
انتشر خلال الأيام الأخيرة خبر وفاة المناضل الأحوازي رحيم لفتة الجادري، المعروف باسم هاشم أبو فادي، وهو أحد أبرز رموز الجيل الأول في مسيرة النضال الأحوازي، ومن الذين التحقوا مبكرًا بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير الأحواز في أواخر ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي، حيث عاش تفاصيل تلك المرحلة بكل ما حملته من حماسة وتحديات، وكان من بين المناضلين الذين جمعوا بين العمل التنظيمي والروح الفدائية، كما أسهم في دعم رفاقه حتى في الجوانب التعليمية، إذ يُروى أنه ساعد بعضهم على تعلم القراءة والكتابة في فترة وجيزة، ما يعكس التزامه العميق بقضيته ورفاقه.
هاجر الفقيد من موطنه الأحواز في أواخر الستينيات إلى العراق، حيث انخرط في صفوف العمل النضالي، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى سوريا، وهناك استقر لفترة وتزوج. وبعد سقوط نظام الشاه في إيران عام 1979 عاد إلى الأحواز على أمل تحقق التغيير، إلا أن الظروف الأمنية لم تسمح له بالبقاء، فاضطر إلى مغادرتها مجددًا، متنقلًا بين سوريا ودولة الإمارات العربية المتحدة، حيث عمل في أحد مستشفيات دبي، قبل أن يعود لاحقًا إلى سوريا ثم إلى مسقط رأسه في الأحواز.
وفي سياق شهادات معاصريه، يذكر الكاتب يوسف عزيزي أنه بعد نحو شهر ونصف من قيام الثورة الإيرانية، اجتمع عدد من نشطاء الداخل الأحوازيين للقاء العائدين من سوريا، وكان هاشم جادري من بينهم، واصفًا إياه بالشاب الطويل ذي الشعر المجعد الذي كان يقيم في حي النهضة (لشكر آباد)، وقد عاد حينها مفعمًا بالأمل، إلا أن خيبة الواقع السياسي سرعان ما دفعته إلى مغادرة الأحواز مرة أخرى نحو سوريا، ثم إلى الإمارات، قبل أن يستقر مجددًا في سوريا. كما أشار إلى معاناته الشخصية، حيث كانت زوجته سورية، وفقد ابنه فؤاد خلال الأحداث الدامية في سوريا عام 2013، فضلًا عن دوره في نقل أخبار استشهاد عدد من النشطاء الأحوازيين في تلك المرحلة الصعبة.
ويستذكر الكاتب حامد الكناني لقاءه الأول بالفقيد في منتصف ثمانينيات القرن الماضي في دولة الإمارات، حين زاره في منزله بمنطقة الشارقة برفقة صديقه كريم علوان الشرفي، حيث ترك ذلك اللقاء، رغم قصره، أثرًا عميقًا في نفسه، لما اتسم به الفقيد من بساطة وصدق وثبات. كما يستحضر الكناني دوره النضالي المبكر، وعلاقاته الوثيقة مع عدد من رموز العمل الأحوازي.
وفي شهادة مؤثرة أخرى، عبّر الأستاذ جابر أحمد عن حزنه العميق لرحيل رفيق دربه، مستذكرًا علاقة صداقة ونضال امتدت منذ ستينيات القرن الماضي، حين جمعتهما مقاعد الدراسة، قبل أن تتواصل عبر عقود طويلة من العمل المشترك. وأكد أن الفقيد كان من أوائل المنخرطين في العمل التنظيمي، حيث شارك في اللقاءات الأولى لتأسيس النشاط السري، وتوجّه مع مجموعة من رفاقه إلى العراق للتدريب، قبل أن تؤدي الضربات الأمنية إلى اعتقال عدد من القيادات، ما اضطره إلى مغادرة العراق والتوجه إلى سوريا. ومع توقيع اتفاقية الجزائر في منتصف السبعينيات، واصل نشاطه من الخارج، قبل أن يعود إلى الأحواز عقب سقوط نظام الشاه، ثم يغادرها مجددًا نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية.
كما أشار إلى أن الفقيد تنقّل بين عدة دول، وعاش ظروف المنفى القاسية، وتعرّض لاحقًا لوعكة صحية تمثلت في جلطة قلبية أثّرت على وضعه الصحي، قبل أن يقرر العودة إلى مسقط رأسه. وفي سنواته الأخيرة، عانى من المرض، حيث نُقل إلى مدينة مشهد لتلقي العلاج، إلى أن وافته المنية في أبريل 2026 بعد مسيرة طويلة من النضال والصبر.
وقد نعت عدة تنظيمات أحوازية الفقيد، مشيدةً بدوره وتاريخه، ومؤكدةً أنه كان نموذجًا للمناضل الصادق الذي ظل وفيًا لمبادئه حتى آخر لحظاته. وبرحيله، تفقد الساحة الأحوازية أحد أبرز رموزها، ورجلًا كرّس حياته للدفاع عن قضيته وشعبه، لتبقى سيرته حاضرة في الذاكرة، شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ النضال، وملهمة للأجيال القادمة.
رحم الله أبا فادي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ورفاقه الصبر والسلوان، وستظل ذكراه شعلة مضيئة تنير درب الأجيال القادمة.
تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.