
لندن= موقع كارون الثقافي- في عمل توثيقي نادر، يفتح الكاتب والشاعر الأحوازي محمد عامر زويدات صفحات من سيرة نضالية وفكرية قلّ أن توثّق بهذا العمق، وذلك في كتابه “المسار الوارف – رحلتي في لجنة الوفاق”، الصادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر في مصر. بين دفتي هذا الكتاب، لا يروي زويدات حكايته فحسب، بل يقدّم شهادة حية على تجربة شعب بأكمله، كُتب عليه أن يعيش النسيان السياسي والثقافي، منذ أن سُلب منه وطنه وأُجبر على التواري خلف ستار الدولة الإيرانية.
ينطلق الكاتب من معايشة شخصية لأحداث مفصلية شهدها خلال ما عُرف بـ”مرحلة الإصلاحات” في إيران، حين تولى محمد خاتمي رئاسة الجمهورية، وساد اعتقاد لدى بعض النخب بإمكانية انتزاع هامش من الحرية في بيئة مغلقة بطبيعتها. لكن التجربة، كما يسردها زويدات، كانت مليئة بالمفارقات، إذ سرعان ما تكشفت حدود اللعبة السياسية الإيرانية، وتبيّن أن النظام لا يقبل بوجود صوت عربي مستقل حتى ولو تحت عباءة الإصلاح.
ينتمي زويدات إلى جيل نشأ في ظل الاحتلال الإيراني لإقليم الأحواز، ذلك الإقليم العربي الذي كان يتمتع بسيادة كاملة قبل أن تسقط عاصمته المحمرة (أو خرمشهر) عام 1925 على يد قوات الشاه رضا بهلوي، بدعم خفي من بريطانيا، وتآمر دولي صامت. منذ ذلك الحين، دخلت الأحواز حقبة سوداء من محاولات المحو والاقتلاع، حيث تحوّلت الأرض إلى غنيمة بيد الدولة المركزية، والثروات إلى رافد لخزينة طهران، بينما غرق السكان الأصليون في التهميش، والتمييز، والتجويع الممنهج.
كانت المحمرة في السابق واحدة من أبهى مدن الخليج العربي، بمينائها النابض، وتنوعها الثقافي، وحضورها الاقتصادي والسياسي. لكنها بعد الاحتلال تحولت إلى مدينة منكوبة، جُرّدت من ملامحها، وذُبّحت هويتها ببطء. ومع ذلك، لم تفقد المدينة روحها، وبقيت موئلًا للمقاومة، وملاذًا للذاكرة. من هذه الأرض بالذات، ينهض صوت زويدات، شاعرًا وناشطًا، يكتب من عمق المعاناة، ومن صلب التحدي.
يروي المؤلف كيف أن تجربته في لجنة الوفاق كانت جزءًا من نضال أوسع لتثبيت الهوية العربية داخل واقع خانق. لجنة الوفاق لم تكن حزبًا رسميًا بالمعنى التقليدي، لكنها مثلت ظاهرة سياسية نادرة حاولت، ضمن المتاح، أن تخلق وعيًا جمعيًا، وتدفع الناس إلى الإيمان بحقوقهم، وتُحدث أثرًا في الوجدان الشعبي. وقد برز دور اللجنة خصوصًا في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما شعر الشباب الأحوازي بفرصة ولو ضئيلة للتعبير، فكان لا بد من التقاط اللحظة، وتنظيم الجهود، مهما كانت محدودة.
في خضم تلك المرحلة، برز زويدات كواحد من أبرز الوجوه الثقافية المرتبطة بالحراك السياسي، ونال عن جدارة لقب “شاعر الوفاق”، إذ جمع في قصائده بين الرمز والوضوح، بين البوح والشحنة القومية، فكان صوته يتردد في الأزقة والمجالس، ويوقظ في الناس مشاعر العزة والانتماء. يتحدث الكاتب عن هذه التجربة لا من موقع الفخر الفردي، بل من منطلق المسؤولية الجماعية، حيث يرى أن الشعر لم يكن ترفًا، بل وسيلة لتحفيز الوعي وتعبئة الناس حول مشروع نضالي متكامل.
في أحد أكثر مشاهد الكتاب تأثيرًا، يسترجع زويدات حادثة كان فيها مدعوًا لحفل زفاف شقيقه في مدينة معشور، الواقعة على بُعد نحو 95 كيلومترًا من الأحواز، لكنه اضطر لمغادرة الحفل قبل انعقاده، متجهًا إلى مدينة الأحواز لحضور مجلس تأبين أحد رفاق درب النضال. يصف ذلك الصراع الداخلي بين واجب العائلة ونداء القضية، بين لحظة الفرح وصرخة الذاكرة، بين ابتسامة الأم العجوز وصرامة الرفيق الذي أصرّ على حضوره. يقول إنه غادر البيت وترك خلفه والدته وأخواته في حيرة وعتب، لكنه شعر أن الوفاء لرفيق الكفاح أولى من الترف العاطفي المؤقت، فكتب في داخله: “هذه الأفراح ليست سوى مسكن موضعي، الفرح الحقيقي هو عندما نستعيد وطننا السليب، وعندما تعود الأحواز حرة مستقلة، لا رهينة في قبضة المحتل.”
يمتد هذا العمل على مدى 240 صفحة، تبدأ مسودته الأولى في مدينة المحمرة عام 2003، في ذروة التغيرات الجيوسياسية بعد الغزو الأمريكي للعراق، وتستكمل لاحقًا في لندن عام 2023، في منفى الكتابة الحرة الذي أتاح للكاتب أن يُنضج تجربته، ويعيد تأمل الأحداث من مسافة زمنية وفكرية. وبين البدايتين، لا يخفي زويدات الجراح، لكنه أيضًا لا يسقط في اليأس. إنه يعيد نسج الحكاية بمنطق البقاء، حيث يبقى الحرف حيًا، وتبقى القضية نابضة.
سبق للمؤلف أن نشر ست روايات وديوانًا شعبيًا، غير أن “المسار الوارف” يبدو ذروة نضوجه الأدبي والسياسي، إذ تتلاقى فيه التجربة الذاتية مع المسار الجمعي، ويتشابك فيه الألم بالوعي، والمرارة بالأمل، والذاكرة بالهوية. لا يدّعي زويدات أنه يملك الحقيقة الكاملة، لكنه يقدّم شهادة صادقة، نابعة من قلب رجل عاش القضية بكل تفاصيلها، في السجن والبيت، في المجالس والشوارع، في القصائد والقرارات.
هذا الكتاب ليس مذكرات شخصية فحسب، بل هو وثيقة تنتمي إلى الذاكرة العربية، تنبثق من قلب جغرافيا مغلقة، وتواجه خطاب الدولة الحديثة بسردية مختلفة، تستمد شرعيتها من الدم والمكان. هو محاولة لاستعادة حق الكلام، لمن لم يُمنحوا يومًا فرصة سرد تاريخهم. وفي هذا السياق، يصبح “المسار الوارف” نهرًا آخر من أنهار الأحواز، يروي الأرض التي حاولوا تجفيفها، ويذكّرنا بأن الكلمة، إذا صيغت بصدق، قادرة على كسر الحصار.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.