
لندن- موقع كارون الثقافي- منشورات حامد الكناني- في ديسمبر من عام 1906، انطلقت جولة استكشافية في أرجاء الخليج العربي والعراق العثماني، سُجِّلت تفاصيلها بدقة ضمن ما عُرف لاحقًا بيوميات الرحلة تحت المرجع IOR/L/PS/20/C260. وقد تضمنت الرحلة مشاهدات مباشرة وانطباعات شخصية حول الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تلك البقاع، حيث التقى المراقبون بعدد من الشخصيات المحلية، وسجلوا معلومات ملاحية دقيقة، إلى جانب ملاحظات حول الظروف الجغرافية والمعيشية في المنطقة.
أجرى أحد المشاركين جولة وُصفت بالـ”مُرضية”، وصرّح بأنه لا يمكن الحصول على معلومات ذات قيمة من أي شخص يتجول في البلاد برفقة حراسة. واقترح أسلوبًا فريدًا يتمثل في الانتقال من شيخ إلى شيخ والعيش كأحد العرب، معتمدًا على كرم الضيافة العربي. وعندما سُئل عمّا إذا كان سيرسل نتائج رحلاته إلى فرع الاستخبارات من حين لآخر، أبدى استعداده للمساهمة ما دامت لا تتعارض مع مصالح عمله.
وقد عبّر عن اعتقاده بأن وجود سياسة بريطانية قوية في الخليج سيؤدي إلى التقدم ونشر الحضارة، وبالتالي سيخدم مصالح العالم عامة. كما أشار بوضوح إلى أن المعلومات التي كان يجمعها القناصل البريطانيون من خلال المترجمين (الدراغمان) كانت غير موثوقة، حيث لا يستطيع القناصل الحصول على معلومات مفيدة مباشرة بسبب الموقف المتوجس للعرب. وخلص إلى أن الطريقة الوحيدة للحصول على معلومات ذات جدوى هي “الجلوس حول نار المخيم”، مستخدمًا التعبير: “أن تسافر 500 ياردة لتحصل على بوصة واحدة”. وأوضح أن السلطات العثمانية كانت في البداية تشك فيه، لكنه بات الآن قادرًا على التنقل بحرية شبه كاملة.
بعد جولة أخرى في البصرة – التي بدت أسواقها باهتة وعصرية مقارنة بشوارع بغداد الساحرة – وزيارة ثانية للقنصلية المضيافة، ركبنا الباخرة S.S. Dumra في 28 ديسمبر، وانطلقنا نزولًا مع النهر إلى المحمرة، حيث توقفنا لساعة عند الغروب، ثم تابعنا إلى الفاو، حيث قضينا الليل. لم يرد القبطان عبور الحاجز النهري إلا في ضوء النهار بسبب صعوبته الشديدة.
حول هذا العائق الملاحي المعروف بـ”حاجز شط العرب”، قدم لنا ضابط الملاحة المعلومات التالية:
“مدخل شط العرب يتم تحديده بعوامة خارجية، تقع في عمق 16 قدمًا عند أدنى منسوب للمياه (L.W.S) و23 قدمًا عند أعلى منسوب (H.W.S).
بعد تجاوز العوامة باتجاه شمال غربي لمسافة تقارب 2.1 ميل، نصل إلى أضحل جزء من الحاجز، ويمتد لحوالي 3 أميال طولًا ونصف ميل عرضًا، ويكون العمق فيه 8 أقدام عند أدنى منسوب، ويتراوح بين 14 إلى 18 قدمًا عند أعلى منسوب حسب قوة واتجاه الرياح.
مع رياح شمالية غربية (شَمال)، ينخفض منسوب المياه حوالي 3 أقدام، أما الرياح الجنوبية الشرقية القوية فترفعه بنفس المقدار. خلال المدّ الضعيف، نادرًا ما يتجاوز العمق 13 قدمًا، وتضطر البواخر البريدية لاختراق نحو 3 إلى 4 أقدام من الطين.”
أما الشيخ خزعل، حاكم المحمرة، فقد وُصف بأنه حاكم قوي وذكي، يُحسن إدارة منطقته ويُحافظ على النظام. أبدى تأييده للتقدم، ويعتزم إنشاء خط ترام من شط العرب على الضفة اليمنى لنهر كارون إلى المدينة. كما يربي الخيول في إسطبلات تتسع لحوالي 200 رأس، ويجيد القليل من اللغة الإنجليزية.
توجد المحمرة مقابل مصب نهر كارون، حيث تقع المدينة صعودًا. وخلال تخطيط الرحلة، وبغية تجنب مشاكل الحجر الصحي في البصرة، والحصول على تصور عن هذه المنطقة من بلاد فارس، كان يُفترض التوجه إلى الأحواز عبر الكارون. وكانت هذه الرحلة ممكنة خلال بضعة أيام، لكن التزامًا قدم لوزير الخارجية بعدم النزول في أي ميناء خليجي، أجبرهم على التخلي عن هذه الفكرة.
جمع الكابتن هاي معلومات مهمة في المنطقة. فهنا، ولمئات الأميال صعودًا، ضفاف هذا النهر العظيم – الذي يتراوح عرضه بين 1200 و800 ياردة من الفاو إلى المحمرة – ليست سوى رواسب طينية ترتفع قدمًا أو أكثر قليلاً عن مستوى المد العالي. تحفها على كلا الجانبين أحزمة من أشجار النخيل، وهي أشجار غير جذابة لكنها أساسية لازدهار المنطقة. تظهر أكواخ طينية صغيرة على فترات، تتجمع عادة في مجموعات من اثنين أو ثلاثة.
وعلى الرغم من النشاط الكبير في حركة القوارب المحلية على النهر، إلا أن المنظر الطبيعي كان يفتقر للجاذبية.
وصلنا إلى المحمرة مساءً، وكانت مدينة متواضعة المظهر، حيث ألقينا مرساتنا.
وقد سجلت الملاحظات التالية هناك:
طبيب الحجر الصحي بالمحمرة، من الهيئة الطبية الهندية الثانوية، صعد إلى السفينة. وخلال الحديث، ذكر أن خط الترام التابع لشركة “لينش” من بندر ناصرية إلى الأحواز يعمل ويُقال إنه يدر أرباحًا. ويعتزم الشيخ إنشاء خط ترام مماثل يربط الجمارك بمدينة المحمرة.
لدى شركة لينش سفينة واحدة تدعى “مالامير”، تعمل على خط كارون بين المحمرة والأحواز، وكانت في السابق تقوم برحلة واحدة كل ثلاثة أسابيع، لكنها الآن تضطر للقيام برحلة أسبوعية ذهابًا وإيابًا، بسبب المنافسة من سفينة أخرى ذات عجلة خلفية يمتلكها “معين التجار”، وهو تاجر من ابوشهر. ويعتزم هذا الأخير أيضًا تشغيل سفينة بين الأحواز وتستر.
في الوقت الحاضر، السفينة “شوشان” تخدم هذا الخط، لكنها تعمل بخسارة، وتُدار من قِبل شركة لينش بصفتها وكيلًا للشاه القاجاري، الذي كانت الشركة قد أهدته هذه السفينة.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.