارز في الحياة الاجتماعية والسياسية وحتى الاقتصادية, كما يلعب هذا الدور رجل الدين وهو من يتمتع بقوة مستمدة من الدين أو من الأجداد واقصد هنا السيد, إذا كان رجل دين. إنهما يعتمدان على حاسة السمع, يخاطبانها ويعرفان كيف يتلاعبان بالعقول. هذا الأمر هو احد الأسباب الكامنة وراء بقاء القبيلة في مجتمعنا, كما يعد احد سمات الشعوب الأمية, لكن بقولي هذا لا أريد أن القي بالدارسين وخريجي الجامعات إلى الهامش وأخرجهم من الساحة, لكن لابد من الانتباه إلى نقطتين: الأولى إن من الدارسين من يتبعون الشيخ ويعتمدون على كلامه ذلك لأنهم يعتمدون أساسا على حاسة السمع, تماما كما يفعل أجدادهم, والثانية أنهم لا يلعبون أي دور يذكر في الكثير من المناطق سواءا لعدم اهتمامهم بالقضايا الاجتماعية أو جهلهم بها أو العمل ضدها, فمن الطبيعي أن يصبح في هذه الحالة الفرد الذي يريد أن يلعب دورا بارزا في الحياة الاجتماعية وحيدا, هذا إذا لم يحارب من كافة الجهات فانه يبقى طيرا يغرد خارج السرب… .

10

القبيلة هي وحدة التنظيم المجتمعي, أنها لعبت أدوارا مختلفة طول التاريخ وأدت دورا حاسما في بعض مراحله. ومن جهة أخري أنها خلفت ورائها الثقافة القبلية, فإلقاء نظرة على بعض مدننا يكشف ذلك سواء على مستوى تسمية بعض الأحياء بأسماء القبائل. أو بعض المدن. فالمجتمع الأهوازي مجتمع قبلي بكل ما تحمله الكلمة من معنى ويتجلى هذا لكل من نظر إلى هذا المجتمع من قريب أو من بعيد, إن الأفراد يبقون حريصين على إثبات انتمائهم القبلي من خلال الأسماء أو البحث عن روابط عرقية تؤكد انتمائهم إلى القبائل. إن ثقافة القبيلة منتشرة في كل مكان ولا فرق في ذلك بين النخبة والرجل العامي. الملاحظ إن التغييرات الاجتماعية التي شهدها المجتمع الأهوازي في العقد الأخير من زيادة عدد الدارسين, لا يشير من بعيد أو قريب بان هناك علاقة واضحة بين ارتفاع مستوى التعليم والتخلي عن الانتماء إلى القبيلة. بل إن نتائج هذا العملية كانت عكسية تماما في الكثير من المناطق, فنشاهد إن خريجي الجامعات يبقون أكثر تمسكا بالقبيلة, لكون القبيلة قد تضمن لهم مكانة اجتماعية وسياسية وهذا هو احد أسباب تضخم دور القبيلة, فان الشيخ إذ يرحب بالمدرس الجامعي ويجلسه عنده, لا يفعل هذا نتيجة لاحترامه للعلم والدراسة والشهادة, بل انه يريد أن يبرهن للجميع بان المدرس لا يساوي شيئا أمام هيبتي, علينا أن لا نجامل أنفسنا, لان الواقع يصرخ بكل صراحة بان هناك العديد من الدارسين يفتخرون بأنهم على علاقة بهذا الشيخ أو ذاك ورأيت واحد منهم وهو مدرس في إحدى الجامعات, يتحدث بكل اعتزاز بأنه يعرف القبائل حق المعرفة وكأنه حصل على جائزة نوبل… أما ما هي الأدوار التي لعبتها القبيلة في السابق, فأقول إن فهم تلك الأدوار التي لعبتها القبيلة في حياة الفرد تعد المفتاح الرئيسي لفهم إطار القبيلة والسبب الذي جعلها تقاوم كل المحاولات للإطاحة بها إلى يومنا هذا, سبق وان قلت أنها تحل محل الدولة لكن بشكلها البدائي. أنها تلبي بعض حاجات الأشخاص الاقتصادية, أنها تمنح الشخص الراحة والطمأنينة نفسيا عند التفاخر وبالذات في الأمسية الشعرية والأفراح ومراسم دفن الموتى, حيث يحضر الشيوخ ويرمون بكل ثقلهم في الساحة ويكاد أن يصبح المكان المحبذ لهم,[2] وهو جانب سيكولوجي غاية في الأهمية. لكن يبقى القول صحيحا إن القبيلة في الأهواز في يومنا هذا, فقدت الكثير من بريقها, لكنها بقت تقاوم المد الحداثوي وكل المحاولات التي تريد القضاء عليها, أنها ترفض وتقف في وجه المنافسين من الطبقات المتعلمة التي تريد أن تطيح بها أو حتى تلك التي تنوي تصحيح مسارها. الملاحظ إن القبيلة اليوم أصبحت تلعب أدوارا أكثر حداثوية, على سبيل المثال فان من تربطه علاقات جيدة بالقبيلة, يحصل على مناصب عليا في إطار الوظيفي ويحصل على منح اقتصادية لا تعرض إلا على الشيوخ ذلك لأنهم مرتبطين بالحكومة وأجهزتها… والمثال الأكثر وضوحا هو ما يحدث في الانتخابات فان من يدعمه القبيلة تتكاثر فرصه لحصد الأصوات… .

