
مركز دراسات عربستان الأحواز- مع ظهور مؤشرات واضحة على تمكّن الحكومة الإيرانية من قمع موجة الاحتجاجات الأخيرة، بدأت تتسرّب من داخل النظام معلومات عن إقدام السلطات على اعتقال الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف. في البداية قوبلت هذه الأنباء بالتشكيك، لكن سرعان ما تأكدت وتناقلتها وسائل إعلام داخلية وخارجية على نطاق واسع. هذه التطورات دفعت عددًا من الخبراء إلى الاعتقاد بأن النظام الإيراني بدأ فعليًا التمهيد لصناعة “بديل من داخل السلطة”، على غرار التجربة التي لجأ إليها سابقًا مع محمد خاتمي والتيار الإصلاحي، حين فرضت الضرورات الجيوسياسية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي البحث عن واجهة أكثر قبولًا دوليًا.
في تلك المرحلة، اعتقدت طهران أن موجة التفكك والتغيير التي اجتاحت الاتحاد السوفيتي قد تمتد إليها، فبدأ التخطيط لتسليم الحكم لتيار يمتلك قدرة على التواصل مع المجتمع الدولي ويقدم خطابًا يوحي بتغيير شامل، داخليًا وخارجيًا. هكذا ظهر محمد خاتمي بخطاب “حوار الحضارات”، ومنحت في عهده مساحة محدودة من الحريات، خاصة للشعوب غير الفارسية، ما خلق انطباعًا بوجود تغيير حقيقي وملموس. إلا أن هذه الصفحة طويت سريعًا مع مجيء محمود أحمدي نجاد وخطابه الشعبوي، الذي أخفى وراء مظهره البسيط عودة القمع والتنكيل ومصادرة مكتسبات المرحلة الإصلاحية، وامتلأت السجون بالمعتقلين، وارتفعت وتيرة الإعدامات، وعاد فيلق القدس والسياسات التوسعية الإقليمية، بقيادة قاسم سليماني، ليتصدر المشهد من جديد، بما حمله ذلك من كوارث على العراق وسوريا ولبنان واليمن.
أما حسن روحاني، فمن يراجع سجله السياسي لا يجد ما يؤهله ليكون شخصية جامعة أو ذات كاريزما تحظى بثقة المكونات الإيرانية. فمنذ بدايات الثورة، حين كان نائبًا في البرلمان، عُرف بمواقفه المتطرفة، إذ طالب بعرض جثث المعارضين الذين أُعدموا أمام جامعة طهران ليكونوا “عبرة” للآخرين. خلف ابتسامته الهادئة، كان يحمل عقلية قمعية خطيرة وقدرة عالية على التلوّن السياسي، ما جعله نموذجًا للسياسي البراغماتي الانتهازي أكثر منه رجل دولة إصلاحي.
في المقابل، يبدو أن محمد جواد ظريف يُحضَّر للعب دور مكمل في المرحلة المقبلة، حيث أُوكل لروحاني سابقًا تمرير مشروع امتصاص الأزمات داخليًا، فيما يُراد لظريف تولي مهمة إعادة تدوير النظام خارجيًا وإقليميًا. فظريف يُعد العرّاب الأساسي للاتفاق النووي لعام 2015، ويمتلك خبرة طويلة في المناورة الدبلوماسية. وقد نجح خلال المفاوضات في تفكيك تماسك مجموعة (5+1)، وإضعاف موقفها تجاه البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، مستفيدًا من علاقات شخصية مع مسؤولين أمريكيين، أبرزهم جون كيري، ما أدى في النهاية إلى رفع العقوبات، وتحرير الأرصدة الإيرانية، وإخراج ملف إيران من مجلس الأمن في عهد باراك أوباما.
لكن ما إن حصل النظام على الأموال ورفع الضغط الدولي، حتى عاد إلى سياساته التوسعية. فقد اعترف ظريف نفسه، في تسجيل مصور انتشر لاحقًا، بأن قاسم سليماني أجبر شركة “ماهان إير” على تنفيذ أكثر من 120 رحلة محملة بالسلاح إلى سوريا فور رفع القيود، وأن وزارة الخارجية لم تكن سوى واجهة شكلية، بينما القرار الحقيقي كان بيد فيلق القدس. هذه الاعترافات المتأخرة لا يمكن فصلها عن محاولة ظريف تبرئة نفسه عبر تحميل المسؤولية لشخص قُتل ولم يعد قادرًا على الرد، وهي حيلة مكشوفة اعتاد عليها لتلميع صورته وكسب الوقت.
