
لندن- كارون الثقافي- حامد الكناني- في خضم التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال الحرب العالمية الثانية، عاد اسم الشيخ جاسب بن خزعل ليتصدر المشهد السياسي في عربستان (الأحواز)، وذلك بعد سنوات من النفي القسري والإقصاء السياسي الذي تعرض له على يد والده الشيخ خزعل بن جابر آل مرداو، تحت ضغط مباشر من قبل القنصل البريطاني في المحمرة ورئيس ومستشار الشيخ خزعل المعروف بحاج رئيس. فقد كان الشيخ جاسب ولي عهد إمارة عربستان العربية قبل أن يُقصى عن المشهد وينقل إلى بريطانيا.
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا عام 1941، سقط حكم رضا خان البهلوي بعد أن أجبره الحلفاء على التنحي بسبب علاقاته المتنامية مع ألمانيا النازية، وتم نفيه إلى جزيرة موريشيوس. استغل الحلفاء هذا الحدث لتأمين مصالحهم النفطية والجيوسياسية في إيران، فقاموا بتنصيب ابنه محمد رضا بهلوي مكانه خلال مؤتمر طهران عام 1943، الذي جمع كبار قادة الحلفاء: تشرشل، روزفلت، وستالين.
وسط هذا الفراغ السياسي المؤقت في إيران، رأى الشيخ جاسب أن اللحظة قد حانت لاستعادة ما فقدته أسرته من مكانة سياسية وحقوق سيادية. فعاد إلى موطنه في عربستان، مستندًا إلى اتفاق سابق مع الحكومة البريطانية يضمن لعائلة الشيخ خزعل الاستقلال الداخلي لعربستان وعدم المساس بأراضيها وممتلكاتها في إيران.
وفي رسالة مؤرخة في 11 يونيو 1944، وجّه الشيخ جاسب خطابًا رسميًا إلى سفير بريطانيا في طهران يوضح فيه حجم الظلم الذي لحق بعائلته، ويذكّر فيه بريطانيا بعهودها التاريخية تجاه إمارة عربستان، مؤكدًا أن الأسرة ظلت وفية للندن حتى بعد سقوط الإمارة. وقد حملت الرسالة نبرة احتجاج وتحذير ضمني من أن استمرار التهميش سيدفعهم للبحث عن بدائل.

إلا أن المعادلة الدولية في تلك اللحظة لم تكن في صالح الشيخ جاسب ولا الشعب العربي في عربستان، فقد قررت القوى الكبرى – بريطانيا، الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي – أن مصالحها تقتضي الإبقاء على وحدة إيران تحت حكم الشاه الجديد، وبالتالي تم تجاهل تحركات الشيخ جاسب تمامًا، وإجهاض محاولته لبعث الحياة في الإمارة العربية من جديد.
وبذلك، كانت عودة الشيخ جاسب بمثابة ثورة صامتة لم تكتمل، سقطت في دهاليز السياسة الدولية، ودفنتها المصالح النفطية والاستراتيجية التي رأت في استمرار السيطرة الإيرانية على عربستان عامل استقرار إقليمي يخدم الحلفاء في حربهم ضد قوى المحور. جاء في الوثيقة ما نصه:
“البصرة، العراق، 11 يونيو 1944
إلى سعادة سفير صاحب الجلالة البريطانية في طهران – إيران
الموضوع: ولاء عائلة الشيخ خزعل
سعادة السفير المحترم،
يشرفني أن أرفع إلى مقامكم الكريم أن عائلة الشيخ خزعل كانت وما زالت وفية لحكومة جلالة الملك البريطانية، ولا يوجد من يستطيع إنكار هذا الولاء. فالتاريخ الحديث يشهد على الخدمات الجليلة التي قدمها والد هذه العائلة الراحل خلال الحرب العالمية الماضية، والتي لا يمكن حصرها. لقد توفي وهو يحمل في قلبه الحماسة والحب الكبير لحليفه بريطانيا العظمى، وقد ورث أبناؤه هذا الولاء والمحبة كذلك.
يبدو أن الظروف لم تكن في صالح هذه العائلة لكي تُظهر ولاءها بالشكل المطلوب، ومع ذلك فإنهم لا يجدون سببًا يدعو إلى التعامل معهم بهذه القسوة وحرمانهم من التسهيلات من قبل المسؤولين البريطانيين. إضافة إلى ذلك، فإن بيننا وبين الحكومة البريطانية اتفاقاً يتضمن ما يلي:
“تتعهد الحكومة البريطانية بضمان استقلالنا الداخلي في عربستان، كما تتعهد بعدم المساس بأملاكنا وأراضينا الموجودة في إيران بأي شكل من أشكال الاستغلال أو الإساءة.”
ولكن من المؤسف أن نرى أنه لم يتم تنفيذ أي بند من هذا الاتفاق (الذي نعتبره أعز إرث ورثناه من والدنا الوفي)، لا لصالحه في حياته ولا لصالح ورثته بعد وفاته. بل على العكس من ذلك، نرى أن هناك أشخاصًا تمت مصادرة ممتلكاتهم وطُردوا من مناصبهم في عهد رضا شاه السابق، قد أعيدت إليهم ممتلكاتهم ومراكزهم، في حين أن هذه العائلة المسكينة وحدها حرمت من هذا الحق، فقط لأنها اختارت الصمت.
وبناءً عليه، فإننا نضع كامل ثقتنا في الحكومة البريطانية، ونطلب من سعادتكم النظر في الحالة المالية السيئة التي تمر بها هذه العائلة. ومن المعروف أن كل فرد من هذه العائلة قادر على العودة إلى موقعه بين قبائله، مع العلم اليقيني أن هذه القبائل مستعدة دائمًا لطاعة أوامرهم ومحاربة العدو الوحيد لهم، وهو الحكومة الإيرانية.
نعتقد أن الحقائق المذكورة أعلاه تبرر لنا إنهاء صمتنا والمطالبة باسترجاع ممتلكاتنا في إيران. ونؤكد لسعادتكم أن عائلة الشيخ خزعل لا ترغب في تدخل أي طرف فردي، بل تطلب فقط من المسؤولين البريطانيين حل قضاياها المعقدة. ونؤمن أنه إن لم يُعطَ هذا الخطاب ذات الاعتبار الذي مُنح للخطاب السابق، فإن النتيجة التي يمكن استخلاصها هي أن سعادتكم لم تلتزموا بشروط الاتفاق الذي بحوزتنا. وعندها، لن يكون أمامنا خيار إلا التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين الذين صادروا ممتلكاتنا، أو أن يحدث شيء يغير الوضع الراهن.
مع فائق الاحترام،
خادمكم المطيع،
(توقيع) جاسب”
المرجع: ملف 26/185 ف (ف96) – شيخ المحمرة
المصدر: منشورات حامد الكناني

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.