11

أما عند النظر إلى الجانب السلبي للقبيلة, فنرى إن لسان الحال يقول حدث ولا حرج. لكنني أريد أن أشير إلى نقطتين اعتبرهما الأساس لكل الأحاديث عن هذه النقطة, فأقول: الأولى أن القبيلة وثقافة القبلية وكل من قدم لها العون تحت أي مسمى كان, كانت ومازالت تعد من الأسباب الرئيسية, التي تبعد كل المحاولات التي تريد الخروج بنا إلى بر الأمان والاقتلاع عن التخلف الرهيب, أنها أبقت على شعبنا خارج أسوار التاريخ, فهو يعيش دائما في تقوقع رهيب, والثانية أنها احد الأسباب الرئيسية في أمية شعبنا والشاهد على قولي حضور المرأة في معجم القبيلة وإنها تمثل الشيطان نفسه, بل الأسوأ, حيث الشيطان لا يتحول إلى سلعة تباع ولا حيوان يذبح, أنها محرومة من ابسط حقوق الإنسان ويعاملونها كأنهم هم من خلقوا وليس لها رب… فان القبيلة إذ تعامل المرأة بهذا الشكل فإنها لم ترم نصف المجتمع في سلة المهملات, بل أنها تحرم شعب بأكمله من التربية الصحيحة والأمان والراحة ونضوج الشخصية و… .

12

إن قراءة القبيلة وكيفية التعامل معها يتطلب أول ما يتطلب, التأني لمجمل ما يشكل إطارها, عبر التاريخ, بعيدا عن إثارة الضوضاء, والضجيج. ذلك لكي نبين بوضوح وأكثر إدراكا درجات تأثير القبيلة مما هو شائع عنها. وعليه فلابد أن نأخذ في الاعتبار مستوياتها, ونجيب عن الأسئلة الملحة التي تطرح بالإلحاح وتبحث عن إجابة: أوردتها سابقا وألخصها هنا بان هل القبيلة هي قلب شعب لا قلب له, في ما عالم يعيش ما بعد الحداثة؟ مهما اختلفنا في الإجابة يبقى القول صحيحا بأن القبيلة هي نتاج شعب ما, نتاج الأفكار والتمثيلات والوعي, نتاج العلاقات المادية والاجتماعية والسياسية, وحقا إننا لم نول اهتماما كبيرا, إذا لم اقل لم نول اهتماما قط بالقبيلة بصفتها تكوينا ثقافيا وسياسيا وتاريخيا. فان “النص مهما كان عظيما إذا مر في عقل صغير يتحول هذا النص الكبير إلى نص صغير” فنحن هنا أمام نص كبير وهو تاريخ مجتمعنا العربي الأهوازي, بكل مكوناته, والحق يقال بأننا لا نجيد قراءة ماضينا, لذلك لا نجيد معرفة حاضرنا ومعرفة مستقبلنا.

13

أخيرا وليس آخرا, انهي كلامي من حيث ابتدأت واطرح هذا السؤال وهو ما هو الطريق الأجدى للتعامل مع مشكلة القبيلة أو إشكالية القبيلة, لا فرق بين أن نعتبرها كعامل للتخلف أو كإشكالية أو جزء من إشكالية أو عامل تماسك اجتماعي أو إطار لحفظ الهوية. هل الفكر الثوري هو الأكثر نفعا لمواجهتها إذا اعتبرنا القبيلة كعامل تخلف, كما كان الكثير يروجه قبل سنين, معتبرا إياها كأحد أضلاع مثلث التخلف في الأهواز. أو نتعامل معها كوحدة لتنظيم مجتمعنا. حقا إننا نحتاج للحديث عن هذا الموضوع بإسهاب, لكن من المؤكد إن الفكر الثوري يدمر الكثير قبل أن يصنع شيئا, إن الفكر الثوري يهدم كل محاولات التي تريد الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى بأسلوب علمي متزن يتسم بالهدوء, وبالذات هنا فان الفكر الثوري يؤدي إلى تكوين تحالفات نحن بغنى عنها, فان القبيلة والعاملين عليها يتحالفون مع الشياطين كي يبقوا على أنفسهم, رؤساءا لهذا الشعب, إن الفكر الثوري يضرب الهرم, ثم إذا سقط الهرم يظن انه حقق الانتصار وينسى بان الهرم يمكن أن يسقط, حتى بسهولة, لكن الفكرة تستمر في البقاء في الساحة, فان الطريق الأجدى هو التعامل مع الأفكار والإصلاح والإصلاح إلى ما لا نهاية… فان الفكر العلمي لا يمكن أن يتقدم إلا بتهديم المعارف الخاطئة الراسخة. ثم إن الشعب الذي عاش لقرون عديدة على أفكار صنعت له الواقع ولبت حاجاته ومازالت قادرة على العطاء, لا يمكنه أن يتركها بين عشية وضحاها, بل لا يرى حاجة لذلك. فان الإنسان لا يفكر بعقله المجرد بل هو يفكر بعقل مجتمعه. فهو ينظر في الأمور ويميز بين الحسن والقبح منها حسب ما يوحي به المجتمع. صحيح إن هناك أفرادا خرجوا على قيم مجتمعهم, وصحيح إن هذا يكثر حدوثه في المجتمعات المفتوحة, لكن هذا لا يحدث في المجتمعات المغلقة التي تعيش في عزلة نسبية وتسيطر عليها ثقافة اجتماعية موحدة. من هنا أنا أميل إلى التعريف الذي يقول إن الإنسان حيوان اجتماعي وليس حيوانا عاقلا.

لكم الحب والاحترام. أبو نواف

 المصدر:مدونة الكاتب

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