
مركز دراسات عربستان الأحواز- بحث وتدوين : حامد الكناني- تشكل الوثائق البريطانية المتعلقة بالأحواز في ثلاثينيات القرن العشرين مصدرًا مهمًا لفهم طبيعة الاحتلال الفارسي وسياساته القمعية تجاه القبائل العربية. لكنها في الوقت نفسه تكشف عن ازدواجية في الخطاب الاستعماري، حيث يُعاد توصيف الضحية بالمهاجم، والمحتل بالسلطة الشرعية. تسلط هذه الدراسة الضوء على ملخص استخبارات بريطانية مؤرخة بين 1931 و1947، مركّزة على شدة القمع الذي تعرّض له الشعب الأحوازي بعد اغتيال الشيخ خزعل بن جابر، آخر أمراء الأحواز العرب، عام 1936، إضافة إلى الممارسات الاجتماعية والثقافية التي فرضتها الدولة الفارسية.
القمع العسكري والأمني
تشير الوثائق إلى أن القوات الفارسية خاضت مواجهات مباشرة مع مجموعات عربية مسلّحة عبرت نهر كارون نحو الفلاحية، وكانت المواجهات في مناطق قريبة لدارخوين. وأسفرت هذه الاشتباكات عن مقتل 13 عربيًا وأسر أربعة، حيث عُرضت جثامين القتلى في المحمرة ودفنت علنًا، في أسلوب يظهر إرهابًا مقصودًا لترويع السكان وكسر مقاومتهم.
كما لفتت الوثائق الانتباه إلى حالة “انعدام الأمن” في ديزفول، ما يعكس تصاعد التوتر بين القبائل العربية والقوات المحتلة. ولم يقتصر القمع على المواجهات العسكرية، بل شمل ضغطًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا لتفكيك أي بنية مقاومة محلية.

توضح الوثائق البريطانية وحشية القمع الفارسي بشكل صادم، إذ أقدمت القوات العسكرية عام 1935 على حرق أفراد من العرب أحياء بعد محاصرتهم، وإعدام المستسلمين وتمثيل بجثامين القادة عبر قطع رؤوسهم وعرضها على أعمدة في الطريق العام لثلاثة أيام، كما توضح الوثيقة:
“30 Iraqi armed bandits who used to enter Iran and loot the Arab tribes on the frontier, entered Iran territory near Shush and took away 5000 sheep. It happened that 18 military soldiers were near the spot and they were informed of the incident and pursued them. The bandits took refuge in the marshes for 3 days. On coming out they were confronted by the military and killed a corporal and a private, but the military held on and the bandits were again compelled to take refuge in the marshes. The military set fire to the marshes with 12 tins of kerosene oil and the bandits left their spoil and came out of the marshes. 24 were killed and the remaining 6 captured and taken to Disful whence they were brought to Ahwaz. Amongst the 24 killed bandits there were nine chiefs who were beheaded and their heads taken to Dizful and put in gypson in front of the military barracks there to show the people.”
– Persia; Diaries: Khuzistan (Ahwaz) Diaries Jany 1931 – 1937, Ref: IOR/L/PS/12/3400
هذا الحدث، الذي جرى في منطقة سهل كنانة جنوب غربي مدينة السوس التاريخية التابعة لإمارة بني لام في عهد الشيخ غضبان البنية، يظهر كيف تبنت الدولة الفارسية أساليب وحشية في القمع العسكري، وقد تُوصف بأنها تسبق بعض ممارسات الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث.

تعكس الوثائق أيضًا غطرسة رضا خان بهلوي في التعامل مع النخبة العربية التقليدية، حيث أُجبر شيوخ القبائل على حضور مراسم وصول شاه إيران في محطة الأحواز، وقرر الشاه تغيير ألقابهم التقليدية إلى لقب “مزارع” (فلاح):
“All the chiefs of the Arab tribes were summoned to Ahwas from all centres of the province to attend the arrival of His Imperial Majesty the Shah at the Ahwaz Station. It has been decided that all the Chiefs of the tribes who were called ‘Sheikhs’ shall in future be addressed as ‘zare” (farmers).”
– Persia; Diaries: Khuzistan (Ahwaz) Diaries Jany 1931 – 1937, Ref: IOR/L/PS/12/3400

القمع الاجتماعي والثقافي والسياسات التمييزية
لم تكتفِ السلطات الفارسية بسلب القاب الشيوخ وتهجير السكان، بل فرضت سياسات ثقافية تمييزية، مثل فرض نوع محدد من القبعات على العرب لتمييزهم عن غيرهم، في ممارسة عنصرية واضحة. جاء في الوثيقة التي تعود لعام 1935:
“The General Officer Commanding Troops has brought a large number of hats from Burujird which all persons crossing the Karun were at one time forced to buy from soldiers. The Governor of Bani Turuf placed a large order in Ahwaz for a hat consisting of a Pahlavi crown with shiny black sateen ribbon and a two-inch black brim with green below. The effect suggests the slopes of Snowden. This is intended for wear by Arab tribes.”
– Persia; Diaries: Khuzistan (Ahwaz) Diaries Jany 1931 – 1937, Ref: IOR/L/PS/12/3400

التهجير والهندسة الديموغرافية
ذكرت التقارير البريطانية نزوح أعداد كبيرة من العائلات العربية نحو العراق نتيجة الظروف القاسية والسياسات التعسفية للقوات الفارسية:
“Owing to the trouble experienced by the Arab tribes on the frontier from the Amnieh and Military many families are leaving Iran to refuge in Iraq territory. Unrest is reported amongst the Arab tribes on”
– Diary of H.B.M’s Consulate for Khuzistan, June 1937, IOR/L/PS/12/3400
ويؤكد هذا أن الهجرة كانت قسرية، وأن القبائل العربية اعتُبرت من قبل الاحتلال مصدر “اضطراب”، بينما الواقع كان فرارًا من القمع العسكري والسياسات التعسفية. كما درست السلطات الفارسية إمكانية توطين أذربيجانيين مهجّرين في أراضٍ “فارغة” بالقرب من ميناء هنديان، وهو دليل على سياسة إعادة تشكيل التركيبة السكانية للأحواز لصالح الدولة المركزية الفارسية.
ازدواجية المعايير البريطانية
تتجلى في الوثائق البريطانية أخطر جوانب الرواية الاستعمارية، حيث وُصفت القبائل العربية بـ “المهاجمين” و”المثيرين للمتاعب”، في حين اعتُبرت ممارسات الاحتلال الفارسي مشروعة للحفاظ على “القانون والنظام”. هذا يعكس منطقًا مزدوجًا: المحتل صاحب الحق والشرعية، وأصحاب الأرض إذا قاوموا يُصنفون خارجين عن القانون.
کما تؤكد الوثائق البريطانية أن فترة الثلاثينيات شكّلت مرحلة حاسمة في ترسيخ الاحتلال الفارسي للأحواز من خلال القمع الدموي، التهجير القسري، وسياسات التمييز الاجتماعي والثقافي، بالإضافة إلى الممارسات الوحشية ضد القبائل المسلحة التقليدية. كما تبرز دور بريطانيا في إعادة إنتاج الرواية الرسمية بما يخدم مصالحها النفطية في المنطقة. إن توصيف الضحية بالمهاجم والمحتل بالشرعي ليس مجرد انحياز لغوي، بل جزء من بنية فكر استعماري عالمي ما زال يُستخدم لتبرير السيطرة على الشعوب وحرمانها من حق تقرير المصير.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.