المولى مطلب ونجله المولى بركات: سيرة تاريخية في مقاومة الإحتلال والمنفى/ حامد الكناني

شهد التاريخ، عبر مراحله المختلفة، العديد من الأحداث؛ بعضها بقي مجهولًا، وبعضها الآخر ارتبط بأسماء معيّنة غالبًا ما نُسبت إلى شخصيات بارزة. غير أن هذه الشخصيات، على الرغم من شهرتها، لم تكن دائمًا الفاعل الوحيد وراء تلك الوقائع، بل شاركها آخرون لم ينالوا القدر ذاته من الذكر، نتيجة لما تمتعت به تلك الشخصيات من كاريزما أو حضور طاغٍ جعل أسماءها تتصدر المشهد.

وفي عصرنا الراهن، ومع تطور علم الآثار وتزايد نشر الوثائق الرسمية أو تسريبها إلى الباحثين والصحفيين، أصبح من الممكن إعادة قراءة التاريخ بصورة أعمق وأكثر دقة. فقد كشفت هذه الوثائق عن تفسيرات جديدة، وأشارت أحيانًا إلى شخصيات وأسباب مغايرة لما هو متداول، بل وحتى إلى اختلافات في التواريخ ذاتها.

ومن بين هذه الأحداث، تبرز الوقائع التي شهدتها منطقة الأحواز خلال القرن الماضي، خصوصًا في بدايات الاحتلال الإيراني. ونؤكد هنا أن هذا الطرح لا يهدف إلى تلميع جهة على حساب أخرى، بل ينطلق من مبدأ أن كل من ناضل ودافع عن الأرض والشعب يستحق الاحترام والتقدير دون تمييز.

فالاحتلال هو احتلال، والاستعمار هو استعمار، بصرف النظر عن الجهة التي تقف وراءه، سواء رفعت شعارات دينية أو قومية أو أيديولوجية. إذ يتمثل جوهر الاستعمار في فرض الهيمنة، واستغلال الموارد، وتجهيل الشعوب وإخضاعها.

وفي هذا السياق، تكشف بعض الوثائق عن دور مهم لم يُسلَّط عليه الضوء بشكل كافٍ، وهو دور الأمير المولى بركات بن مطلب، أحد أمراء المشعشعيين، خلال ثورة الزعيم العربي محيي الدين الزيبق عام 1928 في سهل ميسان.

فقد اندلعت هذه الثورة رفضًا لسياسات فرض الزي البهلوي ونزع سلاح العرب، وهي إجراءات اعتُبرت إهانة لهويتهم. وتشير الروايات إلى أن المولى بركات وقف إلى جانب الزيبق، وشارك في مقاومة القوات الفارسية التي طُردت مؤقتًا من المنطقة، لتبقى سهل ميسان محررة لأكثر من ستة أشهر.

لكن القوات الفارسية عادت لاحقًا بدعم أجنبي، واستعادت السيطرة؛ حيث أُسر محيي الدين الزيبق، بينما تمكن المولى بركات من اللجوء إلى العراق والاستقرار بين القبائل هناك.

ويُذكر أن المولى بركات هو ابن الأمير مطلب، الذي كان آخر أمراء المشعشعيين، وقد عُرف بمواقفه القوية. ومن أبرزها دفاعه عن الأمير مزعل بن جابر في مواجهة إساءات المبعوث القاجاري عبد الغفار نجم الملك، الذي حاول التحريض ضد أمراء الأحواز والتدخل في شؤونهم.

وقد أظهر هذا الموقف جانبًا وطنيًا نادرًا؛ إذ لم يستغل الخلافات الداخلية، بل وقف مدافعًا عن كرامة العرب ووحدة موقفهم.

يروي الحاج عبدالغفار نجم الملك، مبعوث الملك القاجاري ناصر الدين شاه إلى عربستان، في مذكراته عن رحلته إلى الأحواز سنة 1882، سردًا يكشف بوضوح عن نظرته المتعالية وغطرسته في التعامل مع حكام العرب في تلك الديار.

يذكر نجم الملك أن رحلته من الفيلية إلى مدينة الأحواز استغرقت ثمانيًا وعشرين ساعة ونصف، حيث كان في استقباله الشيخ نبهان مع جماعة من أهل الأحواز على مركب الشيخ مزعل. وفي اليوم ذاته، دخل المولى مطلب، والي الحويزة، إلى الأحواز في موكب مهيب يضم ستمائة فارس، ونزل في الضفة الأخرى من نهر الكارون، حيث نصبت قبائله خيامها.

