موقع بروال – توافدت اليوم الثلاثاء الجماهير الأهوازية بقلوب دامية و عيون باکية و أفئدة مکتوية من أقصی المدن و القری الی حي مشعلي في مدينة الأهواز من الصباح الباکر للمشارکة في مراسيم تأبين و تشييع جثمان الشاعر ستار ابوسرور الصياحي الی مثواه الأخير في مقبرة کوت عبدالله ( مقبرة الشعراء ) ليرقد بسلام الی جانب اوداعه البريهي و سيد سلمان آلبوشوکه و عايد البدوي و غيرهم من الشعراء الذين دفنوا فيها ، من بينهم الکتّاب و الشعراء و الفنانين و الصحفيين و أصحاب المواقع و المدونات و جمع غفير من المواطنين و عشاق الشعر و الادب خاصة محبي الفقيد و زملاءه الذين جلبوا معهم عشرات اللافتات تحمل صورة الفقيد و أشعاره المعبّرة ، يعزّون أنفسهم و عائلة الفقيد فيها ، فبدأت الأهازيج من الساعات الصباح الاولی تروي جانباً من مشاعر الحشود تجاه الشاعر الراحل و استمرت حتی الظهيرة و حينها الجو کان غائماً تتخلله الامطار و في الساعة الثانية مساءاً وُريَ جثمانه الثری بين نحيب الاحبة و أهازيج الأخلة .
يجد الإنسان صعوبة بالغة حين يريد الکتابة عن حياة شاعر ، ليتوقف عندها ردحاً من الوقت ليصفها ويشرح محطاتها ، لأن الشاعر يری ما لا يراه غيره ، کل ذلک يلاقيه الکاتب حين الکتابة عن حياة الشاعر ، فما بالک بموته … إنها الأقدار التی تفاجئ الإنسان من حيث لا يشعر ، ( إن سرّتکَ لحظة ساءتکَ أزمانا – تتأرجح کفتها بين الحزن والسرور ) لکنها هذه المرة فاجأت الأهوازيين بموت شاعرهم ابي سرور الصياحي ، فصعق رفاقه وأصدقاه لهول النبأ… مُنيت الساحة الشعرية الأهوازية بخسارة کبيرة بوفاة شاعر الهوسة الحماسية ستار الصياحي أبو سرور يوم أمس الأثنين الموافق 12/11/2012 فی مفاجئة مؤلمة و ثقيلة باغتت الجميع و شکلّت صدمة نفسية بالغة الأثر علی جمهوره ومحبّيه و رفاق دربه الذين استقبلوا نعيه بحزن عميق و هول ودهشة وبکاء وذلک بعد تدهور وضعه الصحي بصورة مفاجئة و تعرضه لحالة تشنج حاد صبيحة الإثنين نُقل علی أثرها للمستشفی لکن الأزمة سرعان ما تفاقمت وتطورت لتنتهي بنوبة قلبية طوَت آخر صفحة من دفتر أيام شاعرٍ کرس عمره لخدمة قضيته و الذود عن کرامة شعبه حيث کان يلهب الساحة الأهوازية بکلماته النابعة من صميم وجدانه المتيقظ و ضميره الحی الواعي و يستنهض الهمم والعزائم للقيام بواجبها و الإضطلاع بمهمتها الإنسانية تجاه النهوض بالواقع المأساوي الذي يعيشه الأهوازيين .
