لواء القوزاق الفارسي من الولاء الروسي إلى المشروع الإنجليزي لإعادة تشكيل الدولة المركزية في بلاد فارس

شكّل مطلع القرن العشرين نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ إيران والأقاليم التابعة للتاج القاجاري. ففي الوقت الذي عملت فيه روسيا القيصرية على مد نفوذها داخل فارس عبر تأسيس لواء القوزاق الفارسي وتمويله وتدريبه بإشراف ضباطها العسكريين، سرعان ما تدخلت بريطانيا لتصادر هذه القوة وتحول وجهتها من خدمة المصالح الروسية إلى أداة لتنفيذ مشروعها الاستعماري الأشمل: إعادة تشكيل فارس في صورة دولة مركزية يرأسها ضابط عسكري لتحل محل نظام “الممالك المحروسة” التقليدي، الذي حافظ لقرون على صيغة من الاستقلال الذاتي للأقاليم تحت التبعية الاسمية للتاج القاجاري.

القوزاق الفارسي: مشروع روسي في الأصل

كما يورد الصحفي البريطاني فالنتاين تشيرول في كتابه “The Middle Eastern Question” (1903)، فإن ضعف الجيش القاجاري نتيجة الفساد، وسوء الإدارة، وغياب الانضباط، خلق فراغاً عسكرياً ملأته روسيا عبر تأسيس لواء القوزاق الفارسي.
هذا اللواء، الذي حظي بإشراف مباشر من ضباط روس أبرزهم الجنرال كوساغوفسكي، تميز عن سائر القوات القاجارية بالانضباط والكفاءة. وقد لعب دوراً سياسياً محورياً، ليس فقط في تثبيت حكم الشاه مظفر الدين، بل أيضاً في ترسيخ النفوذ الروسي في طهران والأقاليم البعيدة مثل خراسان وشمال عربستان (الأحواز).

غير أن السيطرة على هذا اللواء لم تبق حكراً على روسيا. فمع اشتداد التنافس بين الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية حول النفوذ في فارس والخليج، تحركت لندن لمصادرة اللواء وتحويل بوصلته.
في هذا السياق، يمكن فهم دور بريطانيا في جعل اللواء القوزاقي أداة لتثبيت نفوذها، على غرار ما قامت به في مصر عبر نظام “السردار البريطاني” الذي سيطر عملياً على الجيش المصري.

الأداة العسكرية وبناء الدولة المركزية

جوهر المشروع البريطاني لم يكن عسكرياً بحتاً، بل سياسياً بالدرجة الأولى. فقد رأت لندن أن استمرار نظام “الممالك المحروسة”، الذي يشبه إلى حد بعيد صيغة الكومنولث البريطاني، يتعارض مع استراتيجيتها الدفاعية عن الهند. هذا النظام، الذي منح الأقاليم – ومنها عربستان – قدراً واسعاً من الحكم الذاتي مقابل الولاء الاسمي للشاه، كان يوفر بيئة مرنة لكنها غير قابلة للضبط الاستعماري.
ومن هنا، صارت مهمة اللواء القوزاقي، بعد أن حُوّل ولاؤه، تجسيد مشروع الدولة المركزية ككيان موحد يخضع مباشرة لتأثير البريطانيين، بدلاً من الصيغة التقليدية اللامركزية التي حافظت على التوازنات الداخلية لقرون.

عربستان (الأحواز): نموذج الاستقلال المهدّد

من بين الممالك المحروسة، تبرز عربستان مثالاً واضحاً على هذا التحول. فقد تمتعت في عهد أمراء آل ناصر في الفلاحية وآل مرداو في المحمرة باستقلال شبه كامل، حيث حافظت على إدارتها الذاتية، وعلاقاتها التجارية والسياسية، حتى ضمن تبعيتها الشكلية للتاج القاجاري.
غير أن الاستراتيجية البريطانية، عبر القوزاق الفارسي وغيره من الأدوات، عملت على تقويض هذه الصيغة، تمهيداً لإدماج عربستان في الدولة المركزية الجديدة، بما يضمن إقصاء النفوذ الروسي من جهة، وإحكام القبضة البريطانية على الخليج من جهة أخرى.

تظهر شهادة فالنتاين تشيرول، التي تستند إلى ملاحظات ميدانية خلال رحلته إلى فارس والخليج مطلع القرن العشرين، أن اللواء القوزاقي لم يكن مجرد قوة عسكرية استثنائية في جيش ضعيف، بل أداة كبرى في لعبة الهيمنة الاستعمارية.
فما بدأ كمشروع روسي لمد النفوذ عبر التدريب والتمويل، انتهى إلى أن تصادره بريطانيا وتعيد توجيهه لخدمة مشروعها السياسي: بناء دولة مركزية فارسية تحل محل نظام الممالك المحروسة، وتضع حداً لاستقلاليات تاريخية مثل عربستان.
إن هذه القصة تكشف بوضوح كيف أن الأدوات العسكرية يمكن أن تُصادر وتُعاد صياغتها لتخدم استراتيجيات سياسية كبرى، وأن مسار الدولة المركزية في إيران كان إلى حد بعيد نتاج صراع استعماري أكثر منه اختياراً داخلياً.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