وعند طرف العصر، حضر المولى مطلب برفقة إسفنديار خان وآقا سيد علي الطالقاني لزيارة نجم الملك، ودار بينهم حديث حول طلب ظل السلطان من الشيخ مزعل الحضور إلى أصفهان، وهو أمر بدا متعذرًا. وهنا أظهر نجم الملك وجهه الحقيقي، إذ خاطب ضيوفه بنبرة استعلائية مهينة، متسائلًا بسخرية عمّا إذا كان شيوخ وولاة عربستان يظنون أن لوجودهم أي وزن لدى الدولة، أو أن عصيانهم قد يؤثر في شؤونها. ثم تمادى في إساءته، قائلًا إن الدولة تمتلك من القوة ما يجعلها غير عابئة بهم، بل بلغ به الغرور حد القول: لو أن كل واحد من جنودها بصق بصقة لغُسلت بها عربستان كلها.

المصدر: حاج عبدالغفار نجم الملک، سفرنامه عربستان،موسسه مطبوعاتی علمی، الطبعه الثانیة، طهران 1341 شمسی، ص117-115

كان لهذا الكلام وقع شديد على المولى مطلب، الذي رأى فيه إهانة صريحة لكرامة العرب وحكامهم، فأثار ذلك غضبه واستياءه؛ إذ لم يكن من المقبول لديه السكوت على مثل هذه الإساءات التي تمس الشرف والسيادة. ورغم ما وصفه به نجم الملك من أوصاف سلبية تكشف عن تحيزه وعدائه، فإن موقف المولى مطلب بدا موقفًا مشرفًا يعكس اعتزازه بكرامته ورفضه للخضوع للإهانات.

وفي ختام روايته، يكشف نجم الملك عن جانب آخر من مساعيه؛ إذ أشار إلى العائدات المالية للحويزة، مبينًا أنها تبلغ عشرين ألفًا وثمانمائة تومان سنويًا، مدعيًا أن الوالي يجبي ما يقارب ضعف هذا المبلغ. ويُفهم من هذا الطرح أن مبعوث الملك القاجاري لم يكتفِ بإهانة الحكام العرب، بل سعى أيضًا إلى الإضرار بالمولى مطلب من خلال تحريض البلاط القاجاري ضده عبر تضخيم العائدات المالية، في محاولة للنيل من مكانته ومعاقبته على موقفه الرافض لتلك الإساءات.

المصدر: حاج عبدالغفار نجم الملك، سفرنامه عربستان، مؤسسة مطبوعاتي علمي، الطبعة الثانية، طهران 1341 شمسي، ص 115–117.


“وزارة الداخلية
محافظة الإقليم السادس
التقرير رقم 2215

حضرة السيد محافظ الإقليم السادس،

مع فائق الاحترام، وردًا على الأمر رقم 9675 المؤرخ 21/7/1318، أُفيد بأنه بعد التحقيق حول هجرة مولى بركات، ابن مولى مطلب، تبيّن أن مجريات هجرته كانت على النحو التالي:

بسبب خصومة قديمة بين أسرة موالي الحويزة ناشئة عن الطموح والتنافس، قام مولى بركات المذكور في سنة 1307 بقتل مولى بنات، ابن مولى عبد علي، في أراضي أكوات الشرفة، وهو ابن أخيه، كما جرح مولى نصر الله، قائمقام (بخشداري) الحويزة الحالي، ثم لجأ مع عائلته وأبنائه إلى الأراضي العراقية.

وفيما يتعلق بالمواد المذكورة في كتاب وزارة الخارجية، يُبيَّن ما يلي:

1- إن مولى بركات بن مولى مطلب من موالي الحويزة، وهو إيراني الجنسية، وكان عمله سابقًا أمير (شيخ)، وكان مقيمًا في الحويزة حتى سنة 1929.
2- كانت هجرته في شهر يناير سنة 1929، وسببها مذكور أعلاه، وقد هاجر فقط مع عائلته وأبنائه إلى أراضي العراق، ولم يرافقه أحد من العشائر.
3- في سنة 1929 لم تكن هناك دائرة إيرانية للإحصاء في سهل ميسان لتسجيله وعائلته، ونظرًا لطبيعة فعله لم يكن بإمكانه الحصول على جواز سفر، لذا فقد تمت هجرته إلى العراق دون الحصول على تصريح رسمي.

