تصاعد الانقسام داخل إيران بين الدبلوماسية والميدان على خلفية تصريحات دونالد ترامب- تحليل سياسي استنادا لمعلومات متداولة

أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة واسعة من الجدل، بعد أن بدا خلالها في موقع الطرف الأقوى في إدارة الملف الإيراني، إذ أشار إلى نجاحه في دفع طهران نحو تقديم تنازلات تتعلق باليورانيوم المخصب، مع تعهدات بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي مستقبلاً، ملوّحاً في الوقت ذاته بخيار تصعيد عسكري غير مسبوق في حال فشل التوصل إلى اتفاق. هذه التصريحات لم تمر مرور الكرام داخل إيران، بل كشفت عن انقسام واضح بين جناحين رئيسيين: جناح “الدبلوماسية” ممثلاً بوزارة الخارجية، وجناح “الميدان” الذي يقوده الحرس الثوري والتيار المتشدد، وهو انقسام تجلّى بوضوح في إدارة ملفات حساسة مثل مضيق هرمز ومسألة وقف إطلاق النار.

ففي ما يتعلق بمضيق هرمز، برز التناقض بشكل لافت بين مواقف المؤسستين؛ إذ أطلق وزير الخارجية عباس عراقجي إشارات تهدئة عبر القنوات الدبلوماسية ومنصات التواصل، مؤكداً عدم نية إيران التصعيد واستعدادها للحفاظ على انسيابية الملاحة، في حين أعلنت بحرية الحرس الثوري شروطاً عسكرية صارمة لعبور السفن، ما اعتُبر تراجعاً عن الخطاب الدبلوماسي، ودليلاً على أن الكلمة الفصل قد تكون للمؤسسة العسكرية، وهو ما عززته أيضاً تصريحات برلمانية أكدت أن “الميدان هو من يحدد القواعد”. ولم يبقِ هذا الخلاف طيّ الكتمان، بل خرج إلى العلن عبر وسائل الإعلام، حيث شنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية هجوماً مباشراً على وزير الخارجية في سابقة نادرة، بالتزامن مع حملة قادها أنصار التيار المتشدد المرتبط بـ سعيد جليلي على منصات التواصل، اتهموا فيها وزارة الخارجية بالضعف وتقديم تنازلات غير مبررة، في مؤشر على وجود محاولة منظمة لتقويض نفوذ التيار الدبلوماسي داخل مؤسسات الحكم.

وامتد هذا التباين إلى تفسير التهدئة في الساحة الإقليمية، حيث سعت الحكومة إلى تقديم وقف إطلاق النار باعتباره نتيجة مباشرة لنجاح الجهود الدبلوماسية، بينما نسبت تقارير مقربة من التيار المتشدد، مثل وكالة “تسنيم”، الفضل إلى الجاهزية العسكرية، مؤكدة أن التهديد باستخدام القوة هو العامل الحاسم، وهو ما يعكس اختلافاً جوهرياً في فهم أدوات التأثير بين الدبلوماسية والردع العسكري. وفي الملف النووي، بدا هذا التباين أكثر حساسية، إذ تحاول وزارة الخارجية إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، في مقابل صدور تصريحات متشددة تحد من هذا المسار، من بينها تأكيد المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي أن اليورانيوم المخصب يمثل “خطاً أحمر” لا يمكن التنازل عنه، وهو تصريح يُنظر إليه كرسالة موجهة للداخل بقدر ما هو للخارج، بهدف تقليص هامش المناورة أمام الفريق الدبلوماسي.

وفي السياق ذاته، وجّه المحلل الإيراني مجيد رجبي انتقادات حادة لأداء الحكومة، مشيراً إلى التناقض بين الشروط المرتفعة السقف التي أُعلن أنها أساس لوقف إطلاق النار—والتي تضمنت مطالب تتعلق بأمن مضيق هرمز والحصول على تعويضات والحفاظ على حق التخصيب—وبين الواقع العملي الذي شهد استمرار الهجمات دون رد حاسم، متسائلاً عن مصير تلك الشروط ومن يدير فعلياً مسار المفاوضات. وفي ضوء هذه المؤشرات، يتضح أن المشهد السياسي الإيراني يعاني من حالة ازدواجية في اتخاذ القرار، حيث يسعى جناح الدبلوماسية إلى احتواء التصعيد والحفاظ على قنوات التواصل، بينما يرى التيار المتشدد أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لإعادة فرض قواعد جديدة في الإقليم والملف النووي على حد سواء.

وبين هذين المسارين المتوازيين، يظل السؤال الأهم معلقاً: من يمتلك القرار النهائي في طهران؟ هل هو منطق التفاوض أم منطق القوة؟ وهو سؤال لن يحدد فقط مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، بل قد يرسم أيضاً ملامح التوازنات الإقليمية في المرحلة المقبلة.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