إنه بذاته صاحب الصرخة المدوّية التي کانت تصکّ اسماع المتنفعين والمتغافلين عن معاناة الشعب وکان صوته الجهوري العالي فی الحق ينوب عن الحناجر المبحوحة والأفواه المکممة عن ضمائر الطبقات المهمشة ليغضّ علی المتناومين والمنبطحين مضاجعهم ويؤرق عيونهم ، فکان و هو يقطع الدرب الذی اختاره عن وعي وتبصر ، لا يقر له قرار ويهدی له بال ، يستجمع الأفکار والتصوّرات التي يراها ملائمة لإصلاح الأوضاع المزرية القائمة ، ليصبّها في إطار شعري جميل ومؤثر في القلوب ، ينتقي الألفاظ ذات الدلالات العميقة والمعاني السامية التي يرمي لتحقيقها ، فکانت أدبياته الشعرية و قدراته التعبيرية و الإلقائية موضع القبول والتفاعل الإيجابي ، آمن بالتغيير و رفض القبلية ودعا الی نبذ البيارق والقيم العشائرية التي لا تتوافق مع الدين ومع المدنية.
کما عقد مقارنة بين السلاح القديم المتمثل بالسيف والبندقية وبين السلاح الجديد المتجسد بالقلم الذي إعتبره أمضی سلاح و أنفع وسيلة لمقارعة الضيم والتخلف والرجعية وتطرّق لموضوعات أساسية في التغيير والإصلاح العشائري ، کل ذلک في إطار شعري شعبي يتفق مع الظروف الراهنة وکان يرافقه و يوافقه علی أفکاره العالية زملائه ورفاقه الشعراء.
کان يتواجد ويتنقل حيث أقتضت الضرورة ولزمه الأمر لإيصال فکرته وإطلاق صرخته و أداء رسالته و واجبه الملقی علی عاتقه کشاعر ينطق بالألم ويعبّر عن المعاناة و يجّسد فصول الفقر والحرمان فی ثنايا سطور کلماته و إشطر أهازيجه التي حفظتها الأجيال عن ظهرقلب و اطلقتها عالية في مختلف المناسبات.
شکلت حادثة رحيله المبکّر و المفاجئ شرخاً وثغرة يلمسها المتتبعون للشأن الشعري بوضوح في الأوساط الشعرية حيث کان الراحل بمثابة المغناطيس أو الکاريزما الذي تتحلّق حوله جموع شعراء الهوسة و الأهازيج و جمهوره الواسع المنتشر في ربوع الأهواز ، لکنه رغم عمره القصير أثمر الکثير فی مضمار الشعر الشعبي ونشر الوعي في أوساط المجتمع ، وقد تمکن من أبداع منهج جديد في الأهزوجة ، حيث أستطاع بمقدرته العجيبة في التعبير من ضخ کم هائل من المفاهيم والمعاني الإنسانية فی قالب الهوسة التي کانت تستخدم لإقراض أخری ، غير انه قام بتأطيرها وإعادة صياغتها خدمة للأفکار التي عاشت في کيانه حتی اللحظة الأخيرة من حياته و هذا العمل الإبداعي يُحسب في رصيد أبي سرور الحافل والناصع والمعروف لدی القاصي والداني ، ذلک لأن الهوسة فن شعري شائع و ذائع ومنتشر في أوساط المجتمع وهناک من رفض إستخدامه بحجة إنه منتهي الصلاحية ولا يجدر أو يقدر علی استيعاب المفاهيم التي ينوي طرحها الشعراء المتجددّون والتقدميون لغرض تکريس مبادئ الإصلاح والتغيير ، لکنه نظر إلی هذا الفن الجماهيري من زواية أخری فأجاد التصرف به و عمد إلی توظيفه بطريقته الخاصة التي لاقت استحساناً وقبولاً و انتشاراً کبيراً في صفوف الجماهير، لم يقتصر الشاعر علی الهوسة بل کتب الشعر في شتی أنماط الشعر الشعبي لکنه لا يکفّ ولا يملّ عن تطعيمه بنکهة شعبية تحقيقاً لما کان يصبو إليه من هدف نبيل وشريف.
نهدي لروحه کل تحية وتجلّة واحترام ونقف لمواقفه المشرّفة إجلالاً وتعظيماً.
رحمك الله يا ستار
يبدو ان الأخ أبو نزار لم يسمع الأهزوجة و يصر على تسمية الأهواز و الشعب في الداخل يهتف بالأحواز