وفي الختام، يُعرض أنه بحسب التحقيقات، فإن مولى بركات بن مولى مطلب قد تواطأ في سنة 1928 مع محيي الزئبق على عدم تسليم أسلحتهما للدولة وعدم ارتداء الزي (البهلوي) الموحد، ولما لم ينجحا في ذلك، وبسبب ما كان لديه من ضغينة باطنة تجاه موالي الحويزة، وقع هذا الحادث، فهاجر إلى العراق. وبصورة عامة لا يبدو شخصًا صالحًا، وإذا ما تمت الموافقة على عودته إلى الأراضي الإيرانية، فيجب أن يُسكن بعيدًا عن ناحية الحويزة كي لا تتجدد الخصومة.

قُدِّم هذا للعلم.
الحاكم العسكري لسهل ميسان
النقيب والي زاده
صورة طبق الأصل.”


تكشف الوثائق الرسمية أن هذه الثورة لم تكن مجرد تمرد عابر، بل كانت تعبيرًا عن رفض عميق لمحاولات طمس الهوية الثقافية وفرض الاندماج القسري. وقد شهدت مناطق الحويزة ودشت ميشان مواجهات دامية بين الثوار والقوات البهلوية، اتُّهم خلالها المولى بركات بالمشاركة في أعمال أدت إلى سقوط قتلى وجرحى. ومع اشتداد القمع وتراجع الثورة، اضطر إلى الفرار نحو العراق، ليستقر متنقلًا بين البصرة والعمارة، حيث بدأت مرحلة جديدة من حياته اتسمت بالمنفى والمعاناة.

وتبرز أهمية الوثائق في كشفها جانبًا إنسانيًا لافتًا في سيرة هذا الأمير؛ إذ تصفه تقارير القنصلية الإيرانية في البصرة بأنه تحول من شخصية ذات نفوذ إلى رجل يعيش حالة من البؤس والتشرد، يتردد على القنصلية للسماح له بالعودة. كما تشير المراسلات إلى أنه كان يعاني من فقر شديد، ويؤكد رغبته في العودة للعيش كمزارع بعيدًا عن السياسة، في محاولة لاستعطاف السلطات.

إلا أن موقف الدولة البهلوية اتسم بالتردد والحذر الشديدين؛ فقد دارت مراسلات مطولة بين وزارة الخارجية والداخلية ورئاسة الوزراء لتقييم وضعه، وتراوحت الآراء بين الرفض القاطع والموافقة المشروطة. وبينما أبدت بعض الجهات استعدادًا لقبول عودته تحت رقابة مشددة مع إلزامه بالعمل في الزراعة، عارضت القيادات العسكرية ذلك بشدة، معتبرة أنه “شخص غير مناسب” بسبب تاريخه الثوري ورفضه القوانين الفارسية، إضافة إلى اتهامه في قضايا قتل قد تثير نزاعات ثأرية في الحويزة.

ومن أبرز الجوانب التي تكشفها الوثائق أيضًا أن المولى بركات لم يكن يحمل الجنسية الفارسية في ذلك الوقت، وهو ما يتضح من إحالة ملفه إلى “إدارة التابعية والجوازات”،. وقد أدى هذا الوضع القانوني إلى تعقيد قضيته، حيث لم يُعامل كمواطن له حق العودة، بل كحالة تحتاج إلى تسوية قانونية وأمنية، مما جعله عرضة للمماطلة والرفض.

كما تكشف الوثائق عن عوامل داخلية ساهمت في محنته؛ إذ أشار المولى بركات إلى وجود “حسد ودسائس” من بعض أقاربه، بالتوازي مع سوء تعامل بعض المسؤولين المحليين، وهو ما أدى إلى تأزيم وضعه ودفعه نحو الخروج من بلاده. وفي المقابل، ظلت السلطات تنظر إليه بعين الريبة، وتخشى من أن تؤدي عودته إلى إعادة تنشيط الحراك إشعال صراعات جدبدة.

وفي نهاية المطاف، حُسم الموقف الرسمي بالاستمرار في منعه من العودة، حيث اعتُبرت أي إشارات سابقة للموافقة مجرد “خطأ إداري”. وبذلك، بقي المولى بركات في منفاه بالعراق، محرومًا من العودة ومن الاعتراف القانوني الكامل، يعيش بين الفقر والملاحقة السياسية، في صورة تجسد تحولات قاسية من أمير ذي سيادة إلى لاجئ بلا وطن معترف به.

إن سيرة المولى بركات، كما توثقها هذه المراسلات الرسمية، لا تعكس مجرد قضية فردية، بل تكشف آليات عمل الدولة البهلوية في التعامل مع المعارضين، وتوضح طبيعة التداخل بين الأمن والسياسة والقانون في إدارة شؤون الأفراد، خاصة في المناطق ذات الخصوصية القومية مثل الأحواز.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