
شكّلت إمارة المحمّرة (عربستان) حتى مطلع القرن العشرين واحدة من أهم الكيانات السياسية العربية في الخليج، حيث برزت بقيادة الشيخ خزعل بن جابر آل مرداو كإمارة ذات حكم عربي مستقل فعلياً رغم الارتباط الاسمي بالدولة القاجارية. وتميزت هذه الإمارة بانفتاحها على مختلف المكوّنات الدينية والقومية، ما جعلها مركز جذب للعرب من المشرق والمغرب العربي، إلى جانب الطوائف غير المسلمة التي وجدت فيها ملاذاً آمناً. غير أن هذا المشهد تبدل جذرياً مع الغزو العسكري الفارسي بقيادة رضا خان بهلوي عام 1925، الذي أطاح بالحكم العربي وأطلق مرحلة طويلة من القمع والتفريغ الديموغرافي الممنهج.
قبل الاحتلال الفارسي، كانت إمارة المحمّرة تتسم بالانفتاح على محيطها العربي. فقد فتحت قصور الشيخ خزعل في منطقة “الفيلية” على ضفاف شط العرب أبوابها أمام العرب القادمين من العراق، لبنان، فلسطين، البحرين، الكويت، سوريا، مصر وغيرها، إضافة إلى المكوّنات الدينية من مسيحيين، وصابئة مندائيين، ويهود.
كان هذا التنوع انعكاساً لطبيعة الإمارة كجسر حضاري في المنطقة ، وككيان سياسي عربي يحمي مصالح القادمين ويمنحهم فرص الاستقرار والعمل، حيث امتلك كثير من الوافدين الأراضي الزراعية والتجارة الحرة، ما عزز حيوية المنطقة اقتصادياً وثقافياً.
مع صعود رضا خان بهلوي وسياساته التوسعية، شنّ الجيش الفارسي حملة عسكرية في أبريل 1925 انتهت باحتطاف الشيخ خزعل وإسقاط الحكم العربي في المحمّرة. ومنذ ذلك الحين، فُرضت سياسات تهدف إلى محو الهوية العربية، شملت:
المطاردة والتنكيل: تحولت حياة العرب والوافدين إلى مطاردة من قبل العسكر الفارسي الذي مارس النهب والسلب بلا ضوابط.
التجنيد الإلزامي: فُرض على أبناء المنطقة الانخراط في الجيش الفارسي، في خطوة رُفضت بشدة كونها تهدف إلى تفريغ المجتمع من خصوصيته.
قانون كشف الحجاب (1936): أحد أكثر القوانين الجائرة التي اعتُبرت صادمة لمجتمع عربي محافظ، ما أدى إلى موجات نزوح ورفض اجتماعي واسع.
سياسات التهجير والتفريغ: استُهدفت مكونات عربستان التاريخية عبر الضغط المستمر لاقتلاعها من أرضها.
تكشف وثيقة بريطانية تعود إلى عام 1931 عن جانب من معاناة العرب والوافدين، حيث جاء فيها:
- كان في منطقة المحمّرة نحو 8,100 بحريني (رجالاً ونساءً وأطفالاً)، بينهم 2,300 يمتلكون أراضٍ زراعية، وهو ما كان مخالفاً للقانون الفارسي الذي يمنع الأجانب من التملك.
- أشار التقرير إلى أن قضية تجنيد البحرينيين ستتحول إلى أزمة خطيرة في حال استئناف الخدمة العسكرية، مؤكداً أن عجز بريطانيا عن حماية هؤلاء أضرّ بمكانتها لدى العرب على الساحل.
- حتى طُرحت فكرة رفع المسألة إلى عصبة الأمم إذا واصرت الحكومة الفارسية فرض التجنيد على البحرينيين.
هذا النص يوضح أن الاضطهاد لم يطل العرب المحليين فقط، بل شمل أيضاً الوافدين من البحرين والخليج العربي، الذين كانوا جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي في المحمّرة.
إمارة المحمّرة قبل عام 1925 كانت نموذجاً للتعايش والانفتاح العربي على تنوعاته الدينية والقومية، تجسّد في رعاية الشيخ خزعل بن جابر آل مرداو لمختلف المكوّنات التي وجدت في عربستان بيئة حاضنة وآمنة. لكن مع سقوط الحكم العربي بفعل الغزو الفارسي، انقلبت الأوضاع رأساً على عقب، وتحولت المنطقة إلى ساحة للقمع والتهميش العنصري والتهجير المنهجي، وهو ما تؤكده الوثائق الدولية ومنها التقارير البريطانية. وهكذا، فقدت عربستان مكانتها كجسر للتواصل العربي، لتدخل في دائرة من السياسات الاستعمارية الفارسية ما تزال آثارها مستمرة حتى يومنا هذا.
India Office Records, Persia. Annual Reports, 1932– (IOR/L/PS/12/3472A), Coll 28/67.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.