
في هذا العمل الذي يتناول انتفاضة الشعب العربي في الأحواز، لا تظهر الأحداث كوقائع متفرقة أو محطات منفصلة، بل كحكاية طويلة ممتدة الجذور، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، وتتشابك فيها الهوية مع الجغرافيا، وتتحول فيها الأرض إلى مساحة صراع مفتوح بين إرادتين: إرادة البقاء وإرادة إعادة التشكيل. يبدأ السرد من فكرة أساسية مفادها أن ما حدث في الأحواز لم يكن لحظة انفجار مفاجئة، بل نتيجة تراكم طويل من التحولات العميقة التي مست الإنسان والأرض معاً، حيث تراكمت السياسات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية على مدى عقود، لتصنع حالة من الاحتقان الصامت الذي كان يتغذى يوماً بعد يوم حتى وصل إلى لحظة الانفجار.
في هذا السياق، يقدم النص صورة لمنطقة غنية بثرواتها الطبيعية، خصوصاً النفط والغاز والمياه، لكنها في الوقت نفسه تعاني من مفارقة حادة بين الغنى الطبيعي والفقر الاجتماعي، إذ يظهر أن الثروة لم تنعكس على السكان المحليين، بل تحولت إلى عنصر مركزي في إعادة توزيع غير متكافئ للموارد. فبدلاً من أن تكون هذه الثروات رافعة للتنمية المحلية، يتم توجيه عوائدها إلى المركز ومناطق أخرى، بينما يظل السكان العرب في حالة من التهميش الاقتصادي، مع معدلات بطالة مرتفعة وغياب واضح لفرص العمل، خاصة بين الشباب. ويُضاف إلى ذلك ما يصفه النص بمشاريع كبرى مثل مشروع قصب السكر، الذي لم يُقدَّم كمشروع زراعي تنموي بقدر ما ظهر كأداة لإعادة تشكيل الأرض والإنسان، حيث تم انتزاع مساحات واسعة من الأراضي الزراعية من أصحابها الأصليين، ما أدى إلى تفكيك البنية الزراعية التقليدية وإجبار العديد من الفلاحين على ترك أراضيهم والنزوح نحو أطراف المدن، في تحول اجتماعي واقتصادي عميق غير ملامح الحياة الريفية برمتها.
ومع هذا التحول الاقتصادي، تتقدم طبقة أخرى من السياسات التي تتعلق بالسكان أنفسهم، حيث يعرض النص ما يسميه بسياسات التغيير الديموغرافي، والتي تقوم على إعادة توزيع السكان داخل الإقليم عبر تشجيع هجرة غير العرب إلى المنطقة، وتوفير تسهيلات سكنية لهم في مدن ومجمعات جديدة مثل شيرين شهر ورامين، في مقابل تهميش القرى والأحياء العربية الأصلية. ويُنظر إلى هذه المدن بوصفها جزءاً من بنية عمرانية جديدة تهدف إلى خلق توازن سكاني مختلف، يترافق مع تقليص تدريجي لنسبة السكان العرب، وهو ما يرتبط بما ورد في الوثيقة المسربة المعروفة باسم رسالة أبطحي، التي تُعرض في النص كخطة زمنية تهدف إلى إعادة تشكيل التركيبة السكانية خلال عقد من الزمن عبر تقليص نسبة العرب إلى أقلية عددية، وتشجيع استيطان مجموعات سكانية أخرى، ونقل الكفاءات العربية خارج الإقليم، وإعادة رسم الخريطة السكانية بطريقة ممنهجة.
وفي موازاة ذلك، يتعمق البعد الثقافي للصراع، حيث لا يتوقف الأمر عند حدود الأرض والسكن، بل يمتد إلى اللغة والهوية والذاكرة. فالنص يصف محاولات مستمرة لفرض اللغة الفارسية في المؤسسات التعليمية والرسمية، مقابل تهميش اللغة العربية، إضافة إلى تغيير أسماء المدن والقرى والشوارع من أسمائها التاريخية إلى أسماء جديدة، في عملية يُنظر إليها بوصفها إعادة كتابة للذاكرة الجماعية. كما يشير إلى قيود على الأسماء العربية ومنع أو تقليل استخدام الرموز الثقافية المرتبطة بالهوية العربية، وهو ما يخلق شعوراً متراكماً لدى السكان بأن هويتهم ليست فقط مهددة سياسياً واقتصادياً، بل أيضاً مهددة في عمقها الرمزي والثقافي.
