
لندن- موقع كارون الثقافي- حامد الكناني- مع تطورات البرنامج النووي الإيراني، وتعاظم القدرات الصاروخية لطهران، وتزايد نفوذ الحرس الثوري في الإقليم، إضافة إلى الموقف الدولي الرافض لسلوك إيران داخليًا وخارجيًا، خاصة دعمها المستمر للمنظمات الإرهابية والميليشيات المسلحة، بدأت تتشكل لدى الشعب الأحوازي آمال بإحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، ووضعه تحت البند السابع، كما حدث في حالات يوغوسلافيا والعراق وليبيا.
هذا التصعيد الدولي، بالتزامن مع موقف التحالف العربي الساعي إلى وضع حد للتدخلات الإيرانية في الشؤون العربية، حفّز التنظيمات الوطنية الأحوازية لتوحيد جهودها، وتفعيل العمل المشترك فيما بينها. وقد شهدت الساحة السياسية الأحوازية تحركات متكررة نحو رص الصفوف وتشكيل تحالفات سياسية، تعكس وعيًا جماعيًا بأهمية المرحلة وضروراتها.
لكن في المقابل، شكّل التواطؤ الأمريكي في عهد الرئيس باراك أوباما، والدور السلبي الذي لعبه وزير خارجيته جون كيري، عاملًا مؤثرًا في ترجيح كفة النظام الإيراني. وتشير مصادر إلى علاقات عائلية بين كيري واللوبي الإيراني في الولايات المتحدة، منها زواج ابنته من شاب إيراني صديق لنجل وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، الأمر الذي أثار جدلًا حول حيادية كيري في إدارة الملف الإيراني.
وقد توّجت هذه السياسات بعقد الاتفاق النووي في 2 أبريل 2015 بين إيران ومجموعة دول 5+1، وهو ما أدى إلى سحب الملف الإيراني من تحت البند السابع في مجلس الأمن، ما اعتبره كثير من النشطاء السياسيين الأحوازيين والعرب بمثابة انتصار سياسي لإيران دون أن تقدّم أي تنازلات حقيقية في ملف حقوق الإنسان أو تدخلاتها الخارجية.
وفي هذا السياق، صرّح الرئيس الإيراني حسن روحاني، بتاريخ 11 فبراير بمناسبة الذكرى الأربعين لقيام النظام الإسلامي في إيران، قائلًا:
“إيران هي الدولة الوحيدة التي خرج ملفها من تحت البند السابع في مجلس الأمن من دون اللجوء إلى القوة العسكرية”.
هذا التصريح كشف بوضوح نوايا طهران، حيث أن سنوات التفاوض الطويلة لم تكن، وفق رؤية النظام، تهدف إلى الرضوخ لمطالب المجتمع الدولي، بل لانتزاع الاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم، وللتخلّص من العقوبات الدولية الثقيلة عبر بوابة دبلوماسية خادعة.
بعد توقيع الاتفاق، أعلن الرئيس أوباما انسحابًا تدريجيًا من المنطقة العربية، تاركًا فراغًا استراتيجيًا استغلّه الحرس الثوري الإيراني لتمديد نفوذه الإقليمي، حتى بدا أن إيران قد حصلت على تفويض غير معلن للعب دور الوصي السياسي والعسكري على بعض أجزاء من العالم العربي.
هذا التراخي الأمريكي والدولي، لا سيما من قِبل بعض دول الاتحاد الأوروبي، شجع إيران على المضي في سياساتها التوسعية، مستندة إلى الاتفاق النووي كـ”رخصة دولية” و”ضوء أخضر أمريكي” لبعث مشروعها الإمبراطوري التاريخي في المنطقة.
وفي مواجهة هذا الواقع، بدأت دول عربية عدّة اتخاذ خطوات جادّة نحو التكامل الأمني والعسكري، سعيًا لتشكيل منظومة دفاع إقليمية قادرة على التصدي للتمدد الإيراني، الذي بات يهدد أمن المنطقة وهويتها القومية.
القضية الأحوازية في مرآة التوازنات الإقليمية والدولية
في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بات جليًا أن الولايات المتحدة، من أجل حماية مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، تسعى لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. هذا التوازن الجديد يقوم على قطبين متقابلين: الأول تقوده المملكة العربية السعودية بدعم من عدد من الدول العربية والخليجية، فيما يتزعم القطب الثاني الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتضم إلى جانبها دولًا عربية ذات غالبية شيعية أو ولاءات سياسية متقاطعة مع النفوذ الإيراني.
وتحت هذا المشهد، يتابع كثيرون باهتمام بالغ مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران، معتقدين أن هذه المحادثات بدأت من سلطنة عُمان. غير أن الوقائع والشواهد تشير إلى أن ما جرى في عُمان لم يكن سوى فصل متقدم من عملية تطبيع متدرّجة للعلاقات، سبقتها مراحل أكثر عمقًا وخطورة، كان من أبرزها بداية تخلي إيران – ولو تدريجيًا – عن بعض أذرعها العسكرية غير الرسمية في المنطقة، مثل قيادات حماس وحزب الله، ويبدو أن الدور آتٍ أيضًا على قيادات الحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق.
أما في سوريا، فإن التراجع التدريجي لنظام بشار الأسد – إن لم يكن سقوطه بالكامل – يكشف عن اتفاقات ضمنية غير مُعلنة، لعبت فيها طهران دورًا محوريًا في إطار صفقة سياسية إقليمية ودولية أوسع، عنوانها الأساسي: “تسويات ما بعد الصراع”.
وفي هذا السياق الإقليمي المعقد، تأتي القضية الأحوازية كمثال حي على تداخل القضايا المحلية مع صراعات الجغرافيا السياسية والدينية في المنطقة. لم تعد قضية الأحواز محصورة في إطارها المحلي أو الإثني، بل باتت عنصرًا حساسًا في لعبة التوازنات، ومرآة تعكس حجم النفوذ الإيراني من جهة، ومدى هشاشة المواقف الدولية من جهة أخرى.
ففي ظل صمت المجتمع الدولي، وتقاعس القوى الكبرى، لا سيما الغربية منها، استطاع النظام الإيراني أن يعمّق سياسة القمع والاضطهاد بحق شعبٍ أعزل لا يطالب إلا بحقه المشروع في الحرية والكرامة. ولأكثر من قرن، ظلت القضية الأحوازية حبيسة الظل، محجوبة عن الأنظار، وسط تجاهل شبه تام لحقوق الإنسان والعدالة.
من هنا، تبرز ضرورة تبني مقاربة جديدة لتدويل القضية الأحوازية، تستند إلى مرتكزات قانونية وإنسانية، وتستثمر التحولات الجيوسياسية الجارية من أجل إعادة الاعتبار لشعبٍ يعاني بصمت، وتوفير الحماية الدولية له، ودفع المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية تجاه واحدة من أقدم القضايا المنسية في الشرق الأوسط.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.