في جوهر الأمر، لا يسعى النظام الإيراني إلى إصلاح حقيقي، بل إلى استراحة محارب وتغيير في الوجوه فقط، مع الإبقاء على نفس البنية والسياسات. فظريف وروحاني من أبناء الثورة الخمينية، ومؤدلجون أكثر مما يُروَّج لهم، وهدفهم الأساسي الحفاظ على النظام الملالي ومكتسباته. لذلك، فإن إعادة الثقة بهم تعني تكرار الأخطاء نفسها التي دفعت إيران إلى هذا المأزق التاريخي.
إيران اليوم ليست إيران عام 1979، ولا حتى إيران ما قبل مئة عام حين خُدع الناس بشعارات رضا خان عن الجمهورية قبل أن يعيد إنتاج الملكية بديكتاتورية مركزية عسكرية. المجتمع الإيراني اليوم يتمتع بوعي سياسي غير مسبوق، ويتابع ما يجري في العالم، ويرى بأم عينه مسارات التنمية في دول الجوار، خاصة في الخليج العربي. لكنه في الوقت ذاته مكبل بقيود فولاذية فرضها النظام المركزي الاستبدادي. طموح الشعوب في إيران لم يعد مرتبطًا بتغيير الأشخاص أو الرموز، بل بكسر المركزية القومية الفارسية وبناء نظام تعددي يمنح جميع الشعوب حقوقها السياسية والثقافية والاقتصادية.
تكمن المشكلة الجوهرية في المعارضة الشمولية الإيرانية، وعلى رأسها التيار الملكي ومجاهدي خلق، في استمرار تمسّكها بفكرة الدولة المركزية، متجاهلة حقيقة أن أكثر من 70% من سكان إيران ينتمون إلى شعوب غير فارسية عانت التهميش والإقصاء طوال قرن كامل. هذه الشعوب لا تبحث عن “منقذ”، ولا عن زعيم أو بطل يُفرض عليها من الخارج، بل تطالب ببرامج سياسية واضحة، وخطاب سياسي عصري، يضمن لها الكرامة والعدالة وحق تقرير المصير ضمن إطار دولة تعددية لامركزية.
تدرك هذه الشعوب جيدًا أن السياسة الدولية تحكمها المصالح، وأن الولايات المتحدة الأمريكية، في هذه المرحلة تحديدًا، لا يعنيها شكل النظام السياسي في إيران بقدر ما يعنيها منع النظام المركزي من التوسع الإقليمي، ووقف مشروعه النووي، وتجفيف مصادر دعمه للإرهاب. وهذا ما عكسته بوضوح التصريحات والتسريبات الإعلامية الأخيرة، التي تحدثت عن أربعة مطالب أمريكية رئيسية موجّهة إلى طهران، مقابل التلويح بـ«خيار كارثي» في حال تجاهلها، وهي: وقف تخصيب اليورانيوم، خفض مخزون الصواريخ، إزالة نحو 2000 كيلوغرام من المواد النووية المخصبة بنسبة تتراوح بين 3.67% و60%، وإنهاء دعم الوكلاء الإقليميين.
وتؤكد التصريحات الأمريكية نفسها أن إيران تعيش وضعًا اقتصاديًا خطيرًا، يتمثل في انقطاع المياه لساعات طويلة يوميًا، وانقطاع الكهرباء، وتضخم يتجاوز 50%، وهي مؤشرات تعكس عمق الأزمة البنيوية للنظام. وفي هذا السياق، يجري التأكيد على أن الحل الدبلوماسي ممكن إذا استجاب النظام لهذه المطالب، بينما سيكون البديل أكثر كلفة وخطورة. كما تعترف واشنطن صراحة بأن المجتمع الإيراني يريد التخلص من نظامه، وتعلن وقوفها معه، دون أن يتجاوز ذلك حدود الخطاب السياسي المرتبط بالمصالح.
انطلاقًا من هذه المعطيات، يصبح واضحًا أن أي مشروع تغيير لا يخاطب هذه الغالبية السكانية، ولا يعترف بحقوق الشعوب غير الفارسية، محكوم عليه بالفشل. فالخطاب الوحيد القادر على حشد المجتمع الإيراني بكل مكوناته هو الخطاب الذي يجمع بين الحفاظ على وحدة إيران الجغرافية، ومنح شعوبها حق تقرير مصيرها ضمن دولة تعددية لامركزية.
أما إعادة إنتاج الديكتاتورية المركزية بوجوه جديدة، وتحت شعارات مختلفة، فهي وصفة مضمونة لإجهاض أي حراك مستقبلي. وهذه الحقيقة لم تعد خافية على الشعوب داخل إيران، ولا على المراقبين الجادين للمشهد الإيراني، الذين باتوا يدركون أن زمن المركزية الشمولية قد انتهى، وأن مستقبل إيران لن يُبنى إلا على الاعتراف بالتعدد، والعدالة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.