في أحد قاعات البرلمان الأوروبي في بروكسل، عُقد أمس اجتماع بدعوة من بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي، حيث تم توجيه دعوة إلى المعارضة الإيرانية، وحضرت فيه منظمات تمثل شعوبًا غير فارسية ضمن إطار «مؤتمر شعوب إيران الفيدرالية». وقد خُصص هذا الاجتماع لبحث مستقبل إيران ووجهات نظر قوى المعارضة بمختلف أطيافها، بما في ذلك مكوّنات الشعوب غير الفارسية.
ورغم توجيه الدعوة إلى تيارات مختلفة، فإن بعض القوى الفارسية، وخاصة التيار الملكي بقيادة رضا بهلوي، لم تشارك في هذا الاجتماع. ويعكس هذا الغياب موقفًا سياسيًا معروفًا لهذه التيارات، التي تعارض بشكل عام فكرة النظام الفيدرالي أو أي نموذج لامركزي قائم على التنوع القومي.
ولا يقتصر هذا الموقف على مجموعة محددة أو ظرف معين، بل يشمل طيفًا واسعًا من قوى المعارضة الفارسية التي تعتبر الانتقال من نظام مركزي إلى نظام لامركزي «خطًا أحمر». وحتى في الحالات التي تُطرح فيها أفكار تتعلق بتوزيع السلطة، فإنها غالبًا ما تُقدَّم ضمن إطار يحافظ فعليًا على بنية الدولة المركزية، وإن كان تحت اسم الفيدرالية.
ومن جهة أخرى، تتابع ثلاث تنظيمات سياسية أحوازية نشاطها ضمن إطار «المؤتمر المشترك للجمهوريين الديمقراطيين والفيدراليين الديمقراطيين»، وهو تحالف يضم عددًا كبيرًا من الحركات والشخصيات السياسية النشطة على مستوى إيران. ومع ذلك، فإن حضور التيار الفارسي المنظم يبقى محدودًا وغالبًا ما يقتصر على أفراد متفرقين، يظهر بعضهم أحيانًا كعامل إرباك في الوصول إلى توافق، خصوصًا في ما يتعلق بحقوق الشعوب غير الفارسية.
وقد لوحظ أن بعض هؤلاء الأفراد يستخدمون لغة تؤدي إلى استفزاز المكونات الأخرى، ولا سيما التنظيمات العربية، من خلال استخدام مفردات ذات طابع سلبي أو عبر عدم الاعتراف بالتنوع القومي، بما في ذلك معارضة منح الحقوق المتساوية للأقاليم الطرفية.
تعكس هذه المواقف ذهنية راسخة تعارض منح حقوق الشعوب غير الفارسية ضمن إطار فيدرالية حقيقية، ناهيك عن حق تقرير المصير. وترجع جذور هذه الذهنية إلى عقود من هيمنة النخب الفارسية على مؤسسات الدولة ومواردها، مما أتاح لها فرصًا أكبر في التعليم والسلطة السياسية والاقتصادية.
وبناءً على ذلك، فإن أي مشروع سياسي يسعى لبناء دولة عادلة في إيران سيواجه هذه التحديات البنيوية، وهي تحديات تحتاج إلى دراسة عميقة وجادة لتحقيق العدالة والمساواة بين جميع مكونات الشعوب في إيران.
في المقابل، تُظهر بعض نخب الشعوب غير الفارسية ميلًا واضحًا إلى تجنب العنف واستخدام السلاح من أجل نيل حقوقها، وتفضل المسارات السلمية والحوار السياسي. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى النموذج الكردي الذي، رغم امتلاكه قوات مسلحة، اختار مرارًا الحوار والتفاوض كخيار أول.
ومع ذلك، واجهت هذه القوى السلمية أشكالًا مختلفة من القمع والاستهداف، بما في ذلك الاغتيالات السياسية. ومن أبرز الأمثلة اغتيالات ميكونوس في برلين، حيث استهدفت أجهزة الاستخبارات الإيرانية عددًا من القادة الأكراد خلال اجتماع تفاوضي، وليس في ساحة قتال. وقد شملت هذه العمليات شخصيات مثل عبد الرحمن قاسملو وصادق شرفكندي وغيرهم من المناضلين، ما يعكس حجم المخاطر التي تواجه حتى النشاط السياسي السلمي.
وتشير هذه الوقائع إلى أن المطالبة بحقوق قومية ضمن إطار فيدرالي داخل إيران تواجه معارضة شديدة من قطاعات واسعة من التيارات الفارسية التي تصر على الحفاظ على نموذج الدولة المركزية. ويُنظر إلى أي طرح لامركزي أو متعدد القوميات باعتباره تهديدًا، مما يزيد من حدة التوتر ويقلل فرص التفاهم.
ورغم المشاركة في «المؤتمر المشترك للجمهوريين الديمقراطيين والفيدراليين الديمقراطيين»، لا يزال مستوى التفاهم محدودًا، وغالبًا ما يقتصر التعاطف على ممثلي الشعوب غير الفارسية أنفسهم. ويتكرر هذا النمط في أطر أخرى مثل «مؤتمر شعوب إيران الفيدرالية».