وبالتوازي مع هذه التحولات، يبرز في النص جانب آخر يتمثل في البنية الأمنية والعسكرية التي تحيط بالإقليم، حيث يتم الحديث عن انتشار كثيف للمؤسسات الأمنية والاستخباراتية، وتعدد مستويات الرقابة، ووجود ما يشبه الحزام الأمني الذي يهدف إلى ضبط المجال الاجتماعي والسياسي. هذا الحضور الأمني لا يظهر كإجراء ظرفي، بل كبنية دائمة تحكم تفاصيل الحياة اليومية، من الحركة إلى التعبير إلى التنظيم السياسي، مما يخلق حالة من الضغط المستمر الذي يحد من قدرة المجتمع على التعبير الحر.
ومع ذلك، لا يقدم النص هذه الصورة دون أن يعرض في المقابل مساراً آخر يتشكل داخله، وهو مسار المقاومة والانتفاضة. ففي مواجهة هذا الواقع، تظهر الحركة الشعبية بوصفها تعبيراً عن تراكم طويل من الغضب الاجتماعي والسياسي، لكنها في الوقت نفسه ليست مجرد رد فعل عفوي، بل تتحول إلى فعل واعٍ يتطور عبر الزمن. وتبرز في هذا السياق مقارنة بين انتفاضة المحمرة عام 1979 وانتفاضة الهوية عام 2005، حيث تُعرض الأولى كحركة أقرب إلى العفوية والارتباط بالقيادات التقليدية والظرف الثوري العام آنذاك، بينما تُعرض الثانية كحركة أكثر نضجاً وتنظيماً، يقودها الشباب والمثقفون، وتستفيد من أدوات العصر الحديثة، خصوصاً الإنترنت ووسائل الاتصال الرقمية.
ويأخذ الإنترنت في هذا السرد دوراً محورياً، إذ يتحول إلى مساحة بديلة للصراع، حيث يتم من خلاله كسر الحصار الإعلامي، ونقل الصور والمعلومات، وتوثيق الانتهاكات، وربط الداخل بالخارج، وإيصال صوت الانتفاضة إلى المنصات الدولية. وفي المقابل، تحاول السلطات فرض سيطرة على هذا الفضاء عبر قطع الاتصالات أو فرض الرقابة أو منع التغطية الإعلامية الأجنبية، في محاولة لعزل المنطقة عن العالم الخارجي ومنع تشكل سردية بديلة لما يحدث على الأرض.
ومع تصاعد هذا الصراع، يظهر دور الفئات الاجتماعية المختلفة بشكل أوضح، حيث يُقدم الشباب باعتبارهم القوة الميدانية التي تحمل العبء المباشر للاحتجاج، بما يمتلكونه من طاقة وقدرة على كسر الخوف، بينما يُقدم المثقفون باعتبارهم العقل الذي يصوغ الخطاب ويحلل الواقع ويوجه الوعي العام نحو أهداف سياسية أكثر وضوحاً وتنظيماً. ومن تداخل هذين البعدين، يتشكل نوع من الحركة التي تجمع بين الفعل والوعي، بين الميدان والفكر، وهو ما يمنح الانتفاضة، وفق السرد، قدرتها على الاستمرار رغم الضغوط.
وفي امتداد آخر، يتجه الخطاب نحو البعد الدولي، حيث يسعى الفاعلون في الانتفاضة إلى نقل القضية إلى فضاءات أوسع عبر المنظمات الحقوقية والإعلام العالمي، بهدف تحويلها من قضية محلية إلى ملف دولي يخضع للرقابة والمساءلة. ويُنظر إلى هذا التدويل باعتباره جزءاً من استراتيجية مواجهة الضغط الداخلي، ومحاولة لكسب دعم خارجي يحد من قدرة السلطة على عزل الحراك أو قمعه دون تكلفة سياسية.
وفي ختام هذا السرد الطويل، تتبلور الفكرة المركزية التي يحملها النص، وهي أن ما يجري في الأحواز ليس مجرد سلسلة من الاحتجاجات أو الأحداث السياسية المتقطعة، بل هو صراع ممتد على الهوية والوجود، يتداخل فيه الاقتصادي بالديموغرافي، والثقافي بالأمني، ويُعاد فيه تشكيل العلاقة بين الإنسان والأرض بشكل مستمر. وبينما تتغير الأدوات وتتطور الوسائل من انتفاضة تقليدية إلى حركة رقمية حديثة، يبقى جوهر الصراع كما يقدمه النص مرتبطاً بسؤال أعمق حول الحق في الأرض، واللغة، والذاكرة، والمستقبل، في مواجهة مشروع يُنظر إليه باعتباره محاولة لإعادة صياغة كل ذلك من جديد.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.