ومن اللافت أن هذا الرفض لا يقتصر على تيار سياسي واحد، بل يشمل طيفًا واسعًا من التيارات الفارسية، سواء القومية أو اليسارية أو الإسلامية وحتى الشيوعية. ففي موضوع حق تقرير المصير، تتخذ هذه التيارات مواقف صارمة، وترفض حتى الفيدرالية الحقيقية. وحتى من يعلن تأييده للفيدرالية غالبًا ما يفرغها من مضمونها، بحيث يتم الحفاظ على المركزية، وأحيانًا مع تثبيت التغيرات الديمغرافية القائمة، بما يكرّس استمرار نوع من عدم العدالة والتهميش.
ويُطرح هنا سؤال أساسي: كيف يمكن قبول أن يتم توطين مجموعات من داخل إيران في منطقة الأحواز، مع تمتعها في الوقت نفسه بمواقع مسيطرة في الاقتصاد والسياسة والأمن والبنية التحتية، بينما يُهمَّش السكان العرب ويُحرمون من مواردهم المعيشية؟ وفي بعض الحالات، يُسمح لبعض الأفراد العرب بالصعود السياسي، لكن ضمن أطر محدودة لا تغيّر بنية السلطة.
ومن هذا المنطلق، يُنظر بريبة إلى المشاريع التي تُطرح تحت عنوان «الحقوق المدنية» أو «الفيدرالية الادارية»، لكنها عمليًا تؤدي إلى تثبيت الوضع القائم. فالفيدرالية الحقيقية ليست إعادة إنتاج للمركزية، بل تقوم على توزيع عادل للسلطة، وضمان حقوق المكونات، وإتاحة إدارة شؤون كل شعب ضمن توازن حقيقي.
ويمكن الاستفادة من نماذج إقليمية، مثل تجربة إقليم كردستان العراق، التي تُقدَّم غالبًا كنموذج للحكم الذاتي ضمن التنوع. فهذا الإقليم، رغم كونه موطنًا رئيسيًا للأكراد، يضم أيضًا عربًا وآشوريين وتركمانًا، ويقوم على أسس من التعايش والمشاركة.
وبناءً على ذلك، يمكن تصور نماذج مشابهة في إيران تتيح للشعوب غير الفارسية إدارة مناطقها، مع احترام حقوق المجموعات الأخرى. كما أن التجربة التاريخية في مناطق مثل دزفول وشوشتر تُظهر أن التعايش بين العرب واللر والفرس وغيرهم كان ممكنًا في ظروف متوازنة.
ومع ذلك، فإن أي مشروع فيدرالي يتجاهل التغيرات السكانية أو عدم المساواة في توزيع السلطة والثروة سيكون بلا جدوى. لذلك فإن أي حل مستقبلي يتطلب مقاربة جادة تأخذ هذه التعقيدات بعين الاعتبار، وليس مجرد أطر نظرية.
وفي هذا السياق، يُدعى جميع الأطراف، وخاصة التيارات الفارسية المشاركة في الحوارات السياسية، إلى التعامل الجاد مع مطالب الشعوب غير الفارسية ومنحها حق تقرير مصيرها. إن نجاح أي نموذج فيدرالي يعتمد على مدى قبوله من قبل هذه الشعوب وقدرته على تحقيق عدالة حقيقية، لا شكلية. وفي النهاية، الهدف هو الوصول إلى نموذج يضمن كرامة جميع المكونات، ويؤسس لتعايش سلمي قائم على الاحترام المتبادل، لا على الإقصاء أو الهيمنة.
كما توجد أمثلة تاريخية تُقدَّم أحيانًا لتحدي الصورة السائدة في عهد البهلويين، خصوصًا ما يتعلق بأميرنا الشهيد الشيخ خزعل بن جابر. فقد كان يُنظر إليه كشخصية تميل إلى التسامح والتقارب، ولم يميز بين العرب والعجم. وكان قصره يضم جزءًا مخصصًا للفنانين العرب من العراق وسوريا ومصر، كما حضر فيه فنانون فرس، مثل الموسيقي تاج أصفهاني ومجموعته، وكذلك بانو وزيري ومجموعتها. وقد أشاد تاج أصفهاني مرارًا بالشيخ خزعل. وفي تلك الفترة، حصل أيضًا كتاب وصحفيون فارسيون على دعم مالي، كما شغل غير العرب مناصب إدارية مهمة، مثل حاج رئيس التجار، ما يعكس وجود بيئة تعايش في ذلك الوقت.
ويشير هذا إلى أن المجتمع الأحوازي لم يكن بطبيعته إقصائيًا أو عنصريًا، بل كان مجتمعًا منفتحا قائمًا على الاحترام المتبادل. كما استقبل الشيخ خزعل المهاجرين المسيحيين ووفّر لهم مرافق في عبادان والأحواز، وشارك في بناء الكنائس. كما كان الصابئة المندائيون جزءًا أصيلًا من هذا النسيج الاجتماعي ولا يزالون يعيشون فيه حتى اليوم. ومع ذلك، تُظهر الحقائق الديمغرافية أن الغالبية المطلقة من سكان الأحواز هم من العرب، ومن الطبيعي، بناءً على هذا الواقع، أن يكون لهم دور أساسي في إدارة المنطقة ضمن إطار يضمن العدالة والمساواة. وفي الختام، يجب أن يقوم أي حل عادل على احترام إرادة الشعوب وتمكينها من إدارة مناطقها، مع الحفاظ على التعايش والتنوع، وإنهاء سياسات التهميش والإقصاء.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.